بعد سقوط المخا... ما تركيبة القوات الحكومية في اليمن؟

مراجعة المسارات الخاطئة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
قوات مكافحة الإرهاب اليمنية خلال عرض في مطار الريّان بمدينة المكلا في محافظة حضرموت الساحلية، اليمن، في 19 يناير 2026

بعد سقوط المخا... ما تركيبة القوات الحكومية في اليمن؟

سقوط مدينة المخا بعد أكثر من ثماني سنوات من سيطرة قوات الحكومة اليمنية انتكاسة كبيرة ليس فقط لأهمية المنطقة الجيوسياسية وخسارة ما يزيد على 140 كم، بل أيضاً لحقيقة أن هذا السقوط جاء بعد أكثر من عشر سنوات من مواجهة الحوثي وظهور مؤشرات قوية لعودة الحرب آخر شهرين.

هذه فترة كافية للاستعداد والجاهزية، فتكتيكات الحوثي العسكرية صارت معروفة وقدراته المسلحة لا تتجاوز قوات الحكومة من حيث العدد والعتاد، لكن هذه عاقبة التراخي في معالجة أمر الانقسامات بالمعسكر المعادي للحوثيين.

يعد التنوع الذي يتسم به المعسكر المعادي للحوثيين أمرا إيجابيا ويحسب له، لأنه يعبر عن الطبيعة السياسية والاجتماعية الحقيقية للمجتمع اليمني، ويؤكد أنه معسكر سياسي وطني لا يقتصر على عصبية معينة أو هوية محددة مثل الحالة الحوثية.

هذا أيضا يمنح لهذا المعسكر شرعية تمثيل مختلف الشرائح اليمنية وبالتالي غالبية اليمنيين عدداً. ففي العقد الماضي شهدنا توسعا في عدد القوى المجتمعية والسياسية المنخرطة في المعسكر المعادي للحوثيين، بينما يشهد المعسكر الحوثي تقلصا مستمرا بسبب الإقصائية الشديدة والعصبوية الضيقة.

هذه المزايا قد تتحول لإشكالية كبرى لو لم يكن هناك ضابط لإيقاعها، وقد تصبح كارثة وهزيمة عسكرية عسيرة لو لم يكن هناك حد أدني من التنسيق والتنظيم بين الوحدات العسكرية المختلفة والمتباينة الأهداف، وهذا ما كشفته الأحداث الأخيرة.

أ.ف.ب
دبابة قتال تتقدم خلال القتال الدائر بين الحوثيين وقوات الحكومة اليمنية على طول خطوط الجبهة في منطقة الكدحة غربي تعز في غربي اليمن، في 16 سبتمبر 2026

كان من المعلوم أن قوات العميد طارق صالح تتولي مهمة إدارة هذه المنطقة وحمايتها، وهي قوات معظم قوامها جنود شماليون، وبعضها انشقت من معسكر الحوثيين بعد القتال بين الرئيس الأسبق صالح والحوثيين عام 2017، الذي انتهى بمقتل صالح. هذا يعني أنها قوات من شمال اليمن بعضها من أقصى الشمال، وأخرى من المناطق الوسطى (إب وتعز) وليسوا من أبناء المنطقة الساحلية (تهامة).

تمت معالجة هذا الخلل بتأسيس ما يسمى "القوات التهامية"، أي من أبناء منطقة تهامة. جدير بالذكر أن أبناء تهامة وما صار يعرف بالساحل الغربي، تعرضوا لتهميش اجتماعي وسياسي واسع من قبل الحكومات اليمنية المركزية المتعاقبة مما خلق مظالم عميقة الجذور، ويبدو أنه في محاولة لمنع ظهور قوة مناطقية جديدة، تم توزيع هذه القوة التهامية ما بين قوات تحت إمرة طارق صالح العسكرية، وأخرى مستقلة، وقوة ثالثة صارت ضمن لواء العمالقة.

"لواء العمالقة" هي القوات التي تسيطر على المناطق الجنوبية المحاذية ويقودها العميد حمدي شكري، وهي قوات معظم قوامها من الجنوب تحديداً من الصبيحة، وليست قوات جنوبية انفصالية كما يشاع، لكن يغلب عليها الطابع السلفي، وهي قوات كانت تتسم علاقتها بقوات طارق صالح بالتنافسية الشديدة.

أما شرق هذا الساحل فتسيطر عليه قوات من "حزب الإصلاح" (يضم الإخوان المسلمين) وهي جزء من المنطقة الرابعة للجيش اليمني في محوري تعز وطور الباحة، وعلاقتها بقوات طارق صالح تتسم بالعداء الشديد نظراً للخصومة الحادة بين الطرفين بسبب مشاركة "حزب الإصلاح" الفاعلة في انتفاضة 2011 التي أطاحت بعم طارق، الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح.

هكذا يتضح المشهد، قوات طارق صالح فيما يعرف بـ"قوات المقاومة الوطنية"، معزولة في جغرافيا ضيقة ومنبسطة وشديدة الأهمية ولا تربطها علاقة جيدة بمحيطها الجغرافي مع القوات المختلفة. هذا أمر قد يكون محتملا وقت السلم لكنه خطر وقت الحرب، ففي الحرب لا يمكن حماية هذه المنطقة الساحلية دون تأمين محيطها بل وتحتاج مشاركة وثيقة للقوى العسكرية الأخرى للدفاع عنها.

أ.ف.ب
مقاتلون تابعون للحكومة اليمنية خلال اشتباكات مع الحوثيين في محافظة الجوف، اليمن، في 15 سبتمبر 2026

لم يكن من باب العجب أن يبدأ هجوم الحوثيين على الساحل الغربي من تعز وطور الباحة كمناطق من الضروري تحييدها والسيطرة عليها، بل لا زالت المعارك تدور حتى الآن في جبال تعز لإحكام السيطرة على الساحل. بالتالي، كان التنسيق والتعاون الوثيق بين قوات الساحل وتعز أمرا ضروريا وملحا وينبغي أن يتجاوز الخلافات السياسية القديمة، بحكم أنهما يواجهان خطرا مشتركا.

حتى لو سلمت النوايا وصدقت الرغبة في التنسيق، فهذا أمر يحتاج وقتا طويلا حتى ينجح. بمعنى أنه لم تؤسس غرفة عمليات مشتركة بين هذه القوات المتصادمة إلا عندما اشتدت المعارك ضد الحوثيين، لكن التنسيق ليس مجرد غرفة عمليات مشتركة ضد عدو واحد.

العمل الجماعي يحتاج تدريبا وتنسيقا مبكرا حتى يؤتي ثماره بشكل عملي، بمعنى لا يمكن أداء رقص جماعي في حفلة لمجرد الرغبة بضرورة فعل ذلك، بل الأمر يحتاج عملا مسبقا وطويلا لكي يعتاد الجميع على العمل معاً وبالتالي النجاح

العمل الجماعي يحتاج تدريبا وتنسيقا مبكرا حتى يؤتي ثماره بشكل عملي، بمعنى لا يمكن أداء رقص جماعي في حفلة لمجرد الرغبة بضرورة فعل ذلك، بل الأمر يحتاج عملا مسبقا وطويلا لكي يعتاد الجميع على العمل معاً وبالتالي النجاح.

غرفة العمليات المشتركة كانت ضرورة ملحة والوعي بهذا كان حاضرا وموجودا، وكانت فكرة أن التنسيق بين القوات المختلفة أمر شديد الأهمية وينبغي الاهتمام به دائما مطروحة. لا يقع اللوم هنا على طارق أو غيره من القيادات العسكرية الميدانية، بل على القيادة المركزية ممثلة برئيس الدولة وبقية أعضاء مجلس القيادة إضافة لوزير الدفاع.

أ.ف.ب
سفينة غارقة بعد يوم من هجوم شنه الحوثيون على مدينة المخا، اليمن، في 10 أغسطس 2026

كان من المفترض أن يكون هذا على رأس قائمة أولوياتهم منذ بداية تشكل الحكومة الجديدة بداية العام الحالي، ثم كان أمرا لا ينبغي تجاهله منذ قرابة شهرين عند بدء التصعيد العسكري الأخير، لكنه تأخر ولم يحدث إلا مع اشتداد المعركة، عدة أيام فقط قبل سقوط المخا.

بالتأكيد، العمل المشترك تحت وطأة ضغط المعارك بين أطراف لم تعتد ولم تتدرب على هذا الأمر، لم يكن بالأمر الهين ونسب فشله مرتفعة بوضوح، وهذا بالضبط ما حدث.

كانت غرفة العمليات المشتركة تعيش أجواء متوترة بين القيادات العسكرية المتباينة وتصوراتهم المختلفة لما ينبغي فعله دون رأس عملياتي واضح وبلا إرشاد عسكري مركزي، وبالتالي فقدوا السيطرة على مجريات المعركة وانهزمت قواتهم التي لم يكن ينقصها العتاد العسكري أو التدريب أو الدافع أو القدرات القتالية.

المسألة ببساطة هي إخفاق سياسي، وافتقاد مركّز للعملية العسكرية وغياب إطار سياسي مشترك بين الفصائل المختلفة التي اعتادت الخوض في معاركهم البينية أثناء مرحلة الهدنة التي امتدت لأربع سنوات لدرجة أنهم نسوا سبب وجودهم بهذا الشكل

المسألة ببساطة هي إخفاق سياسي، وافتقاد مركّز للعملية العسكرية، وغياب إطار سياسي مشترك بين الفصائل المختلفة التي اعتادت الخوض في معاركهم البينية أثناء مرحلة الهدنة التي امتدت لأربع سنوات لدرجة أنهم نسوا سبب وجودهم بهذا الشكل، في عاصمة مؤقتة وضمن صيغ سياسية مؤقتة، وهذا السبب هو استمرار الحوثيين كخطر مشترك ضدهم لأنه يرفضهم ولا يرى طريقة في التعامل معهم سوى الإخضاع الكامل، في علاقة غير قابلة للبقاء.

في وقت يمتلك فيه الحوثي قرارا مركزيا مما يمنحه السرعة والانسجام الكافيين لتحقيق إنجازات عسكرية واسعة ضد خصومه، الذين أخفقوا في التعامل مع خلافاتهم البينية وإدارة تنوعهم الطبيعي، لكن هذه المركزية تجعل قدرة الحوثيين على الحفاظ فيما سيطر عليه عسكرياً، وإدارته سياسياً أمرا شبه مستحيل.

لا يمكن للحوثيين إدارة بلد كبير جغرافياً، قرابة نصف مليون كيلومتر مربع، ومتنوع اجتماعياً، ويحمل قدرا كبيرا من التناقضات السياسية، والأهم أنه مجتمع مسلح في جغرافيا جبلية صعبة.

رويترز
نساء يُعددن الطعام للفارين من الاشتباكات بين الحوثيين وقوات الحكومة اليمنية، في مخيم "مركزي" للاجئين بعد وصولهم إلى جيبوتي، في 14 سبتمبر 2026

الحوثيون لا يقبلون بهذا التنوع، بل لا يعترفون به، لهذا فإن إنجازاتهم العسكرية قد لا تنعكس سياسياً بل تظل هشة بسبب ضعف الحاضنة الاجتماعية. المسألة هنا في كيفية الاستفادة من نقاط ضعف الحوثي وعدم الانشغال بتوزيع غنائم معركة لم تنته، وإدارة التنوع والاختلاف بشكل منضبط سياسياً وصارم عسكرياً.

الهزيمة العسكرية الأخيرة قد تحمل في طياتها فرصة للمراجعة وتعديل المسار بل وعكسه، لكن هذا يستدعي تشخيصا دقيقا للأسباب المتعددة لهذه الهزيمة، ومعالجة جادة وصادقة لجوانب الخلل المختلفة. هذا أمر ليس بالمستحيل أو الإعجازي، بل ممكن جداً، لو كانت هناك قيادة واعية تماماً بطبيعة المخاطر المحيطة بها، وبناءً عليه تحدد أولوياتها.

font change