سيرة سينمائية لأنتوني بوردين قبل أن يصبح أحد أشهر الطهاة

مشروع كاتب وجد شغفه في الطعام

سيرة سينمائية لأنتوني بوردين قبل أن يصبح أحد أشهر الطهاة

يعتبر أنتوني بوردين أحد أشهر الطهاة في القرن الحادي والعشرين، الأميركي الذي نشر سيرة ذاتية بعمر 43 عنوانها "Kitchen Confidential" وكان مقدما لأحد أشهر البرامج الوثائقية على مدى العديد من السنوات. سلسلة "أماكن مجهولة" Parts Unknown، هيكل سردي ينقل بوردين من دولة إلى أخرى، حيث لا يكتفي بالتعريف بأشهر مأكولاتها وثقافة طعامها، إنما يعرف بهذه الدول ويناقش تاريخها وحاضرها، باعتماد شبه كامل على قدرته على تكوين أواصر حقيقية مع من يقابلهم. توفى بوردين منتحرا في 2018 مخلفا فجيعة صعقت محبيه الذين اعتادوا على صوته الروائي الرخيم.

 Christopher Polk / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
جدارية لفنان الشارع جوناس نيفر تصور أنتوني بوردين على الجدار الجانبي لمطعم وبار "غرامرسي" في سانتا مونيكا، كاليفورنيا، 16 يونيو 2018

بداية الشغف

يصور فيلم "توني" (2026) أحد فصول حياة بوردين المبكرة، مستلهما بعض الأحداث الحقيقية من حياته ويعززها بحرية سردية درامية رفقة شخصيات وهمية، في محاولة لتصوير اللحظات المفصلية التي قادت الطاهي الشهير إلى إيجاد شغفه في مطابخ المطاعم أثناء ارتياده الجامعة. الفيلم من إخراج مات جونسون، شاركه في الكتابة تود بارتيلز و لو هاوي، ومن بطولة دومينيك سيسا وأنتونيو بانديراس وإيميليا جونز وليو وودال وستافروس هالكياس.

يستهل الفيلم قصة بوردين وهو يجري مقابلة مع جامعة "فاسار" في شأن منحة دراسية لأجل كتابة رواية. الوتيرة المتسارعة في البداية تضع المشاهد في قلب الأحداث دون تسليط الضوء على حقيقة أن بطل القصة هو أنتوني بوردين، بل هو سرد اعتيادي لقصة نضوج معتادة. حتى يقرر "توني" (دومينيك سيسا) سرقة ما يوجد في محفظة والده من أموال وينطلق في رحلته إلى مدينة بروفينستاون ليطارد فتاة أحلامه من المرحلة الثانوية (إيميليا جونز)، بعد إعلامه بعدم حصوله على المنحة الدراسية.

تبرز قدرة صناع العمل على التحكم بالمزاج العام للفيلم وإضفاء نبرة إيجابية وحيوية حتى في أحلك لحظاته

عندما يظهر عنوان الفيلم بالخط العريض أثناء ركوب توني للحافلة، نشعر بانتعاش البدايات الجديدة الشابة التي لا تنشغل بالعواقب أو تفكر في المستقبل. اندفاع صارخ لعنفوان الشباب يتغذى على هرمونات مضطربة وثقة عمياء. حتى مع علمنا بأن ما ينتظر البطل ليس سوى تحديات حياتية صعبة، لا نستطيع منع أنفسنا من تشجيعه. إحدى سمات هذا الفيلم قدرته على التسارع والدفع بالنسق للأمام حتى في لحظات تباطؤ القصة، حيث تبرز قدرة صناع العمل على التحكم بالمزاج العام للفيلم وإضفاء نبرة إيجابية وحيوية حتى في أحلك لحظاته.

 A24
دومينيك سيسا، إلى اليسار، وإميليا جونز في فيلم "توني"

شخصيات مؤثرة

مع تقدم الأحداث، نلاحظ تركيز الفيلم على الشخصيات التي شكلت مستقبل بوردين، ومن بينها أمه التي ساعدته في نشر مقالته الأولى وإطلاق مهنته التلفزيونية، ولكن يتضح من خلال مشهد العشاء العلاقة المتوترة التي عاشها توني في منزل طفولته. عندما يصل إلى بروفينستاون تنفتح أبواب المستقبل على مصراعيه، ويقبل على عمله في المطعم (مملوك ومدار بشخصية طاه دون اسم يؤدي دوره أنتونيو بانديراس) بكل ما فيه من فوضى. لكن وسط هذه الفوضى هناك نوع من الروتين التقليدي الذي يبقي شخصا يعيش فترة مضطربة في حياته متزنا وذا هدف. حتى لو لم يكن توني يملك هدفا واضحا في ذلك الوقت، لكن الاستيقاظ صباحا والتزام ساعات العمل كانت أهدافا كافية في تلك الفترة من حياته.

 A24
أنطونيو بانديراس ودومينيك سيسا في فيلم "توني" (2026)

يحسب للفيلم أنه ليس سيريا، ولم يقدم قصة مترامية الأطراف تطارد بوردين في جميع فترات حياته، لأن أفلام السيرة عرضة للملل وطول المدة والسرد الخطي الذي لا يفسح في المجال للارتجال القصصي. عوضا من ذلك يركز الفيلم على تلخيص محطات حياتية مهمة في صيف واحد وتقديم شخصيات خيالية تعزز من جانب المتعة السردية على حساب الدقة التاريخية. في عديد من الأوقات يمكنك نسيان أن هذا الفيلم يتناول قصة شخصية حقيقية، لأنه فيلم مكتف بذاته ولا يتفرع كثيرا إلى فترات زمنية أخرى من حياة بوردين.

الجانب السلبي في هذه الناحية، يظهر عندما يجد بوردين هدف حياته ويقرر أن يصبح طاهيا. فهذا القرار لا يأتي طبيعيا أو نتيجة لأحداث الفيلم، بل يمكننا القول إن الفيلم لا يمتلك العديد من اللحظات التي ينصب فيها الطبخ والطعام كأداة سردية عاطفية تتكشف من خلالها شخصية بوردين. مجرد مشاهد قليلة موزعة على فترات متفرقة ولا تترك أثرا فعليا.

فيلم مكتف بذاته ولا يتفرع كثيرا إلى فترات زمنية أخرى من حياة بوردين

حتى عندما يتحدث توني عن رحلته إلى فرنسا في طفولته وتذوقه المحار لأول مرة، يأتي ذلك الحوار عرضيا ودون تمهيد حقيقي. ينتهي الفيلم دون قدرتنا على استشعار تحول جزئي وبطيء في شغف توني من الكتابة إلى الطبخ، إذ لا نرى خطا منطقيا حثيثا تراكمت فيه الأحداث والمواقف ويمتد بسلاسة من الكتابة إلى الطهي، لكن الأمر أشبه ما يكون بأن الفيلم قرر تغيير هذا الشغف بضغطة زر وفرض هذا الأمر على بطل قصته. مع أن العديد من المشاهد يصور توني وهو يراقب شخصيات أخرى في المطعم، وتكون زاوية التصوير حريصة على تهميش توني في إحدى الزوايا لتثبيت فكرة أنه يشاهد ما يحصل أمامه مثلنا، لكننا لا نشعر إطلاقا بأن هناك فتيلا اشتعل داخله تجاه هذه المهنة.

واقعية تحتفظ بالسحر

وهذا يعيدنا إلى ذكر أنه فيلم "نضوج" جيد، أحداثه مكثفة حيث يبرهن المخرج رفقة فريق المونتاج على قدرة متناهية في الدفع بعجلة السرد وإغراق الفيلم بطاقة إيجابية لا تترك للمشاهد فرصة الشعور بالملل، كما يظهر الحقبة الزمنية بكل واقعية ودون التخلي عن سحرها. هناك دفء محسوس في مشاهد طاقم المطعم أثناء تناولهم وجبة العشاء بعد الإغلاق، والمشاهد الواسعة التي تظهر طبيعة المدينة الساحلية والشفق يقبع خلف المنازل التي تبرهن أن هذه البلدة الصغيرة تملك رونقا يتنوع باختلاف ساعات اليوم.

دومينيك سيسا يقدم نسخة مشابهة لما قدمه في فيلم ألكسندر باين (The Holdovers 2024)، مظهر الممثل وتسريحة شعره تسهل عملية اختياره لمثل هذه الأدوار التي تتطلب حضور شاب عنيف في حقبة زمنية سابقة، ورغم جودة الأداء لا يمكن تجاهل حقيقة كونه أداء مشابها لما سبق. كما أن النص والحوارات المكتوبة لشخصية توني لم تكن مصدر عون للممثل الشاب. ممثل آخر يقدم أداء شبيها بأداء سابق له هو ليو وودال (بشخصية سال)، الطاهي المتهور صاحب المغامرات الجنسية التي لا تنتهي. سال ليس شخصية حقيقية لكن بعض مواقفه في الفيلم هي مواقف حقيقية ذكرها بوردين في كتابه. وودال ينعش الشاشة مع كل مشهد جديد، لكن في ذلك إعادة تدوير لما قدمه في مسلسل "اللوتس الأبيض".

أنتونيو بانديراس كذلك يقدم شخصية وهمية، الطاهي البرتغالي الذي يحل محل الأب في حياة توني فيعلمه الانضباط والقيمة الخفية في الروتين، لكن أداءه مثل سابقيه يقع ضحية نص حواري ضعيف. ففي نص يتطلب مواجهات بين شخصياته تأتي هذه المواجهات مفخخة بحوارات مبتذلة ومفرغة من أي عمق أو حدة، نشعر بأنها المسودة الأولى ولم تتطور أكثر من ذلك. حتى مع التعمق في السياق لا نجد أسبابا فعلية تجعل الطاهي البرتغالي يضع أي ثقة أو آمال في توني، فشخصيته موجودة لإرشاد توني فقط، ولا تمتلك ثقلا دراميا حقيقيا دون ذلك.

على صعيد آخر، تقدم داغمارا دومينتشيك أحد أفضل أداءات الفيلم بدور والدة توني، ومن خلال مشاهد قصيرة تبرهن على التأثير الهائل الذي تملكه على عائلتها بالكامل، توني الذي يعود للمنزل مفعما بالثقة بعد تأكده من حصوله على المنحة الدراسية، يصارع لإبقاء دفاعاته صامدة أمام هجوم والدته السريع واللاذع والذي ينساب بكل هدوء بين كلماتها.

يملك الفيلم إدراكا تاما لأهمية العنصر الذكوري الأبوي شبه المفقود في حياة توني، وينجح نسبيا في التقاط هذا الأثر

في نظرة شاملة إلى الفيلم، نلاحظ أنه ينجح في تصوير حياة شاب في مقتبل العمر والتحديات التي شكلت شخصيته وأجبرته على قيادة دفة حياته بجدية أكثر، لكنه يفشل في تقديم الأحداث المهمة في حياة أنتوني بوردين وما دفع به إلى حياة المطاعم. يملك الفيلم إدراكا تاما لأهمية العنصر الذكوري الأبوي شبه المفقود في حياة توني، وينجح نسبيا في التقاط هذا الأثر وعرضه من خلال شخصيتي سال وصاحب المطعم. لكنه لا يمتلك الدفعة الكافية في التقاط أثر الطعام والطبخ في حياة بوردين، ويأتي قراره في نهاية الفيلم في شأن مستقبله مفروضا بفظاظة حتى وإن كان الحدث واقعيا.

font change

مقالات ذات صلة