كثيرا ما بدا أن مشهد الرواية الأميركية اللاتينية، توقف عند بعض الأسماء الراسخة المعهودة التي صنعت أسطورة هذا الأدب عموما، وهو ما ارتبط غالبا بما عُرف بجيل "الطفرة" الذي ظهر في ستينات القرن الماضي وحقق انتشارا عالميا، متمثلا في أربعة كتاب، هم غابرييل غارسيا ماركيز، ماريو بارغاس يوسا، كارلوس فوينتس، وخوليو كورتاثار، وقد بدوا فريقا واحدا، بحكم الصداقة التي جمعتهم، وكانوا جميعا كأنهم "يكتبون فصولا مختلفة من الرواية الأميركية اللاتينية الكبيرة نفسها"، كما جاء في إحدى رسائل كارلوس فوينتس إلى خوليو كورتاثار عام 1967 والمتضمنة في كتاب مراسلات الكتاب الأربعة، "رسائل جيل الطفرة"، كما يشير إلى ذلك الكاتب والمترجم السويدي هنريك نيلسون في مقال له.
وإذا كان الحضور الطاغي المستمر لهؤلاء، عالميا، وأسماء أُخرى تالية من بلدان القارة ممن تمتع أصحابها بشهرة واسعة، أيضا، وإن متفاوتة، كإيزابيل ألليندي ولويس سيبولبيدا وروبرتو بولانيو وألونسو كويتو، مثلا لا اقتصارا، فإن ذلك يجب أن لا ينفي حقيقة أن هذا الجيل نفسه مدين بدوره لكتاب سابقين من المجددين، أي الجيل المؤسس لحداثة السرد في القارة، الذين ظهرت أعمالهم الرائدة في الأربعينات (أو قبلها بقليل) والخمسينات، أمثال، ميغيل أنخيل أستورياس وخورخي لويس بورخيس وأليخو كاربنتييه وإرنستو ساباتو وخوان كارلوس أونيتي وخوان رولفو.
وإذا كانت الأسماء السابقة جميعا حققت حضورا عالميا، إلا أن ذلك لا يعني في أي حال أن عدم انتشار أسماء كتاب جدد بعدها، وبالدرجة نفسها، دلالة على جمود المشهد الروائي أو السردي عموما في أميركا اللاتينية وعجزه عن تقديم الجديد. فالعكس هو الذي يصح، إذ أن حركة أجيال الكتابة بقيت متواصلة، وقد أفرزت كاتبات وكتابا جيدين، لا مجال هنا للتوسع في ذكر الأسماء. ومن المناسب في هذا الصدد إيراد ما نقله الكاتب السويدي توربيون إلينسكي عن كارلوس فوينتس، وقد دعا ذات مرة عددا من الكتاب الشباب إلى مؤتمر، معبرا عن أسفه للاضطرار، مع واقع الثروة الأدبية الضخمة واستحالة تمثيل الجميع، إلى إغفال الكثير ممن قد يكونون الأفضل. إذن المسألة تكمن في تأخر الانتشار، وهي مسألة وقت فقط، كما هو الحال مع ماريو ليفريرو (1940-2004)، الذي اشتهر بلقب "كافكا الأوروغواي"، وعرف النجاح، خاصة أواخر حياته، أما الانتشار الأهم فقد حدث بعد وفاته، عبر ترجمته إلى العديد من اللغات.
لماذا كافكا الأوروغواي؟
يبدو أن العبارة المتداولة في أميركا اللاتينية التي تقول إن تشيلي تنتج شعراء، والأرجنتين كتاب قصة قصيرة، والمكسيك روائيين، والأوروغواي "النوادر" أو "لوس راروس"، بالإسبانية، تجد تمثيلها بالنسبة للأخيرين عبر عدد من أدباء هذا البلد الصغير، وماريو ليفريرو، هو أحدهم بامتياز، إن لم يفقهم جميعا. ظهر ليفريرو لأول مرة عام 1966، وهو في سن السادسة والعشرين، من خلال روايته "المدينة"، لينجز بعدها إحدى عشرة رواية وست مجموعات قصصية وكتبا أخرى تتفاوت في موضوعاتها، وقد أدرجه الناقد الأوروغوياني أنخيل راما، في نادي "الكتاب النوادر". تصف تسمية النوادر، التي تعني في الوقت نفسه الاستثنائي والغريب، لدى راما، اتجاها أدبيا أوروغويانيا، دشنه الشاعر الفرنسي لوتريامون المولود في الأوروغواي، وفقا للكاتبة والأكاديمية المكسيكية إيسورا كونتريراس في مقال لها عن رواية ليفريرو، "الرواية المضيئة"، الصادرة بعد وفاة ليفريرو بعام.



