سقوط مدينة المخا بعد أكثر من ثماني سنوات من سيطرة قوات الحكومة اليمنية انتكاسة كبيرة ليس فقط لأهمية المنطقة الجيوسياسية وخسارة ما يزيد على 140 كم، بل أيضاً لحقيقة أن هذا السقوط جاء بعد أكثر من عشر سنوات من مواجهة الحوثي وظهور مؤشرات قوية لعودة الحرب آخر شهرين.
هذه فترة كافية للاستعداد والجاهزية، فتكتيكات الحوثي العسكرية صارت معروفة وقدراته المسلحة لا تتجاوز قوات الحكومة من حيث العدد والعتاد، لكن هذه عاقبة التراخي في معالجة أمر الانقسامات بالمعسكر المعادي للحوثيين.
يعد التنوع الذي يتسم به المعسكر المعادي للحوثيين أمرا إيجابيا ويحسب له، لأنه يعبر عن الطبيعة السياسية والاجتماعية الحقيقية للمجتمع اليمني، ويؤكد أنه معسكر سياسي وطني لا يقتصر على عصبية معينة أو هوية محددة مثل الحالة الحوثية.
هذا أيضا يمنح لهذا المعسكر شرعية تمثيل مختلف الشرائح اليمنية وبالتالي غالبية اليمنيين عدداً. ففي العقد الماضي شهدنا توسعا في عدد القوى المجتمعية والسياسية المنخرطة في المعسكر المعادي للحوثيين، بينما يشهد المعسكر الحوثي تقلصا مستمرا بسبب الإقصائية الشديدة والعصبوية الضيقة.
هذه المزايا قد تتحول لإشكالية كبرى لو لم يكن هناك ضابط لإيقاعها، وقد تصبح كارثة وهزيمة عسكرية عسيرة لو لم يكن هناك حد أدني من التنسيق والتنظيم بين الوحدات العسكرية المختلفة والمتباينة الأهداف، وهذا ما كشفته الأحداث الأخيرة.

كان من المعلوم أن قوات العميد طارق صالح تتولي مهمة إدارة هذه المنطقة وحمايتها، وهي قوات معظم قوامها جنود شماليون، وبعضها انشقت من معسكر الحوثيين بعد القتال بين الرئيس الأسبق صالح والحوثيين عام 2017، الذي انتهى بمقتل صالح. هذا يعني أنها قوات من شمال اليمن بعضها من أقصى الشمال، وأخرى من المناطق الوسطى (إب وتعز) وليسوا من أبناء المنطقة الساحلية (تهامة).
تمت معالجة هذا الخلل بتأسيس ما يسمى "القوات التهامية"، أي من أبناء منطقة تهامة. جدير بالذكر أن أبناء تهامة وما صار يعرف بالساحل الغربي، تعرضوا لتهميش اجتماعي وسياسي واسع من قبل الحكومات اليمنية المركزية المتعاقبة مما خلق مظالم عميقة الجذور، ويبدو أنه في محاولة لمنع ظهور قوة مناطقية جديدة، تم توزيع هذه القوة التهامية ما بين قوات تحت إمرة طارق صالح العسكرية، وأخرى مستقلة، وقوة ثالثة صارت ضمن لواء العمالقة.
"لواء العمالقة" هي القوات التي تسيطر على المناطق الجنوبية المحاذية ويقودها العميد حمدي شكري، وهي قوات معظم قوامها من الجنوب تحديداً من الصبيحة، وليست قوات جنوبية انفصالية كما يشاع، لكن يغلب عليها الطابع السلفي، وهي قوات كانت تتسم علاقتها بقوات طارق صالح بالتنافسية الشديدة.
أما شرق هذا الساحل فتسيطر عليه قوات من "حزب الإصلاح" (يضم الإخوان المسلمين) وهي جزء من المنطقة الرابعة للجيش اليمني في محوري تعز وطور الباحة، وعلاقتها بقوات طارق صالح تتسم بالعداء الشديد نظراً للخصومة الحادة بين الطرفين بسبب مشاركة "حزب الإصلاح" الفاعلة في انتفاضة 2011 التي أطاحت بعم طارق، الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح.
هكذا يتضح المشهد، قوات طارق صالح فيما يعرف بـ"قوات المقاومة الوطنية"، معزولة في جغرافيا ضيقة ومنبسطة وشديدة الأهمية ولا تربطها علاقة جيدة بمحيطها الجغرافي مع القوات المختلفة. هذا أمر قد يكون محتملا وقت السلم لكنه خطر وقت الحرب، ففي الحرب لا يمكن حماية هذه المنطقة الساحلية دون تأمين محيطها بل وتحتاج مشاركة وثيقة للقوى العسكرية الأخرى للدفاع عنها.

لم يكن من باب العجب أن يبدأ هجوم الحوثيين على الساحل الغربي من تعز وطور الباحة كمناطق من الضروري تحييدها والسيطرة عليها، بل لا زالت المعارك تدور حتى الآن في جبال تعز لإحكام السيطرة على الساحل. بالتالي، كان التنسيق والتعاون الوثيق بين قوات الساحل وتعز أمرا ضروريا وملحا وينبغي أن يتجاوز الخلافات السياسية القديمة، بحكم أنهما يواجهان خطرا مشتركا.
حتى لو سلمت النوايا وصدقت الرغبة في التنسيق، فهذا أمر يحتاج وقتا طويلا حتى ينجح. بمعنى أنه لم تؤسس غرفة عمليات مشتركة بين هذه القوات المتصادمة إلا عندما اشتدت المعارك ضد الحوثيين، لكن التنسيق ليس مجرد غرفة عمليات مشتركة ضد عدو واحد.


