لعل السؤال عن انتهاء أو استمرار الزمن السياسي لبنيامين نتنياهو، كرئيس لحكومة إسرائيل، مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست (أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2026)، هو الأكثر الحاحا وإثارة وترقبا بين المتابعين والمهتمين داخل إسرائيل وخارجها.
يتأتى ذلك من كون نتنياهو مكث في منصب رئيس الحكومة أكثر من أي شخص سبقه، بين رؤساء حكومات إسرائيل الـ14 (ديفيد بن غوريون، ليفي أشكول، موشيه شاريت، غولدا مائير، إسحاق رابين، مناحم بيغن، إسحاق شامير، شيمعون بيريز، بنيامين نتنياهو، إيهود باراك، آرييل شارون، إيهود أولمرت، نفتالي بينت، يائير لبيد)، الذين عرفتهم منذ إقامتها (1948)، حتى أكثر من ديفيد بن غوريون نفسه، وذلك في الحقب الثلاث: 1996-1999 ثم منذ عام 2009-2021، وبعدها من عام 2022 وحتى الآن، بمجموع قدره 18 عاما، في حين مكث بن غوريون قرابة 14 عاما في حقبتين (1948-1954 و1955-1963).
بيد إن أكثر ما يثير ذلك التساؤل حقيقة أن هذا الرجل هو الذي تحكم بسياسات إسرائيل، الداخلية والخارجية، في العقود الثلاثة الماضية، أي منذ تبوأ منصب رئيس الحكومة أول مرة (1996)، وأنه هو الذي تمكن، في عهده، من فرض أيديولوجيا اليمين القومي والديني، في المجتمع الإسرائيلي، وتقويض "اتفاق أوسلو" مع الفلسطينيين، وتحويل إسرائيل إلى دولة يغلب عليها طابعها كدولة يهودية ودينية، على طابعها كدولة ديمقراطية وعلمانية، بالنسبة لمواطنيها اليهود، سيما مع محاولته تقويض السلطة القضائية؛ أي إنه كان الأكثر تطرفا، على كافة الأصعدة، حتى من مناحيم بيغن واسحق شامير وآرييل شارون.
الأهم من كل ما تقدم، أن إسرائيل، ورغم إنها شهدت في عهده، أقسى ضربة وجهت لها، ولغطرستها كدولة قوية، ورادعة (في عملية "طوفان الأقصى")، قبل ثلاثة أعوام، فإنها شهدت في عهده أيضا انهيار، أو تصدع، المعسكر المعادي لإسرائيل، من "حماس" و"حزب الله" في غزة، وفي لبنان، مع انحسار نفوذ إيران في المشرق العربي، واختفاء النظام السوري، بحيث باتت تتموضع كدولة عظمى إقليمية، بقوتها العسكرية، فضلا عن قوتها التكنولوجية والاقتصادية.
تبعا لكل ما تقدم، ووفقا للمعطيات الداخلية الإسرائيلية، فإن نتنياهو سيكون، بالنسبة للإسرائيليين، هو الرجل الأنسب لقيادة إسرائيل، في المرحلة المقبلة، وهذا الاستنتاج ناجم، أيضا، عن سببين، الأول، أنه لا يوجد في الخريطة السياسية من هو في مكانة أقوى منه، وهذا يشمل يائير لابيد وبني غانتس ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان وصولا إلى غادي آيزنكوت، إذ إن هؤلاء جميعا، محسوبون على اليمين، ولا يمثلون رؤية مخالفة لرؤية نتنياهو، سيما بخصوص رؤيتهم لمكانة إسرائيل ودورها، في المنطقة، وضمن ذلك بخصوص الفلسطينيين.
والثاني، أن المجتمع الإسرائيلي تحول نحو اليمين، مع تهمش التيارات اليسارية، بل إنه يتجه نحو التطرف والتمحور حول ذاته، وهي مسألة معروفة، ومجربة، في المراحل التي يجد فيها الجمهور الإسرائيلي أنه إزاء خطر وجودي، إذ تختفي التناقضات الثانوية-الداخلية، لصالح التمحور لصد ما يعتقد بأنه خطر خارجي؛ الأمر الذي يلعب عليه نتنياهو جيدا.
إسرائيل بقدر ما تعتبر نفسها امتدادا للغرب في الشرق الأوسط، فإن التطورات السياسية الداخلية فيها ترتبط بذات القدر بنظرة الغرب لها
تأكيدا لذلك، يمكننا ملاحظة أن إسرائيل، في عهد نتنياهو، تخوض حربا غير مسبوقة، وعلى عدة جبهات، ومنذ ثلاثة أعوام، بكلفة بشرية واقتصادية ومعنوية باهظة، لأول مرة في تاريخها، بخلاف العقيدة العسكرية الإسرائيلية التقليدية، التي ترتكز على شن حرب قصيرة وسريعة وقوية. وعلى الرغم من ذلك فإن الشعب الإسرائيلي لم يخرج في مظاهرات ضد نتنياهو وسياساته الحربية، علما أنه كان سابقا يخرج كل أسبوع في مظاهرات عارمة ضد حكومته، التي تشكلت أواخر 2022، لصد محاولاتها تغيير النظام السياسي في إسرائيل، وسعيها تقويض السلطة القضائية، وذلك قبل عملية "الطوفان".
بيد أن ذلك الترجيح، عن إمكان نتنياهو تشكيل الحكومة القادمة، للأسباب المذكورة، ولقدراته المعروفة على التلاعب بالقوى السياسية، ليس قدرا محتوما، إذ يمكن أن تعترضه، أو تحبطه، عوامل خارجية، أهمها موقف الإدارة الأميركية، ومواقف بعض الدول الأوروبية، التي قد تلعب دور الناخب، وربما "بيضة القبان"، في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، وقد شهدنا بدايات ذلك في التوترات بين سياسات الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو، في ملفات تتعلق بطريقة إدارة الحرب ضد إيران، والموقف من تركيا، وفي شأن خطة ترمب في غزة، وبما يتعلق بكبح جماح إسرائيل في لبنان وفي سوريا.
أيضا، هذا يسري على توجهات كثير من الدول الأوروبية، وأهمها بريطانيا وفرنسا وأسبانيا والسويد والنرويج والدنمارك، في شأن مقاطعة البضائع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية، ووصم سياسات إسرائيل ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية بالتمييز العنصري؛ وكل ذلك يشي بأن الغرب، الذي ظل للعقود الثماني الماضية يدعم إسرائيل، ويضمن تفوقها النوعي في المنطقة، بات يشعر، أيضا، ولا سيما مع انحسار نفوذ إيران في الشرق الأوسط، بضرورة عقلنة، أو ترشيد سياسات إسرائيل، بعد أن باتت بمثابة عبء سياسي وأمني واقتصادي وأخلاقي، يثقل عليها، بوصفها دولة عنصرية، ودولة إبادة جماعية.
وفي الواقع فإن إسرائيل بقدر ما تعتبر نفسها امتدادا للغرب في الشرق الأوسط، فإن التطورات السياسية الداخلية فيها ترتبط بذات القدر بنظرة الغرب لها، بمعنى أن دعم الغرب لأمنها واستقرارها وتفوقها في الشرق الأوسط، هو الذي يعزز ثقة الإسرائيليين بذاتهم، وبسلامة مسار حكومتهم، ما يفيد بأن تراجع مكانة إسرائيل على الصعيد الدولي، وضمنه تراجع مكانتها حتى عند يهود العالم، يمكن أن يؤثر على توجهات الناخب الإسرائيلي، ولعله في هذا الإطار بالضبط يمكن تفسير التسريب عن تحذيرات تبلّغها نتنياهو عن عملية "طوفان الأقصى"، التي أتت قبيل الانتخابات بالضبط، وفي خضم إدارة ظهر الدول الغربية لسياسات نتنياهو، وسموتريتش، وبن غفير.
طبعا، لا يعني ذلك أن الدول الغربية، وضمنها الولايات المتحدة، قطعت مع إسرائيل، أو ستضغط عليها لصالح الفلسطينيين والعرب عموما، طالما هم في هذا الضعف والتفرق، إذ إن الأمر يتعلق فقط بأن تلك الدول تريد تغيير صورة إسرائيل، بحيث تتخفف من ضغط مجتمعاتها عليها، كما تريد أن تتكيف إسرائيل مع سياساتها في "الشرق الأوسط الجديد".