أميركا والصين... حرب باردة بنظامين عالميين

بكين لن تدخل في توافق صمم لإبقائها في موقع أدنى

المجلة
المجلة

أميركا والصين... حرب باردة بنظامين عالميين

خلال عطلة نهاية الأسبوع، أطلق داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، دعوة مدوية إلى "ضبط إيقاع الجبهة المتقدمة" في الذكاء الاصطناعي، مطالبا القطاع بأن يبطئ عمدا وتيرة تطور قدرات النماذج الأكثر تقدما. وبعد ساعات، أعلن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ"أوبن إيه آي"، اتفاقه معه وتعهد بأن تجاري شركته أول التزام تعلنه "أنثروبيك". ورد إيلون ماسك، مؤسس "إكس إيه آي"، التي سوّقت نموذجها "غروك" على أنه أقل خضوعا للقيود من منافسيه: "داريو محق". كما أبدى ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لـ"غوغل ديب مايند"، تأييدا عاما للفكرة. وهكذا وجد أربعة من أشرس المتنافسين أنفسهم، في ظهيرة واحدة من عطلة نهاية الأسبوع، متفقين على مبدأ واحد: أن لا يتقدم الذكاء الاصطناعي المتطور بأقصى سرعة تتيحها القدرات الهندسية.

فهل نحن أمام صحوة ضمير مفاجئة؟ ولماذا الآن؟ وإلى أين يتجه السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي؟

يقدم أمودي اقتراحه على أنه ضرورة أخلاقية ملحة لتفادي أخطار كارثية، ويدعو إلى إبطاءٍ منسقٍ عالميا لتطوير النماذج المتقدمة، تحت رقابة دولية صارمة. وقد أحدث هذا التحول المعلن صدى واسعا في مختبرات وادي السيليكون وأروقة واشنطن. فالدولة المتصدرة عالميا في الذكاء الاصطناعي باتت تدعو إلى قدر أكبر من التروي والمسؤولية في التعامل مع تكنولوجيا تتطور بسرعة وتحدث اضطرابات واسعة، وهو ما أثار رد فعل حادا من الرئيس ترمب، الذي قال إن "الوحيد السعيد بهذا هو الصين".

لكن أكثر ما يلفت النظر في مقال أمودي ليس تعهده بإدخال مقيّمين مستقلين إلى المختبرات الأميركية، ولا دعوته الحكومات الديمقراطية إلى تنسيق معايير السلامة. النقطة الأبعد أثرا تأتي في خطوته الثالثة والأخيرة، حين يقر بأن ضبط وتيرة التقدم عند حدود الذكاء الاصطناعي المتقدم سيقتضي، في نهاية المطاف، اتفاقا مع حكومات سلطوية، وفي مقدمتها الصين.

وفي بكين، قوبل الاقتراح بكثير من الرفض والاستخفاف. فمن وجهة نظر استراتيجيين وتقنيين صينيين، لا يعبر بيان أمودي عن دعوة صادقة إلى سلامة عالمية. وهم يرون أن وادي السيليكون يغلف القومية التكنولوجية بلغة المخاطر الوجودية، سعيا إلى إقامة منظومة جديدة لاحتواء الذكاء الاصطناعي تكرس الهيمنة التكنولوجية الأميركية تحت غطاء "ضبط إيقاع الجبهة المتقدمة".

وتقرأ بكين هذا النهج باعتباره استحواذا تنظيميا على نطاق جيوسياسي. فعندما تحصر الولايات المتحدة مفهوم "السلامة" في قدرات النماذج المتقدمة، وهي الساحة التي ما زالت الشركات الأميركية تتقدم فيها، فإنها ترفع كلفة الامتثال أمام المنافسين العالميين، وفي مقدمهم الصينيون. ومن شأن "ضبط الإيقاع"، وفق هذه القراءة، أن يحول دون تفوق الشركات الصينية على نظيراتها الأميركية في الابتكار أو سرعة الانتشار، وأن يجعل وتيرة السباق أقرب إلى ما يحفظ لواشنطن أسبقيتها التكنولوجية.

وبيان أمودي نفسه يوضح ذلك. فهو يقرن دعوته إلى "ضبط الإيقاع" بنتيجة تبدو معاكسة لفكرة الإبطاء: توسيع الفارق الأميركي مع الصين في الذكاء الاصطناعي خلال الأعوام الثلاثة إلى الخمسة المقبلة، عبر مواصلة تقييد وصول الصين إلى الرقائق المتقدمة وتشديد الإجراءات ضد تقطير النماذج وسرقة أوزانها.

لماذا هذا التحول؟

ما يثير قلق مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في وادي السيليكون ليس عجزها عن البقاء في الصدارة أمام الصين، وإنما تراجع قدرتها على التسارع بوتيرة تفوق منافسيها الصينيين.

على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، منذ ظهور "ديب سيك"، استندت الاستراتيجية الأميركية للحفاظ على الهيمنة في الذكاء الاصطناعي إلى سياسة احتواء قسرية تجاه الصين. فرضت واشنطن قيود تصدير واسعة على الرقائق المتقدمة، وأحكمت قبضتها على سلاسل توريد أشباه الموصلات العالمية، وسخرت نفوذ النظام المالي الدولي المقوم بالدولار لحرمان الشركات الصينية من القدرة الحاسوبية والمواهب ورأس المال. واقتنعت المؤسسة الاستراتيجية الأميركية بأن خنق وصول الصين إلى أشباه الموصلات المتقدمة أقام خندقا منيعا حول جبهة الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورا.

لكن هذا الخندق أخذ يتداعى مع تقدم عام 2026. فقد أحدث ظهور جيل جديد من النماذج التأسيسية الصينية، ذات القدرات العالية والكفاءة الكبيرة في استخدام الموارد، صدمة في وادي السيليكون وبدد وهم أن التفوق الأميركي عصي على التحدي. ولم يعد المشهد في 2026 يدور حول عملية لحاق صينية بطيئة وشاقة. فالنماذج الصينية تتطور بوتيرة أسرع من نظيراتها الأميركية، والفجوات في الأداء تضيق بسرعة.

تعثر احتواء الذكاء الاصطناعي الصيني بالتدابير التكنولوجية الصارمة في مطلع عشرينات هذا القرن يدفع وادي السيليكون اليوم نحو أدوات أكثر ليونة، تعتمد على القواعد والمعايير التنظيمية

وفي الأداء الخام، تقلص التأخر الصيني من سنوات إلى أشهر. ووفق تقييم لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أصبحت النماذج الصينية قريبة بما يكفي من الجبهة المتقدمة لمنافسة النماذج الأميركية في طيف واسع من المهام العملية. وقد تصدرت سلسلة "GLM" التابعة لشركة "Z.ai" مؤخرا النماذج المفتوحة في برمجة الواجهات الأمامية، فيما يأتي نموذج "Kimi" من شركة "Moonshot" مباشرة خلف "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" في مؤشرات أداء الوكلاء الأذكياء وهندسة البرمجيات. أما "Kimi K3"، الذي أطلق في يوليو/تموز، فتقدمه الشركة على أنه أكبر نموذج مفتوح الأوزان في العالم.

أما في الانتشار، فقد حققت الصين بالفعل تفوقا حاسما. ففي "OpenRouter"، أكبر منصة محايدة لتوجيه حركة استخدام النماذج، ارتفعت حصة النماذج الصينية مفتوحة الأوزان من أقل من 2 في المئة من الرموز المستهلكة في مطلع 2025 إلى نحو 46 في المئة بحلول مايو/أيار 2026. وأربعة من النماذج الخمسة الأكثر استخداما على المنصة الصينية. أما "Llama" من "ميتا"، الذي كان يتصدر النماذج مفتوحة الأوزان قبل عامين، فقد اختفى تماما من قائمة الصدارة.

رويترز
داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، خلال الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، 20 يناير 2026

وتتبع الصين استراتيجية واضحة في هذا المجال. فنشر أوزان النماذج وإتاحة الوصول إليها يوسع قاعدة المطورين في أنحاء العالم، ويعزز انتشار المنظومة الصينية، ويفرض ضغطا مستمرا على أسعار النماذج الأميركية المغلقة والمتقدمة. كما تطرح المختبرات الصينية نماذج مفتوحة قادرة على منافسة أفضل ما وصلت إليه الصناعة بوتيرة لم تعد الشركات الأميركية قادرة على مجاراتها؛ فقد أطلقت أربعة نماذج خلال ثمانية أسابيع فقط في ربيع هذا العام.

سباقان مختلفان في الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن الصين، للمرة الأولى منذ انطلاق عصر الإنترنت لديها، لم تعد تنافس الولايات المتحدة في المضمار نفسه. فأميركا تخوض سباق توسيع قدرات النماذج، بينما تخوض الصين سباق الانتشار والتطبيق. وقد لا يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بمن يبني أذكى نموذج منفرد، وإنما بمن يبني النماذج التي يعتمد عليها الآخرون. وفي هذا السباق، تتقدم الصين بصورة متزايدة.

ثمة اختلاف أساسي اليوم بين المقاربتين الأميركية والصينية للذكاء الاصطناعي. فالولايات المتحدة تركز على بناء الجيل التالي من النماذج الأكثر تقدما، فيما توجه الصين جهودها إلى نشر أنظمة فعالة من الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد العالمي. وتدفع الولايات المتحدة حدود نماذجها المتقدمة وفق قوانين التوسع، بما يتطلب مقادير متزايدة من القدرة الحاسوبية والطاقة ورأس المال لبناء عناقيد أضخم من وحدات معالجة الرسومات، مقابل مكاسب إضافية محدودة في أداء النماذج.

وفيما تصطدم المختبرات الأميركية بالحدود المادية والمالية لبناء مراكز بيانات أكبر فأكبر، أظهر الباحثون الصينيون أن الطريق إلى الذكاء الاصطناعي العام لا يعتمد على تراكم العتاد الحاسوبي وحده، وإنما يتصل أيضا بمسائل معقدة من التحسين والكفاءة. وقد حققت المختبرات الصينية تقدما مهماً في الكفاءة الخوارزمية، وبنى "مزيج الخبراء" (MoE)، وتنقية البيانات عالية الجودة. وأنتج ذلك جيلا من النماذج الصينية يقترب من مستوى أفضل النماذج الأميركية، ويتفوق عليها في بعض الاختبارات، بجزء من كلفة التدريب.

وقد يكون الاختلاف الأهم بين الطرفين في مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي. ففي الولايات المتحدة، يتركز الذكاء الاصطناعي المتقدم إلى حد بعيد في العالم الرقمي: توليد النصوص، وكتابة الشيفرات، وإنتاج المحتوى الإعلامي. إنه ذكاء اصطناعي للشاشات وروبوتات المحادثة.

أما الصين فتدفع الذكاء الاصطناعي المتقدم إلى قلب الاقتصاد الحقيقي. وبفضل امتلاكها القاعدة الصناعية الأكثر شمولا في العالم، وأكبر شبكة من المدن الذكية، وموقعا متقدما في صناعة السيارات الكهربائية والروبوتات الشبيهة بالبشر، تدمج الصين قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في العالم المادي على نطاق غير مسبوق.

واستضافت الصين مؤخرا الدورة الثانية من الألعاب العالمية للروبوتات الشبيهة بالبشر (WHRG)، حيث استعرضت الروبوتات قدراتها البدنية المتقدمة في منافسات رياضية بشرية. وفي عام 2025، استحوذت الصين على ما يزيد كثيرا على 80 في المئة، وربما يقترب من 90 في المئة، من شحنات الروبوتات الشبيهة بالبشر في العالم، وهي حصة من السوق العالمية قل نظيرها في أي صناعة أخرى.

ويتيح نشر الذكاء الاصطناعي في العالم المادي تدفقا هائلا من الخبرات والبيانات المستمدة من الواقع. فعندما يستخدم نموذج للذكاء الاصطناعي لتحسين أداء مصنع عملاق، أو إدارة شبكة كهرباء لمدينة، أو التعامل مع حركة مرورية حضرية معقدة، فإنه يواجه عالما ثلاثي الأبعاد وحقائق مادية لا تراها النماذج المحصورة في البيئة الرقمية. ومن هنا، تتقدم النماذج الصينية بوتيرة أسرع من نظيراتها الأميركية في الاستدلال المكاني، وفهم المنطق الفيزيائي، والتطبيقات الصناعية.

الولايات المتحدة تبني روبوت محادثة أكثر ذكاء. والصين تبني اقتصادا حقيقيا قائما على الذكاء الاصطناعي. وقد خلص مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في عرضه لهذا الاختلاف باعتباره انقساما استراتيجيا مقصودا، إلى أن النماذج الصينية أصبحت قادرة بما يكفي، ورخيصة بما يكفي، ومفتوحة بما يكفي، كي تؤثر في مسار المنافسة العالمية على الذكاء الاصطناعي.

الحفاظ على الهيمنة التكنولوجية

عندما يقرأ صناع القرار الصينيون دعوة أمودي إلى "ضبط إيقاع الجبهة المتقدمة"، يرون فيها صدى مباشرا للتحول الأميركي نحو سياسة الانفراج خلال الحرب الباردة، لكن مع فارق أساسي يثير قلقهم.

ويستدعي أمودي تجربة الحرب الباردة، مستشهدا باتفاقات "سالت" نموذجا لفرض حد ذاتي على سرعة السباق. غير أن تاريخ تلك المرحلة يبين أن الولايات المتحدة لم تدع إلى إبطاء التقدم التكنولوجي حين كانت تتمتع بتفوق لا ينازعها فيه أحد.

خلال العقود الأولى من الحرب الباردة، انتهجت الولايات المتحدة سياسة احتواء صارمة، سعت من خلالها إلى التفوق على الاتحاد السوفياتي في الإنفاق والابتكار ومحاصرته استراتيجياً. ثم حقق الاتحاد السوفياتي التكافؤ النووي، فيما زاد المستنقع الفيتنامي الكلفة المالية والسياسية للحفاظ على تفوق أميركي مطلق. وبدأت واشنطن تدرك أن الاحتواء الصلب لا يقود إلى نصر حاسم.

رويترز
سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ"أوبن إيه آي" يتحدث في القمة الوزارية للابتكار لمجموعة العشرين في تشابل هيل بولاية كارولينا الشمالية، الولايات المتحدة، في 2 سبتمبر 2026

وجاء التحول نحو سياسة الانفراج، الذي بلغ ذروته في اتفاقات مثل "سالت-1" ومعاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، نتيجة حسابات واقعية وبرغماتية، وليس نتيجة اعتراض أخلاقي مفاجئ على الأسلحة النووية. فقد أدركت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تدمير الترسانة السوفياتية، وأن عليها إدارة التنافس بما يمنعه من الانزلاق إلى فناء متبادل. وأصبحت سياسة الانفراج وسيلة لتنظيم صراع قوتين تتجهان نحو التكافؤ، في مرحلة بدأت فيها واشنطن تخشى أن يميل مسار الحرب الباردة ضدها، عبر قواعد تضبط المنافسة وتمنعها من الانفلات على نحو يضر بمصالحها.

وكما دفع إخفاق الاحتواء الصلب في سبعينات القرن الماضي واشنطن إلى الحد من التسلح، وإعادة الانخراط مع الصين، وسياسة الانفراج، فإن تعثر احتواء الذكاء الاصطناعي الصيني بالتدابير التكنولوجية الصارمة في مطلع عشرينات هذا القرن يدفع وادي السيليكون اليوم نحو أدوات أكثر ليونة، تعتمد على القواعد والمعايير التنظيمية.

وتقوم رؤية أمودي على إيقاع عالمي منسق، تشرف عليه منظومة تنظيمية متحالفة مع الولايات المتحدة، بما يسمح بتوسيع الفارق انطلاقا من الوضع التكنولوجي القائم، في وقت لا تزال فيه واشنطن تحتفظ بأفضلية محدودة وآخذة في التآكل.

فالجبهة التي يجري "ضبط إيقاعها" تميل بطبيعتها إلى مصلحة المتصدرين، لأنهم هم من يحددون السرعة. وبوسعهم تسريعها أو إبطاؤها بما يحفظ أفضليتهم. وإذا حصر تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم في عدد محدود من المختبرات "المسؤولة أخلاقيا"، التي تعمل وفق معايير تنظيمية صارمة صممتها الولايات المتحدة، فلن يصبح العالم بالضرورة أكثر أمانا. وقد ينتهي الأمر، ببساطة، إلى عالم تهيمن عليه الولايات المتحدة.

إن "ضبط إيقاع الجبهة المتقدمة" يكسو القبضة الحديدية للهيمنة التكنولوجية بقفاز مخملي.

"وايكو" في مواجهة "باكس سيليكا"

بدأ التنافس المؤسسي بين الولايات المتحدة والصين بالفعل. ففي 16 يوليو/تموز 2026، أطلقت الصين "المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي" (WAICO) خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي، بمشاركة تسعة وعشرين عضوا مؤسسا، بينهم روسيا والبرازيل وإندونيسيا وباكستان وجنوب أفريقيا، في قائمة تتقاطع إلى حد بعيد مع قاعدة عضوية مجموعة "بريكس". وللمرة الأولى في تاريخ المؤتمر، تولى شي جينبينغ افتتاحه شخصيا. وتعهد بتوفير خمسة آلاف فرصة تدريب في الذكاء الاصطناعي لدول الجنوب العالمي على مدى خمس سنوات، كما عرض نظام "مازو" الصيني للإنذار المبكر بالأحوال الجوية على ثلاثين دولة نامية. وتتخذ "وايكو" من شنغهاي مقرا لها، ويعمل فيها موظفون صينيون، وقد أنشئت صراحة خارج إطار الأمم المتحدة.

وجاءت "وايكو" لمواجهة "باكس سيليكا"، أبرز مبادرات وزارة الخارجية الأميركية متعددة الأطراف في مجال الذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد، التي أطلقت في ديسمبر/كانون الأول 2025. وتضم المبادرة اليوم نحو عشرين دولة وجهة مشاركة، من اليابان وأستراليا إلى الهند والاتحاد الأوروبي ودول الخليج.

أي نظام عالمي مستدام لحوكمة الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى انضمام بكين، لكن بكين لن تدخل في توافق صمم لإبقائها في موقع أدنى

وتركز "باكس سيليكا" على إحكام السيطرة على القاعدة المادية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي: المعادن الحيوية، والطاقة، وأشباه الموصلات، والتصنيع المتقدم، وصولا إلى النماذج الأكثر تطورا نفسها، ضمن تحالف من الشركاء الذين تعدهم واشنطن موثوقين. ووفق تقارير، صاغت واشنطن رسالة موجهة إلى نحو خمس وثلاثين دولة تطالبها بالاختيار بين المعسكرين الأميركي والصيني: "لا يمكنكم الجمع بين الاثنين". لكن كازاخستان انضمت إلى كليهما، في إشارة لافتة إلى صعوبة رسم حدود فاصلة بين المعسكرين. كما تتداخل دول الخليج بدورها بين الفضاءين الصيني والأميركي في مبادرات الذكاء الاصطناعي.

هل يمكن التوصل إلى اتفاق؟

في رد غير مباشر على اقتراح أمودي، نشر تشن ييشين، رئيس جهاز الاستخبارات الصيني، في 14 سبتمبر/أيلول مقالا عن الذكاء الاصطناعي والأمن القومي، رأى فيه أن الخطر الأكبر على سلامة الذكاء الاصطناعي يكمن في استغلاله من جانب قوى أجنبية معادية تهدد الأمن السياسي والمؤسسي والأيديولوجي للصين. وبينما يحذر أمودي من خطر قد يشكله الذكاء الاصطناعي على بقاء البشرية، تربط الصين مفهوم سلامته أساسا بحماية أمنها السياسي. وأي اتفاق أميركي-صيني في هذا المجال سيحتاج أولا إلى توافق على معنى "سلامة الذكاء الاصطناعي" نفسه.

رويترز
زوار في معرض (SEMICON China) التجاري المتخصص في تكنولوجيا أشباه الموصلات، في شنغهاي بالصين، 25 مارس 2026

ومع اقتراب القمة المقررة بين ترمب وشي في واشنطن يوم 24 سبتمبر/أيلول، تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق هدفين يصعب التوفيق بينهما تجاه الخصم نفسه. فـ"باكس سيليكا" أداة للاحتواء، تقوم فكرتها على عزل سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي عن الصين ودفع بقية العالم إلى اختيار أحد المعسكرين. أما أي اتفاق ثنائي في هذا المجال فيقوم على التعاون، ويفترض وجود مصلحة مشتركة بين القوتين في ضبط النفس تتجاوز خصومتهما الأوسع.

ولا تستطيع واشنطن، بقدر كاف من المصداقية، أن تطلب من بكين مشاركتها في إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي المتقدم، بينما تعمل في الوقت نفسه على إقصائها من سلاسل توريده. وعلى الولايات المتحدة، هي الأخرى، أن تحدد ما هي مستعدة لتقديمه من تنازلات.

ولا تكمن المشكلة في فكرة الاتفاق على الذكاء الاصطناعي نفسها. فإصرار الولايات المتحدة على مضاعفة جهودها لتوسيع الفارق مع الصين لن يدفع بكين إلى الإبطاء، وإنما إلى تسريع السباق. وقد يكون الحد الأقصى الواقعي لقمة سبتمبر إعلانا محدودا لمبدأ يتعلق بسلامة الذكاء الاصطناعي، من دون آليات تنفيذ ملزمة.

ولا ينتقص ذلك من جدوى المحاولة. فحظر الأسلحة البيولوجية يستحق السعي إليه في ذاته. وإجراءات بناء الثقة بين المختبرات المتنافسة أفضل من غياب التواصل. كما أن عالما تسمح فيه الشركات الأميركية الرائدة برقابة مستقلة على أنظمتها أكثر أمانا من عالم تغيب فيه مثل هذه الرقابة. والتوافق الناشئ حول ضبط سرعة التقدم تحول حقيقي ومرحب به، ويستحق أصحابه التقدير لأنهم أعلنوا بأسمائهم ما أمضت الصناعة ثلاثة أعوام في إنكاره.

لكن خلف ذلك الانسجام المفاجئ بين مختبرات وادي السيليكون المتقدمة خلال عطلة نهاية الأسبوع حقيقة أكثر تعقيدا: الولايات المتحدة لا تستطيع ضبط إيقاع إلا ما يسيطر عليه الغرب، فيما تتراجع أفضليته في الجوانب الأهم من اقتصاد الذكاء الاصطناعي. ولا تستطيع أميركا فرض الإيقاع إلا حين تكون في الصدارة. أما في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية اقتصادية وتكنولوجية عالمية، فلم تعد المختبرات الأميركية هي التي تقود، ومن ثم لم تعد قادرة على تحديد سرعة السباق.

وأي نظام عالمي مستدام لحوكمة الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى انضمام بكين، لكن بكين لن تدخل في توافق صمم لإبقائها في موقع أدنى. ومن الكونغرس إلى وادي السيليكون، يبقى الهدف الأميركي الأعمق هو التفوق. وإذا استخدمت السلامة وسيلة لفرض الهيمنة، فلن يؤخذ المقترح الأميركي على محمل الجد، فيما تعتمد أجزاء متزايدة من العالم على نماذج تطورها الصين.

font change