مصر وباب المندب... حسابات أمن قومي تحكمها الذاكرة والاقتصاد

متغيرات جيوسياسية جديدة

إ.ب.أ
إ.ب.أ
مسلح يمني يجلس على متن قارب أمام سفينة الشحن "غالاكسي ليدر"، التي استولى عليها الحوثيون قبالة شاطئ ميناء الصليف على البحر الأحمر في محافظة الحديدة، 5 ديسمبر الماضي

مصر وباب المندب... حسابات أمن قومي تحكمها الذاكرة والاقتصاد

يضيف التقدم الذي أحرزته جماعة الحوثيين (أنصار الله) على طول الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك ما أُعلن عن بسط سيطرتها على جزر في البحر الأحمر وفي مقدمتها جزيرة بريم (ميون)، معطى جديدا إلى البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر. فمن شأن هذه المواقع أن توسّع هامش الجماعة في التأثير على حركة الملاحة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وإن ظل تحويل هذا الهامش إلى تعطيل فعلي للمضيق مرهونا بحسابات سياسية أوسع، وبكلفة لا تقتصر تبعاتها على اليمن وحده.

ويأتي هذا التطور في توقيت حساس بالنسبة إلى القاهرة. فقبيل اندلاع المواجهة مع إيران، كانت حركة الشحن في البحر الأحمر قد بدأت تستعيد جزءا من مستوياتها السابقة، بعد أشهر من التراجع الذي رافق الهجمات التي استهدفت السفن في المنطقة.

وكانت الجماعة قد أعلنت حينها أن هجماتها، ولا سيما على السفن المتجهة إلى إسرائيل، تأتي ردا على الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، التي استمرت عامين وانطلقت في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على بلدات ومستوطنات في جنوب إسرائيل.

ورغم أن تلك الهجمات لم تستهدف مصر بصورة مباشرة، فإن آثارها انعكست عليها بوضوح، إذ تراجعت إيرادات قناة السويس بنحو النصف خلال عامي الحرب.

وأضاف هذا التراجع عبئا إلى الضغوط القائمة على الاقتصاد المصري، إلى جانب كُلفٍ أخرى ترتبت على حرب غزة، وهو ما دفع القاهرة إلى توسيع تعاملها مع المؤسسات المالية الدولية.

وفي المقابل، حملت المواجهة مع إيران معطى مغايرا. فمع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، اتجه منتجون إقليميون، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، إلى البحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط.

ووفرت مصر أحد هذه المسارات، مع إعادة تشغيل خط الأنابيب السعودي بين الشرق والغرب، الذي ينقل النفط من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر. ومن هناك يُنقل النفط إلى الجانب المصري، حيث يُضخ في خط أنابيب "سوميد" الذي يربط ساحل البحر الأحمر بميناء سيدي كرير على البحر الأبيض المتوسط، ليُحمّل بعدها على ناقلات متجهة إلى الأسواق العالمية.

وعزز هذا التحول موقع مصر بوصفها ممرا بديلا لإمدادات الطاقة في ظل اضطراب الملاحة في هرمز، بما ينسجم مع ما تطرحه القاهرة من تطلعات لأن تكون مركزا إقليميا للطاقة.

غير أن تهديد الحوثي قرب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يطرح أسئلة مشروعة بشأن انتظام الملاحة، وأسواق الطاقة، وسلاسل التجارة بين آسيا والأسواق الدولية. وهو يضيف، بالنسبة إلى القاهرة، ملفا جديدا إلى بيئة إقليمية بات يتقاطع فيها عدد من الفاعلين ذوي الحسابات المختلفة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيق في ما بينهم.

ملفات متقاطعة

شهد محيط البحر الأحمر في السنوات الأخيرة تزايدا في عدد الأطراف المعنية بمعادلاته، بما جعل هذا الممر ساحة تتقاطع فيها حسابات إقليمية ودولية متعددة، وترتفع فيها الحاجة إلى ترتيبات لإدارة التوتر.

فقبل المستجدات الأخيرة على الساحل الغربي لليمن، كانت القاهرة منشغلة بمساعي إثيوبيا، التي تخوض معها نزاعا ممتدا حول مياه النيل، للحصول على منفذ على البحر الأحمر، وعملت دبلوماسياً على الحد من فرص نجاح هذه المساعي.

فأديس أبابا تطرح الحصول على منفذ سيادي إلى البحر الأحمر عبر إحدى الدول المجاورة بوصفه مطلبا يرتبط بحجمها السكاني والاقتصادي وبكلفة اعتمادها على موانئ الغير. وترى القاهرة في أي حضور إثيوبي دائم على هذا الممر عاملا مؤثرا في مسار تجاري تعده أساسيا لاقتصادها، نظرا لارتباطه بقناة السويس، أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي لديها.

وتستمد مصر جانبا من ثقلها الجيوستراتيجي من قناة السويس، التي يمر عبرها في ظروف التشغيل الاعتيادية ما يقارب 12 إلى 15 في المئة من التجارة العالمية، ونحو 7 إلى 9 في المئة من النفط المنقول بحرا سنويا.

تهديد الحوثي قرب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يطرح أسئلة مشروعة بشأن انتظام الملاحة، وأسواق الطاقة، وسلاسل التجارة بين آسيا والأسواق الدولية. وهو يضيف، بالنسبة إلى القاهرة، ملفا جديدا إلى بيئة إقليمية بات يتقاطع فيها عدد من الفاعلين ذوي الحسابات المختلفة

كما أن أي موطئ قدم إثيوبي على البحر الأحمر يمنح أديس أبابا، من وجهة النظر المصرية، هامشا إضافيا في ملف نهر النيل، المصدر الرئيس للمياه العذبة في مصر.

ومع دخول سد النهضة الإثيوبي حيز التشغيل، إلى جانب مشروعات أخرى قيد الإعداد، باتت لإثيوبيا قدرة أكبر على التحكم في توقيت تدفق المياه نحو دولتي المصب، السودان ومصر.

ومن جهة أخرى، أضاف الحديث عن اعتراف إسرائيلي بإقليم أرض الصومال، وما تردد عن ترتيبات عسكرية على ساحله، بعدا آخر إلى حسابات القاهرة الأمنية. وقد ذهب عدد من المحللين الإسرائيليين إلى ربط هذا الاهتمام بموقع المدخل الجنوبي للبحر الأحمر في معادلة التوازن مع مصر، وهي قراءات تعبر عن وجهات نظر أصحابها أكثر مما تعكس سياسة معلنة أو مؤكدة.

وفي ما يتصل بالمشهد اليمني، قد يؤدي تهديد الحوثي على الساحل الغربي إلى انتقال جزء من الاهتمام الدولي من مضيق هرمز إلى باب المندب، وإلى إعادة توزيع الضغوط المفروضة حاليا على إيران.

كما يُنظر إلى هذا التطور بوصفه قد يوسع هامش الحركة الإيراني على ضفتي البحر الأحمر، بما في ذلك السودان، حيث تتحدث تقارير عن دعم إيراني للجيش السوداني في حربه مع "قوات الدعم السريع"، وهي حرب ترتبط نتائجها بمستقبل وحدة البلاد.

أ.ف.ب
سفن على طول قناة السويس المصرية بالقرب من الإسماعيلية في 16 أبريل 2025

ويتقاطع ذلك مع عودة نشاط القرصنة قبالة السواحل الصومالية، وما تشير إليه تقييمات أمنية من صلات لوجستية بين جماعات محلية، من بينها "حركة الشباب"، وأطراف يمنية. وتظل هذه التقديرات محل تفاوت بين مصادر مختلفة، لكنها تضيف عنصر تعقيد إلى بيئة الملاحة في المنطقة.

حسابات القاهرة

حتى الآن، حافظت مصر على مسافة من المواجهة مع إيران، ولم تستجب لدعوات للانخراط في ترتيبات تستهدف الضغط على طهران.

وحين استُهدفت السفن التجارية في البحر الأحمر خلال حرب غزة التي استمرت عامين، تجنبت القاهرة، رغم إمكاناتها العسكرية، الدخول في مواجهة مباشرة مع الحوثيين.

ومن المرجح أن تقرأ القاهرة أي تحركات حوثية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب خلال المرحلة المقبلة بوصفها غير موجهة إليها بصورة مباشرة. غير أن ذلك لا يعني أن مصر بمنأى عن تبعاتها الاقتصادية.

حتى الآن، حافظت مصر على مسافة من المواجهة مع إيران، ولم تستجب لدعوات للانخراط في ترتيبات تستهدف الضغط على طهران

وفي تعاملها مع المستجدات على الساحل الغربي لليمن، ستستند القاهرة إلى مزيج من الخبرة التاريخية، واعتبارات الأمن القومي، وقواعد التوازن التي دأبت على اتباعها.

فتجربة التدخل المصري في شمال اليمن عام 1962 لا تزال حاضرة في الذاكرة المؤسسية. إذ تحول ما بدأ تعبيرا عن تضامن الضباط الأحرار في مصر مع نظرائهم اليمنيين الذين أنهوا الحكم الملكي في بلادهم، إلى حرب ممتدة استنزفت قدرات الجيش المصري.

وترتبت على تلك التجربة كلفة عالية، إذ دخل الجيش المصري حرب يونيو/حزيران 1967 وهو غير مهيأ لها، وانتهت الحرب باحتلال إسرائيل شبه جزيرة سيناء.

وفي الوقت نفسه، يميل قطاع من النخبة المصرية إلى قراءة الأزمات الإقليمية الراهنة بوصفها بيئة قد تُستدرج إليها مصر بما يرهق قدراتها الاقتصادية والعسكرية.

ويستند هذا التوجه، الذي يفضل الاحتواء على التدخل، إلى تقدير مفاده أن الاضطرابات القائمة لن تنتج رابحا صافيا، وأن كلفتها ستطال مختلف الأطراف.

أ.ف.ب
يراقب أفراد خفر السواحل اليمني الموالون للحكومة المعترف بها دوليا آخرين وهم يستقلون زورق دورية في البحر الأحمر قبالة بلدة المخا التي تسيطر عليها الحكومة في محافظة تعز، بالقرب من مضيق باب المندب الاستراتيجي، في 12 ديسمبر 2023

ويبقى السؤال مفتوحا بشأن مدى ثبات هذا التوجه إذا اتسعت التداعيات الاقتصادية لاضطراب الملاحة في باب المندب إلى حدود أبعد مما شهدته المرحلة السابقة.

ومع حديث أطراف إقليمية، من بينها إسرائيل، عن احتمال الانخراط في عمل عسكري أوسع في اليمن، تضيق أمام القاهرة هوامش أي خيار عسكري، لاعتبارات تتصل بالسياق الذي سيُقرأ فيه هذا الخيار.

فمن غير المرجح أن تنضم مصر إلى ترتيب تقوده إسرائيل ضد طرف إقليمي، ضمن مواجهات تُقرأ في القاهرة باعتبارها مرتبطة برؤية إسرائيلية للنظام الإقليمي لا تتطابق مع الرؤية المصرية.

كما أن أي تحرك مصري تجاه الحوثيين سيُقرأ إقليميا في سياق العلاقة مع إيران، بوصفها الداعم الرئيس للجماعة.

وقد حرصت القاهرة خلال الأشهر الماضية على تجنب التصعيد مع طهران، انطلاقا من اعتبارات عدة، في مقدمتها نظرتها إلى دور إيران في معادلة توازن القوى الإقليمي، وما قد يترتب على اختلال هذه المعادلة.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن بلاده تفضل خفض التصعيد واستعادة الاستقرار، في وقت تشير فيه تقديرات رسمية إلى أن خسائر مصر جراء اضطراب الملاحة في البحر الأحمر تجاوزت 11 مليار دولار.

وتعكس هذه التصريحات الخط الذي يرجح أن تسير عليه القاهرة في التعامل مع المستجدات اليمنية: أولوية للتهدئة، وإبقاء الملف في إطار المعالجة السياسية. ويبقى اختبار هذا الخط مرهونا بمدى فاعلية الجهود الإقليمية والدولية في تثبيت الاستقرار عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو مسار لم يفض حتى الآن إلى نتائج حاسمة.

font change

مقالات ذات صلة