من هو ماريو ليفريرو أو "كافكا الأوروغواي"؟

الغريب العابر للاتجاهات والمدارس

wikipedia
wikipedia
ماريو ليفريرو

من هو ماريو ليفريرو أو "كافكا الأوروغواي"؟

كثيرا ما بدا أن مشهد الرواية الأميركية اللاتينية، توقف عند بعض الأسماء الراسخة المعهودة التي صنعت أسطورة هذا الأدب عموما، وهو ما ارتبط غالبا بما عُرف بجيل "الطفرة" الذي ظهر في ستينات القرن الماضي وحقق انتشارا عالميا، متمثلا في أربعة كتاب، هم غابرييل غارسيا ماركيز، ماريو بارغاس يوسا، كارلوس فوينتس، وخوليو كورتاثار، وقد بدوا فريقا واحدا، بحكم الصداقة التي جمعتهم، وكانوا جميعا كأنهم "يكتبون فصولا مختلفة من الرواية الأميركية اللاتينية الكبيرة نفسها"، كما جاء في إحدى رسائل كارلوس فوينتس إلى خوليو كورتاثار عام 1967 والمتضمنة في كتاب مراسلات الكتاب الأربعة، "رسائل جيل الطفرة"، كما يشير إلى ذلك الكاتب والمترجم السويدي هنريك نيلسون في مقال له.

وإذا كان الحضور الطاغي المستمر لهؤلاء، عالميا، وأسماء أُخرى تالية من بلدان القارة ممن تمتع أصحابها بشهرة واسعة، أيضا، وإن متفاوتة، كإيزابيل ألليندي ولويس سيبولبيدا وروبرتو بولانيو وألونسو كويتو، مثلا لا اقتصارا، فإن ذلك يجب أن لا ينفي حقيقة أن هذا الجيل نفسه مدين بدوره لكتاب سابقين من المجددين، أي الجيل المؤسس لحداثة السرد في القارة، الذين ظهرت أعمالهم الرائدة في الأربعينات (أو قبلها بقليل) والخمسينات، أمثال، ميغيل أنخيل أستورياس وخورخي لويس بورخيس وأليخو كاربنتييه وإرنستو ساباتو وخوان كارلوس أونيتي وخوان رولفو.

وإذا كانت الأسماء السابقة جميعا حققت حضورا عالميا، إلا أن ذلك لا يعني في أي حال أن عدم انتشار أسماء كتاب جدد بعدها، وبالدرجة نفسها، دلالة على جمود المشهد الروائي أو السردي عموما في أميركا اللاتينية وعجزه عن تقديم الجديد. فالعكس هو الذي يصح، إذ أن حركة أجيال الكتابة بقيت متواصلة، وقد أفرزت كاتبات وكتابا جيدين، لا مجال هنا للتوسع في ذكر الأسماء. ومن المناسب في هذا الصدد إيراد ما نقله الكاتب السويدي توربيون إلينسكي عن كارلوس فوينتس، وقد دعا ذات مرة عددا من الكتاب الشباب إلى مؤتمر، معبرا عن أسفه للاضطرار، مع واقع الثروة الأدبية الضخمة واستحالة تمثيل الجميع، إلى إغفال الكثير ممن قد يكونون الأفضل. إذن المسألة تكمن في تأخر الانتشار، وهي مسألة وقت فقط، كما هو الحال مع ماريو ليفريرو (1940-2004)، الذي اشتهر بلقب "كافكا الأوروغواي"، وعرف النجاح، خاصة أواخر حياته، أما الانتشار الأهم فقد حدث بعد وفاته، عبر ترجمته إلى العديد من اللغات.

لماذا كافكا الأوروغواي؟

يبدو أن العبارة المتداولة في أميركا اللاتينية التي تقول إن تشيلي تنتج شعراء، والأرجنتين كتاب قصة قصيرة، والمكسيك روائيين، والأوروغواي "النوادر" أو "لوس راروس"، بالإسبانية، تجد تمثيلها بالنسبة للأخيرين عبر عدد من أدباء هذا البلد الصغير، وماريو ليفريرو، هو أحدهم بامتياز، إن لم يفقهم جميعا. ظهر ليفريرو لأول مرة عام 1966، وهو في سن السادسة والعشرين، من خلال روايته "المدينة"، لينجز بعدها إحدى عشرة رواية وست مجموعات قصصية وكتبا أخرى تتفاوت في موضوعاتها، وقد أدرجه الناقد الأوروغوياني أنخيل راما، في نادي "الكتاب النوادر". تصف تسمية النوادر، التي تعني في الوقت نفسه الاستثنائي والغريب، لدى راما، اتجاها أدبيا أوروغويانيا، دشنه الشاعر الفرنسي لوتريامون المولود في الأوروغواي، وفقا للكاتبة والأكاديمية المكسيكية إيسورا كونتريراس في مقال لها عن رواية ليفريرو، "الرواية المضيئة"، الصادرة بعد وفاة ليفريرو بعام.

أدرجه الناقد أنخيل راما، في نادي "الكتاب النوادر"، التسمية التي تعني في الوقت نفسه الاستثنائي والغريب

لم تكن الغرابة تقتصر على ما هو أدبي، فهي تشمل أيضا ما هو حياتي، اجتماعي، لهؤلاء الندرة. فكاتب مثل خوان كارلوس أونيتي، كان اشتهر بملازمة سريره في شقته في ضواحي مدريد طوال الاثني عشر عاما الأخيرة من حياته، وكان يدير شؤونه من على هذا السرير، قراءة وكتابة وتدخينا. وماريو ليفريرو تجمعه بأونيتي أكثر من صفة، منها العزلة التي أحاط بها نفسه، والهوس بالكتابة حد الجنون، وهواجس نضوب مصدر الإلهام، إضافة إلى تفاصيل وانشغالات أخرى غير عادية يتفرد بها. وقد وصفت عزلته بالخصبة، فخلالها أنتج "الرواية المضيئة" إلى جانب "كلمات فارغة" (1996)، وهما تعدان من أهم الأعمال الأدبية الصادرة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، على صعيد الأوروغواي والقارة اللاتينية بأكملها.

غلاف "الرواية المضيئة"

ترى آني ماكديرموت، مترجمة العملين المذكورين إلى الإنكليزية، أن ليفريرو واحد من كبار كتاب أميركا اللاتينية في القرن العشرين. وعلى أهمية هذين العملين وخصوصيتهما، إلا أن حضور ليفريرو الذي يزداد مع الوقت، يشهد بتأثير مجمل أعماله، لما تمثله من قطيعة مع الواقعية السحرية، التي أخذت تثير حنق الكتاب الشباب هناك، وانتقادهم الشديد. وهكذا صار ليفريرو، العصي على التصنيف الأدبي، والعابر للاتجاهات والمدارس، تيارا مؤثرا، خاصة في أجيال الكتاب المولودين في السبعينات وما بعدها، في بلدان عديدة من القارة، وليس الأوروغواي وحدها. غير أن رواية "المدينة" التي تنتمي إلى المرحلة الأولى من كتاباته، حسب تقسيمات النقاد، وبسببها لحقته تسمية "كافكا الأوروغواي"، تعد الأكثر كافكوية لمناخها الكابوسي، وتقنيات أخرى تشترك مع أدب كافكا، باعتراف الكاتب نفسه، وهو ما امتد إلى أعمال ثانية له، قصصية وروائية.

غلاف "الثلاثية غير المقصودة"

تشكل "المدينة" مع روايتي "باريس" (1980) و"المكان" (1982)، الثلاثية "غير المقصودة"، كما أطلق عليها ليفريرو لاحقا، لاكتشافه خيطا واصلا بين الروايات الثلاث، التي كتبت مستقلة في الأصل. مع "دع كل شيء في يديّ" (1998)، يتجدد أيضا الأثر الكافكاوي في هذه الرواية التي تتحدث عن كاتب يائس وبحاجة إلى المال تستغل دار النشر التي يتعامل معها، وضعه، بإغرائه بنشر روايته المودعة لديها ومكافأته ماليا، على أن يقوم بمهمة تحقيقية تتطلب السفر إلى بلدة صغيرة نائية في أعماق الأوروغواي، للعثور على كاتب خفي لمخطوطة آسرة، كان قد بعثها للنشر دون أن يثبت عنوانا له. فتكون طبيعة سير الأحداث مناسبة للتعرف الى أنماط عديدة من الشخصيات والمواقف المختلفة التي يصادفها البطل، مع حضور واضح لحس الفكاهة والمرح، ونقد عميق لاذع يطال بنى سياسية وثقافية واجتماعية.

الكتابة باليأس

للكتاب مع الصفحة البيضاء والتخوف من العجز عن قهرها، تاريخ من المواجهات، تأخذ أساليب شتى، منها ما يكون باستثمار المعضلة ذاتها وتحويلها إلى إنجاز، لتنتصر الكتابة في الأخير، هذه التي لا يجد الكاتب لذاته وجودا أو حضورا خارجها. وهذا هو ما فعله ماريو ليفريرو، على الأقل في عملين مهمين من أعماله، سبقت الإشارة إليهما، هما "كلمات فارغة" و"الرواية المضيئة".

تشكل "المدينة" مع روايتي "باريس" و"المكان"، الثلاثية "غير المقصودة"، كما أطلق عليها ليفريرو لاحقا، لاكتشافه خيطا واصلا بين الروايات الثلاث

يقوم موضوع الأولى على محاولة الكاتب تغيير حياته من خلال تحسين خطه، كعلاج ذاتي، معتقدا أنه بذلك سيتمكن من تحسين شخصيته، وتحقيق النجاح الحياتي، على اعتبار أن ثمة علاقة وثيقة بين الشخص وخط يده، فتفضي به التجربة إلى تدوين تأملاته في الوجود، ونسج الحكايات، ومخاطبة زوجته، أي الانجراف مع الكتابة. وفي معرض تعريفه بروايته، يقول ليفريرو في تقديمه لها إن كلمات فارغة تتكون من عنصرين أو مجموعتين، الأولى وعنوانها "تمارين" تضم سلسلة تمارين الكتابة اليدوية القصيرة، ولا غاية لها سوى ذلك، والثانية، وعنوانها "الخطاب" أو "الحديث الفارغ" وتضم نصا واحد متماسكا يتسم بالأدبية أكثر. فيتأكد في المحصلة ووفقا لما اتخذه منحى الرواية، انتصار الكتابة، حتى لو كان ذلك بالمناورة، وهو شكل من أشكال الإصرار على إنجاز "نص".

wikipedia
فعالية تأبينية لماريو ليفريرو عام 2014

في أثناء ذلك يستثمر ليفريرو هواجسه ويومياته بما في ذلك أحلامه أو كوابيسه، من ذلك حلمه ذات ليلة "أنه مصور يتنقل بكاميرته بين أمكنة وأحداث لا رابط بينها، فمن تصوير امرأتين في باحة فندق إلى تصويره مشهد أمواج تضرب ناطحات سحاب، وسط حالة فوضى، وحين سأل عما يحدث قيل له إنها نهاية العالم".

أما "الرواية المضيئة" فتعتمد النهج ذاته، حيث التعبير عن العجز عن الكتابة وحيرة الكاتب ويأسه من عدم تمكنه من إتمام روايته. وكان الكاتب بدأ مشروع روايته هذه عام 1984، وبعد كتابة عدد من الفصول توقف، حتى العام 2000، إلى أن حصل على منحة "غوغنهايم" لإكمال كتابتها، ولم تتحقق الرواية المنشودة، بالمعنى الحرفي، وبدل ذلك تحقق عمل ضخم يفوق الـ 500 صفحة، بمقدمة تحمل عنوان "يوميات المنحة"، في أكثر من 400 صفحة، يتحدث فيها، ضمن يومياته، بصدق عن عدم قدرته على إتمام الرواية، فيما مثلت المئة صفحة المتبقية المتن الروائي الأصل، وهي الفصول الخمسة التي كان أنجزها من قبل.

وكما هو الحال مع "كلمات فارغة"، فإن الروايتين المفترضتين، وهما تمزجان الخيالي بالواقعي، والشأن اليومي المباشر بالتأمل الفلسفي الوجودي والاهتمام بما وراء علم النفس، أو بما هو علمي عموما، مع مسحة من الفكاهة والسخرية، كصفة دالة على أعمال ليفريرو، لا تخضعان في أي حال للمفهوم المتعارف عليه للرواية، لافتقارهما إلى الحبكة، وعناصر أخرى، وهما أقرب إلى السيرة الذاتية. وإجمالا يتفق النقاد على صعوبة وصف أو تصنيف كتابات ليفريرو، اتساقا مع صفة الغرابة التي يتسم بها أدبه، وهو ما يمثل انعكاسا لروح التمرد لديه، كون الكتابة كما يؤمن بها ويجسدها بالممارسة، فعل حرية.

يتفق النقاد على صعوبة وصف أو تصنيف كتابات ليفريرو، اتساقا مع صفة الغرابة التي يتسم بها أدبه، وهو ما يمثل انعكاسا لروح التمرد لديه

وأخيرا، قد يصلح المقتطف التالي من قصيدة لليفريرو استهل به رواية "كلمات فارغة" لإلقاء بعض الضوء على شخصيته وفهم فلسفته:

شيء ما في داخلي، ليس أنا

هو ما أبحث عنه

شيء ما في داخلي،

أحسبه أحيانا، أنا

لكن لا أعثر عليه أبدا

شيء ما يظهر دونما سبب، يسطع للحظة، ثم يختفي لسنوات

لا أتذكره أنا أيضا

قريب هو  من الحب، لكنه ليس تماما، الحب

قد يُخلَط بينه وبين الحرية، الحقيقة، وهوية الكائن المطلقة

مع ذلك لا يمكن احتواؤه بالكلمات،

أو إدراكه بالتصورات

أو حتى تدوينه بالضبط، كما هو.

font change