قمة شي جينبينغ-ترمب... بكين لا تراهن على "صفقة كبرى"

هكذا استعد الرئيس الصيني لقمّة واشنطن

رويترز
رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يسيران معا خلال جولتهما في معبد السماء ببكين، الصين، في 14 مايو 2026

قمة شي جينبينغ-ترمب... بكين لا تراهن على "صفقة كبرى"

خلال زيارته إلى بكين في مايو/أيار الماضي، لم يستطع دونالد ترمب مقاومة سؤال شي جينبينغ، الذي كان يصطحبه داخل أسوار جونينغهاي، عما إذا كان يستقبل رؤساء آخرين في هذا المكان المميز. جاء رد الرئيس الصيني مقتضباً: "نادراً جداً ما نستقبل رؤساء هنا"، قبل أن يذكر فلاديمير بوتين، رغم أن جونينغهاي كانت محطة لريتشارد نيكسون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما.

قد تبدو الإجابة عابرة، لكنها تختصر شيئاً من طبيعة العلاقة بين الرجلين. فبينما يصر ترمب على وصف شي بأنه "صديق"، تتحفظ بكين عن منح العلاقة طابعاً شخصياً. واليوم، فيما يستعد ترمب لاستقبال شي، الأربعاء المقبل على الأرجح، عند سلم الطائرة وإقامة عشاء فخم له في واشنطن، يبدو أن وراء المراسم الاحتفالية قمة أكثر تعقيداً، شي لا يأتي للقاء "صديقه"، بل الرئيس الأميركي الذي يصعب التنبؤ بخطوته التالية.

ليس رجل التسويات الكبرى

يرى خبراء أميركيون أن العلاقات الشخصية والقمم والزيارات الدبلوماسية لعبت دوراً مهماً في محطات مفصلية من العلاقات الصينية-الأميركية، منذ زيارة هنري كيسنجر إلى بكين عام 1972 وعلاقته الوثيقة برئيس الوزراء الصيني تشو إنلاي، وصولاً إلى زيارة ريتشارد نيكسون التاريخية ولقائه ماو تسي تونغ في العام نفسه. وبعد سبع سنوات، فتح جيمي كارتر أبواب البيت الأبيض أمام دينغ شياو بينغ، ممهداً لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. لكن اللقاءات المتكررة بين شي وترمب خلال الولاية الأولى والحالية أظهرت أن الرهان على الكيمياء الشخصية بين الزعيمين لم ينتج التحول نفسه.

ولا يتعلق الأمر فقط بشخصية شي جينبينغ، المعروف بميله إلى علاقة أكثر مؤسسية ومنهجية، بل بترمب نفسه، الذي لم يثبت أنه رجل التسويات والصفقات الكبرى كما يحب أن يقدم نفسه.

أ.ب
الرئيس الصيني شي جينبينغ يصافح الرئيس دونالد ترمب في قاعة الشعب الكبرى ببكين، الصين، في 14 مايو 2026

وكما أشار جوناثان تسين، المدير السابق لشؤون الصين في مجلس الأمن القومي الأميركي بين 2021 و2023، في مقال نشرته "ذي أتلانتيك" أخيراً، فإن ترمب ليس هاري ترومان الذي أسس حلف شمال الأطلسي عام 1949، ولا جون كينيدي الذي أدار أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 عبر الدبلوماسية السرية، ولا رونالد ريغان الذي تفاوض مع ميخائيل غورباتشوف على معاهدات للحد من الأسلحة، وبالتأكيد ليس نيكسون الذي أعاد رسم مسار الحرب الباردة بفتح الباب أمام مثلث أميركي-سوفياتي-صيني.

عملياً، تبقى حصيلة ترمب الدبلوماسية خلال ولايتيه متواضعة، فيما ظلت معظم إنجازاته موضع تأويل أو غير مكتملة، من قمته مع كيم جونغ أون التي لم تنتج اتفاقاً سياسياً مستداماً، إلى إعلانه دوراً في وقف الحرب بين الهند وباكستان، وهو ما نفته نيودلهي، وصولاً إلى فشله المتكرر بإقناع فلاديمير بوتين بإنهاء الحرب في أوكرانيا بالحد الأدنى من الشروط العادلة.

وتقرأ بكين هذه التجربة بوضوح، فترمب ليس رجل التسويات الكبرى، لكن ذلك لا يعني أنه رئيس يمكن التعامل معه باستخفاف. فعدم القدرة على التنبؤ بخطواته يجعله أكثر خطورة على طاولة التفاوض، فيما تعلمت الدبلوماسية الصينية خلال السنوات الماضية أن تستفيد من برغماتيته كما من تقلبات سياسته الخارجية، أحياناً من دون بذل أي مجهود.

ومن هذا المنطلق، لا تترك بكين قمة ترمب وشي، الثالثة منذ عودة الرئيس الأميركي إلى البيت الأبيض، للصدفة. فاستفزاز ترمب أو الاستخفاف به أو دفعه إلى الظهور بمظهر الخاسر يمكن أن تكون له ارتدادات سلبية.

وبينما ترى الصين أن سياسة ترمب دفعتها إلى توسيع حضورها على الساحة الدولية، وقدمتها أمام دول عديدة باعتبارها شريكاً أكثر استقراراً أو طرفاً ضرورياً لموازنة السياسات الأميركية، يعمل المخططون الصينيون على تفادي الأخطاء وسوء التقدير في قمة واشنطن. ولهذا جاء التحضير لها محكوماً بالتأني، وجمع أوراق القوة والضغط، بالتوازي مع إعداد عروض للفرص والمصالح التي يمكن أن تغري واشنطن.

تجد بكين نفسها، يوماً بعد يوم، في موقع يؤهلها للعب دور مسهّل أو ضامن مشارك في أي اتفاق مستقبلي حول إيران أو في الترتيبات الإقليمية الجديدة، وهو واقع قد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى الاعتراف به والاستفادة منه

وفيما توجه نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ إلى واشنطن على رأس وفد صيني لوضع اللمسات الأخيرة على جدول أعمال القمة، تتجه ملفات التجارة والتعريفات الجمركية، والحرب الإيرانية، والذكاء الاصطناعي إلى أن تكون أبرز العناوين المطروحة على الطاولة.

هل تمدد الهدنة؟

يكتسب ملف التجارة والرسوم الجمركية أهمية مضاعفة مع اقتراب انتهاء الهدنة التجارية التي أرساها ترمب وشي في بوسان قبل عام. ورغم تراجع واشنطن العام الماضي عن رفع الرسوم بعد استخدام بكين ورقة المعادن النادرة، لا تزال الرسوم قائمة في قطاعات عدة، حيث بلغ متوسط التعريفة الأميركية الفعلية على الواردات الصينية 22.8 في المئة في يوليو/تموز الماضي، وفق "بن وارتون بادجت مودل".

لكن حجم التجارة بين البلدين ارتفع 5.4 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من 2025، فيما تشكل الصادرات الصينية 75 في المئة من إجمالي التبادل التجاري، ما يمنح بكين هامشاً تفاوضياً مهماً. فرفع الرسوم قد يدفعها إلى استخدام المعادن النادرة وأدوات اقتصادية أخرى، بينما سيؤدي خفضها إلى توسيع الاختلال التجاري لمصلحتها.

وتراهن بكين على حاجة ترمب إلى إظهار نتائج اقتصادية قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني، خصوصاً في ملف المزارعين، ولذلك يحضر شي إلى واشنطن برفقة وفد من كبار رجال الأعمال الصينيين، حاملاً عروضاً تجارية واستثمارية.

من ناحية أخرى، أظهرت بكين أنها تأخذ بعض الهواجس الأميركية في الاعتبار. فرغم معارضتها بنداً اقترحته واشنطن في البيان الختامي لاجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في آشفيل هذا الشهر، يدعو إلى معالجة "الممارسات والسياسات غير القائمة على آليات السوق"، اتخذت الصين إجراءات يمكن قراءتها كاستجابة جزئية لهذه المطالب، بينها تشديد القيود التنظيمية على قطاع السيارات لمنع "حرب الأسعار" الإغراقية في الأسواق الخارجية، ودفع الشركات المحلية الضعيفة نحو الاندماج أو الخروج من السوق.

وفيما بدا أنه رد على هذه المبادرة، قال ترمب إنه منفتح على السماح للسيارات الصينية في الولايات المتحدة بحال بنت مصانع في الأراضي الأميركية ووظفت أميركيين.

معضلة إيران

في إطار تحضيراته للقمة، أجرى شي جولة دبلوماسية شملت قمتي "منظمة شنغهاي للتعاون" في بشكيك و"بريكس" في نيودلهي، وزيارة القاهرة التي طرح خلالها مبادرة للأمن الإقليمي وصفها وانغ يي بأنها "حل صيني للشرق الأوسط". لكن الأهم كان لقاؤه ناريندرا مودي في الهند، في وقت تتوتر فيه علاقات نيودلهي وواشنطن. فالتقارب الصيني-الهندي يضيف تعقيداً إلى الاستراتيجية الأميركية في آسيا التي قامت خلال عهد بايدن على توسيع دور الهند في موازنة الصين.

رويترز
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال اليوم الثاني من قمة "بريكس" في نيودلهي، الهند، في 13 سبتمبر 2026

في موازاة ذلك، انتقلت الدبلوماسية الصينية في الحرب الإيرانية من محاولة الحفاظ على التوازن بين شركائها على ضفتي الخليج إلى طرح مطالب محددة على طهران، أبرزها فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة، ووقف الهجمات على دول الخليج وعدم توسيع الحرب لا سيما إلى اليمن، بالتوازي مع الدعوة إلى حوار إقليمي حول بنية أمنية جديدة بعيداً عن الهندسة الأميركية. وهذا ما أبلغه وانغ يي لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بكين.

وتمنح هذه المعادلة بكين هامشاً للمناورة في مواجهة خطة "المنبوذ الاقتصادي" الأميركية ضد إيران، إذ لا تبدو العقوبات على طهران مرشحة للتحول إلى مواجهة اقتصادية مباشرة مع الصين. والأرجح أن تبحث واشنطن وبكين عن تسوية ضمنية، تتجنب فيها واشنطن استهداف مؤسسات صينية مؤثرة، مقابل خفض بكين مشترياتها من النفط الإيراني أو إعادة ترتيب تجارتها معها بما يستجيب جزئياً للمطالب الأميركية من دون الانضمام إلى الحصار على طهران.

وفي قلب هذه المعادلة يبرز النفط ومضيق هرمز، إذ أظهرت الصين خلال الحرب قدرة على التأثير في أسعار الخام عبر الطلب، ما يمنح شي ورقة إضافية في أي نقاش مع ترمب حول إيران، خصوصاً إذا استمرت اضطرابات الملاحة وارتفاع الأسعار.

ومن هنا تجد بكين نفسها، يوماً بعد يوم، في موقع يؤهلها للعب دور مسهّل أو ضامن مشارك في أي اتفاق مستقبلي حول إيران أو في الترتيبات الإقليمية الجديدة، وهو واقع قد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى الاعتراف به والاستفادة منه. لكن هامش الحركة الصينية يبقى محدوداً، بفعل قدراتها وحدود نفوذها وحاجتها إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الأطراف المنخرطة في الصراع والمتضررة منه، ما يجعل إفساح المجال أمام دور صيني فعال مرتبط فعلياً بقرار واشنطن نفسها.   

لا يمكن حصر قمة ترمب وشي في عبارة "الآمال المنخفضة" التي هيمنت على الإعلام في الأيام الأخيرة. فنهج ترمب وأسلوبه في إدارة السياسة الخارجية يضعان سقفاً منخفضاً أمام أي تفاهم استراتيجي واسع

وهنا تواجه إدارة ترمب معضلة حقيقية، فتجاهل بكين يعني تركها تستفيد من استمرار الوضع القائم من دون كلفة تذكر، بينما الاعتراف بدورها يعني عملياً التنازل عن جزء من نفوذها وحضورها في الشرق الأوسط، ولا سيما في دول الخليج المركزية.

مكتب إعلام البحرية الأميركية/ أ.ف.ب
تظهر حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" خلال عملية تزود بالإمدادات في البحر مع سفينة الدعم"يو إس إن إس أركتيك"، فيما تنقل مروحيات الإمدادات بين السفينتين، في 8 مايو 2019

لذلك، تبدو إدارة ترمب أمام خيارات محدودة تجاه الدور الصيني، من دون أن تذهب إلى خطوات دراماتيكية تجاه بكين، لا سلباً بزيادة الضغوط عليها ولا إيجاباً بمنحها مساحة واسعة للتحرك. وكان لافتاً في هذا الإطار، الاتصال الذي جرى قبل أيام بين وانغ يي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حول التطورات في الشرق الأوسط.

تايوان وحرب أوكرانيا

وهناك ملفات أخرى قد تقفز إلى جدول الأعمال، في مقدمها تايوان، التي سيثيرها الجانب الصيني بالتأكيد، لكن لا يُتوقع أن تتحول إلى نقطة خلافية بارزة، خصوصاً مع ميل ترمب إلى خفض الالتزام الأميركي بأمن الجزيرة. في هذا السياق، أشارت وسائل إعلام أميركية إلى أن واشنطن تدرس تعليق صفقة أسلحة لتايوان، كان ترمب قد وصفها بأنها "ورقة تفاوضية مهمة".

وفي ملف أوكرانيا، تحدثت موسكو عن احتمال عقد قمة ثلاثية بين بوتين وشي وترمب في شينتشن على هامش قمة "آبيك" الشهر المقبل، فيما أعلن شي ومودي استعدادهما للعب دور في إنهاء أزمة أوكرانيا. وكان لافتاً كشف واشنطن وكييف أن بكين طلبت من كييف عدم قصف فلاديفوستوك خلال انعقاد "منتدى الاقتصاد الشرقي"، وأن أوكرانيا التزمت بذلك.

ويظهر ذلك، بشكل أو بآخر، أن كلا من موسكو وكييف تخلتا عن تحفظاتهما السابقة وباتتا تتعاملان مع الصين باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاهله في أي معادلة لإنهاء الحرب.

سباق الذكاء الصناعي

إلى ذلك، من المفترض أن يحتل سباق الهيمنة في الذكاء الاصطناعي حيزاً من محادثات القمة، خصوصاً بعد دعوة شركات التكنولوجيا الأميركية إلى إبطاء تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي بسبب مخاوف الأمن والسلامة. ورغم رفض بكين الدعوة الأميركية من حيث المبدأ، فإنها تبدو مستعدة لحوار تقني حول قواعد السلامة والحوكمة.

ويدخل شي هذا الحوار محملاً بسلسلة من المبادرات، بينها إنشاء "منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي" (WAICO) في شنغهاي بمشاركة 29 دولة، وطرح أربعة مبادئ للحوكمة العالمية للقطاع، إلى جانب مبادرة "الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر" التي أطلقها خلال قمة "بريكس".

وفيما يركز النموذج الصيني للذكاء الاصطناعي على توسيع التطبيقات العملية، مقابل تركيز النموذج الأميركي بدرجة أكبر على تطوير قدرات النماذج، فإن بكين تبدو مستعدة لمسايرة الدعوات الأميركية إلى إبطاء تطوير النماذج وتعزيز إجراءات الأمن والسلامة، لكنها تتحفظ على احتمال استخدام هذه الدعوات كأداة لإبطاء المنافسين وتثبيت التفوق الأميركي.

وهنا لا تجد الصين نفسها وحيدة، إذ حذرت شركة "ميسترال" الفرنسية و"الرابطة الألمانية للذكاء الاصطناعي" من استغلال مخاوف السلامة لفرض قواعد تنظيمية تعزز هيمنة الشركات الأميركية وتحد من قدرة المنافسين على اللحاق بها.

أ.ف.ب
أعضاء من "المؤتمر الشبابي التبتي"يحملون ملصقات للرئيس الصيني شي جينبينغ خلال احتجاج في نيودلهي قبيل زيارة شي إلى الهند لحضور قمة بريكس، الهند، في 11 سبتمبر 2026

آمال منخفضة؟

ومن هنا، لا يمكن حصر قمة ترمب وشي في عبارة "الآمال المنخفضة" التي هيمنت على الإعلام في الأيام الأخيرة. فنهج ترمب وأسلوبه في إدارة السياسة الخارجية يضعان سقفاً منخفضاً أمام أي تفاهم استراتيجي واسع، فيما ترى بكين أن واشنطن مشغولة بإعادة إنتاج هيمنتها العالمية أكثر من انشغالها بمبادرات كبرى تتعاون فيها مع الصين لإعادة تشكيل النظام الدولي.

وحتى يأتي ذلك اليوم، لن يذهب شي إلى واشنطن أو إلى لقاء مع ترمب بحثاً عن صفقة كبرى، بل سيكون حاملاً مجموعة من الأوراق التي تسمح للصين بإدارة العلاقة مع واشنطن صفقةً بصفقة وملفاً بملف، من دون تحويل القمة إلى نقطة تحول استراتيجية.

font change

مقالات ذات صلة