خلال زيارته إلى بكين في مايو/أيار الماضي، لم يستطع دونالد ترمب مقاومة سؤال شي جينبينغ، الذي كان يصطحبه داخل أسوار جونينغهاي، عما إذا كان يستقبل رؤساء آخرين في هذا المكان المميز. جاء رد الرئيس الصيني مقتضباً: "نادراً جداً ما نستقبل رؤساء هنا"، قبل أن يذكر فلاديمير بوتين، رغم أن جونينغهاي كانت محطة لريتشارد نيكسون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما.
قد تبدو الإجابة عابرة، لكنها تختصر شيئاً من طبيعة العلاقة بين الرجلين. فبينما يصر ترمب على وصف شي بأنه "صديق"، تتحفظ بكين عن منح العلاقة طابعاً شخصياً. واليوم، فيما يستعد ترمب لاستقبال شي، الأربعاء المقبل على الأرجح، عند سلم الطائرة وإقامة عشاء فخم له في واشنطن، يبدو أن وراء المراسم الاحتفالية قمة أكثر تعقيداً، شي لا يأتي للقاء "صديقه"، بل الرئيس الأميركي الذي يصعب التنبؤ بخطوته التالية.
ليس رجل التسويات الكبرى
يرى خبراء أميركيون أن العلاقات الشخصية والقمم والزيارات الدبلوماسية لعبت دوراً مهماً في محطات مفصلية من العلاقات الصينية-الأميركية، منذ زيارة هنري كيسنجر إلى بكين عام 1972 وعلاقته الوثيقة برئيس الوزراء الصيني تشو إنلاي، وصولاً إلى زيارة ريتشارد نيكسون التاريخية ولقائه ماو تسي تونغ في العام نفسه. وبعد سبع سنوات، فتح جيمي كارتر أبواب البيت الأبيض أمام دينغ شياو بينغ، ممهداً لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. لكن اللقاءات المتكررة بين شي وترمب خلال الولاية الأولى والحالية أظهرت أن الرهان على الكيمياء الشخصية بين الزعيمين لم ينتج التحول نفسه.
ولا يتعلق الأمر فقط بشخصية شي جينبينغ، المعروف بميله إلى علاقة أكثر مؤسسية ومنهجية، بل بترمب نفسه، الذي لم يثبت أنه رجل التسويات والصفقات الكبرى كما يحب أن يقدم نفسه.

وكما أشار جوناثان تسين، المدير السابق لشؤون الصين في مجلس الأمن القومي الأميركي بين 2021 و2023، في مقال نشرته "ذي أتلانتيك" أخيراً، فإن ترمب ليس هاري ترومان الذي أسس حلف شمال الأطلسي عام 1949، ولا جون كينيدي الذي أدار أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 عبر الدبلوماسية السرية، ولا رونالد ريغان الذي تفاوض مع ميخائيل غورباتشوف على معاهدات للحد من الأسلحة، وبالتأكيد ليس نيكسون الذي أعاد رسم مسار الحرب الباردة بفتح الباب أمام مثلث أميركي-سوفياتي-صيني.
عملياً، تبقى حصيلة ترمب الدبلوماسية خلال ولايتيه متواضعة، فيما ظلت معظم إنجازاته موضع تأويل أو غير مكتملة، من قمته مع كيم جونغ أون التي لم تنتج اتفاقاً سياسياً مستداماً، إلى إعلانه دوراً في وقف الحرب بين الهند وباكستان، وهو ما نفته نيودلهي، وصولاً إلى فشله المتكرر بإقناع فلاديمير بوتين بإنهاء الحرب في أوكرانيا بالحد الأدنى من الشروط العادلة.
وتقرأ بكين هذه التجربة بوضوح، فترمب ليس رجل التسويات الكبرى، لكن ذلك لا يعني أنه رئيس يمكن التعامل معه باستخفاف. فعدم القدرة على التنبؤ بخطواته يجعله أكثر خطورة على طاولة التفاوض، فيما تعلمت الدبلوماسية الصينية خلال السنوات الماضية أن تستفيد من برغماتيته كما من تقلبات سياسته الخارجية، أحياناً من دون بذل أي مجهود.
ومن هذا المنطلق، لا تترك بكين قمة ترمب وشي، الثالثة منذ عودة الرئيس الأميركي إلى البيت الأبيض، للصدفة. فاستفزاز ترمب أو الاستخفاف به أو دفعه إلى الظهور بمظهر الخاسر يمكن أن تكون له ارتدادات سلبية.
وبينما ترى الصين أن سياسة ترمب دفعتها إلى توسيع حضورها على الساحة الدولية، وقدمتها أمام دول عديدة باعتبارها شريكاً أكثر استقراراً أو طرفاً ضرورياً لموازنة السياسات الأميركية، يعمل المخططون الصينيون على تفادي الأخطاء وسوء التقدير في قمة واشنطن. ولهذا جاء التحضير لها محكوماً بالتأني، وجمع أوراق القوة والضغط، بالتوازي مع إعداد عروض للفرص والمصالح التي يمكن أن تغري واشنطن.



