لطالما كانت فرنسا حاضرة في تفاصيل الملف اللبناني طوال السنوات العجاف منذ سبعينات القرن الماضي، لكنها تجد نفسها الآن خارج أحد أكثر المسارات حساسية بالنسبة إلى مستقبل لبنان: المفاوضات مع إسرائيل ومصير الجنوب. وقد تمثل الكسوف الفرنسي السياسي في لبنان بانتقال مركز الثقل الدبلوماسي نحو الولايات المتحدة في السنتين الأخيرتين، فضلاً عن التحول المحيط بانتهاء مهمة قوات "اليونيفيل" بحلول نهاية هذا العام.
بالرغم من هذا التراجع المتزامن مع اقتراب نهاية حكم الرئيس إيمانويل ماكرون، تسعى باريس إلى إعادة تعريف دورها العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي لأنها لن تسلم بلعب دور ثانوي في بلد أسهمت في صنع كيانه وولادة دولته الحديثة.
سقطت رهانات باريس في المسألة اللبنانية، إن كان في التعويل على البعض في المنظومة السياسية أو الحوار مع "حزب الله"، والأدهى أن تصبح النكسة مستديمة وخاتمة مسار تاريخي وثقافي مزمن.
ماكرون ولبنان... الحصاد المحدود
منذ بدء ولايته الأولى في مايو/أيار 2017، حظي لبنان باهتمام استثنائي من الرئيس ماكرون وذلك في سياق إقليمي عام للحفاظ على ديناميكية السياسة الفرنسية إزاء الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط.
منذ انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/آب 2020، هرع ماكرون إلى بيروت في السادس من أغسطس، وكان أول رئيس يتفقد موقع الانفجار. وفي تزامن مع ذكرى مئوية "لبنان الكبير" عاد سيد الإليزيه إلى بيروت في سبتمبر/أيلول من العام نفسه لإطلاق مبادرته السياسية، في محاولة منع الانهيار وتدارك تداعيات الأزمة المالية والبنيوية التي ضربت لبنان منذ 2019.
لم يترجم الجهد الفرنسي المتواصل بنتيجة ملموسة بالرغم من حراك طويل المدى قادته الخلية الدبلوماسية في الإليزيه، وتابعه المبعوث الخاص للرئيس وزير الخارجية الأسبق جان-إيف لودريان. ومن الواضح أن عمل اللجنة الخماسية (الولايات المتحدة، فرنسا، المملكة العربية السعودية، مصر، قطر) لم يفلح بالخروج من مأزق الشغور الرئاسي إلا بعد حرب 2023-2024 التي غيرت موازين القوى وأفسحت المجال للتوصل إلى انتخاب الرئيس جوزيف عون، ثم تولي نواف سلام رئاسة الحكومة في أوائل 2025.

وقبل ذلك، شاركت فرنسا حسب اتفاق وقف الأعمال القتالية في آخر نوفمبر/تشرين الثاني مع الولايات المتحدة في إنشاء آلية مراقبة وقف النار "الميكانيزم" التي ضمت الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي و"اليونيفيل"، قبل أن تتوقف لاحقاً بقرار أميركي.
رهانات الإليزيه
تصادفت هذه الانتكاسة الفرنسية مع مغادرة السفير هيرفيه ماغرو لبنان في أوائل أغسطس بعد مهمة دقيقة خلال مرحلة حرجة من تاريخ بلاد الأرز. ولا يعني انتهاء مهمة ماغرو نهاية حقبة من الانخراط الفرنسي في لبنان، بل ربما تكون الفرصة لفتح صفحة أخرى مع السفير الجديد باتريك دوريل الذي يعرف جيداً لبنان وسياسييه عند ممارسته مهام مستشار ماكرون لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وحسب مصدر دبلوماسي فرنسي تعكف باريس على "استخلاص دروس مبادراتها اللبنانية وخيبة أملها من بعض كبار المسؤولين في بيروت الذين لم يتذكروا الدور الفرنسي الكبير في مساعي إنقاذ لبنان، وسلموا كل أوراقهم إلى واشنطن".
من أبرز تفسيرات السلوك الفرنسي يأتي إصرار باريس على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع القوى السياسية، وينبع ذلك من حرصها على الكلام مع الجميع والحفاظ على ديناميكية دورها. أما إعادة ذلك إلى رغبة فرنسا في الحفاظ على الحوار مع إيران ومسايرة "حزب الله" بصفته القوة الأساسية في المنظومة اللبنانية، فليس دقيقاً نظراً لتاريخ العلاقات الفرنسية-الإيرانية المتعرج والملتبس غالباً، من دون نسيان الضربات التي تلقتها فرنسا في لبنان من الموالين للنظام السوري السابق والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وقد سبق لفرنسا إبان حقبة رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري أن راهنت على ترتيب العلاقة مع نظام الأسد في سوريا وفشلت في ذلك.
تحت ستار استمرار الحوار لحماية فكرة الدولة اللبنانية، لم تنجح باريس في رسم خطوط واضحة لمقاربتها اللبنانية وأدى ذلك إلى فقدان القدرة على التأثير.



