يضيف التقدم الذي أحرزته جماعة الحوثيين (أنصار الله) على طول الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك ما أُعلن عن بسط سيطرتها على جزر في البحر الأحمر وفي مقدمتها جزيرة بريم (ميون)، معطى جديدا إلى البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر. فمن شأن هذه المواقع أن توسّع هامش الجماعة في التأثير على حركة الملاحة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وإن ظل تحويل هذا الهامش إلى تعطيل فعلي للمضيق مرهونا بحسابات سياسية أوسع، وبكلفة لا تقتصر تبعاتها على اليمن وحده.
ويأتي هذا التطور في توقيت حساس بالنسبة إلى القاهرة. فقبيل اندلاع المواجهة مع إيران، كانت حركة الشحن في البحر الأحمر قد بدأت تستعيد جزءا من مستوياتها السابقة، بعد أشهر من التراجع الذي رافق الهجمات التي استهدفت السفن في المنطقة.
وكانت الجماعة قد أعلنت حينها أن هجماتها، ولا سيما على السفن المتجهة إلى إسرائيل، تأتي ردا على الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، التي استمرت عامين وانطلقت في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على بلدات ومستوطنات في جنوب إسرائيل.
ورغم أن تلك الهجمات لم تستهدف مصر بصورة مباشرة، فإن آثارها انعكست عليها بوضوح، إذ تراجعت إيرادات قناة السويس بنحو النصف خلال عامي الحرب.
وأضاف هذا التراجع عبئا إلى الضغوط القائمة على الاقتصاد المصري، إلى جانب كُلفٍ أخرى ترتبت على حرب غزة، وهو ما دفع القاهرة إلى توسيع تعاملها مع المؤسسات المالية الدولية.
وفي المقابل، حملت المواجهة مع إيران معطى مغايرا. فمع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، اتجه منتجون إقليميون، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، إلى البحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط.
ووفرت مصر أحد هذه المسارات، مع إعادة تشغيل خط الأنابيب السعودي بين الشرق والغرب، الذي ينقل النفط من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر. ومن هناك يُنقل النفط إلى الجانب المصري، حيث يُضخ في خط أنابيب "سوميد" الذي يربط ساحل البحر الأحمر بميناء سيدي كرير على البحر الأبيض المتوسط، ليُحمّل بعدها على ناقلات متجهة إلى الأسواق العالمية.
وعزز هذا التحول موقع مصر بوصفها ممرا بديلا لإمدادات الطاقة في ظل اضطراب الملاحة في هرمز، بما ينسجم مع ما تطرحه القاهرة من تطلعات لأن تكون مركزا إقليميا للطاقة.
غير أن تهديد الحوثي قرب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يطرح أسئلة مشروعة بشأن انتظام الملاحة، وأسواق الطاقة، وسلاسل التجارة بين آسيا والأسواق الدولية. وهو يضيف، بالنسبة إلى القاهرة، ملفا جديدا إلى بيئة إقليمية بات يتقاطع فيها عدد من الفاعلين ذوي الحسابات المختلفة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيق في ما بينهم.
ملفات متقاطعة
شهد محيط البحر الأحمر في السنوات الأخيرة تزايدا في عدد الأطراف المعنية بمعادلاته، بما جعل هذا الممر ساحة تتقاطع فيها حسابات إقليمية ودولية متعددة، وترتفع فيها الحاجة إلى ترتيبات لإدارة التوتر.
فقبل المستجدات الأخيرة على الساحل الغربي لليمن، كانت القاهرة منشغلة بمساعي إثيوبيا، التي تخوض معها نزاعا ممتدا حول مياه النيل، للحصول على منفذ على البحر الأحمر، وعملت دبلوماسياً على الحد من فرص نجاح هذه المساعي.
فأديس أبابا تطرح الحصول على منفذ سيادي إلى البحر الأحمر عبر إحدى الدول المجاورة بوصفه مطلبا يرتبط بحجمها السكاني والاقتصادي وبكلفة اعتمادها على موانئ الغير. وترى القاهرة في أي حضور إثيوبي دائم على هذا الممر عاملا مؤثرا في مسار تجاري تعده أساسيا لاقتصادها، نظرا لارتباطه بقناة السويس، أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي لديها.
وتستمد مصر جانبا من ثقلها الجيوستراتيجي من قناة السويس، التي يمر عبرها في ظروف التشغيل الاعتيادية ما يقارب 12 إلى 15 في المئة من التجارة العالمية، ونحو 7 إلى 9 في المئة من النفط المنقول بحرا سنويا.


