لم يعد ممكناً النظر إلى حركة الحوثيين بوصفها مجرد ظاهرة محلية نشأت في جبال صعدة، أو اختزالها في جماعة مسلحة تدير صراعاً يمنياً داخلياً. فمنذ أن نقلت عملياتها العسكرية إلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر وربطت مسارها بالحرب في غزة وحرب إيران، تحولت إلى فاعل غير دولتي (ميليشيات) يؤثر مباشرة في الأمن البحري وحركة التجارة العالمية. هذا التحول يكشف عن تقاطع بنيوي بين وضع مؤسسات الدولة اليمنية وشبكة مصالح إقليمية وجدت في الساحة اليمنية عمقاً استراتيجياً، مما يجعل التعامل مع الجماعة جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بقدرة الدولة الوطنية على استعادة احتكار أدوات القوة في منطقة البحر الأحمر.
ومع هذا التحول الاستراتيجي، يطرح سؤال الهوية والدور الوظيفي نفسه بأبعاد أكثر تركيباً: هل الحوثيون امتداد معاصر للزيدية السياسية يسعى لإعادة إنتاج الإرث التاريخي للإمامة؟ أم إنهم يمثلون النسخة اليمنية المقابلة لنموذج "حزب الله" اللبناني من حيث التنظيم العسكري، والتماهي الأيديولوجي، والدور الوظيفي ضمن الإقليم؟ أم إن الظاهرة تعبر عن تركيبة محلية وظّفت الرصيد المذهبي والقبلي لبناء سلطة سياسية وأمنية، ثم طوّرت أداءها العسكري والجيوسياسي لتعزيز موقعها التفاوضي وقدرتها على فرض شروطها إقليمياً ومحلياً؟
لا تبدو أي من هذه المقاربات كافية بمفردها لتفسير الظاهرة الحوثية. فالإرث الزيدي يقدم مفاتيح أساسية لفهم الرمزية، لكنه لا يكفي وحده لتفسير التحول نحو امتلاك قدرات عسكرية عابرة للحدود. وفي المقابل، فإن العلاقة مع إيران تفسر جانباً حاسماً من بناء هذه القدرات، غير أنها لا تلغي الهامش الذي تحاول أن تحتفظ به الجماعة في فرض سلطتها داخل اليمن. والواقع أن الحركة تشكل محصلة لتقاطع أربعة أبعاد: ذاكرة مذهبية أُعيد تأويلها، وسؤال بناء الدولة المركزية، وتاريخ ممتد من الحروب المحلية، وشبكة مصالح تحالفية بامتداد إقليمي إيراني.
الزيدية وذاكرة الإمامة
لا يمكن فهم الجذور التاريخية والرمزية لحركة الحوثيين (أنصار الله) بمعزل عن المكانة التي احتلتها الزيدية في التاريخ السياسي والاجتماعي لليمن. فالزيدية ليست مجرد مدرسة فقهية أو اتجاه عقدي ضمن التراث الشيعي، بل اقترنت في التجربة اليمنية بنظرية الحكم والإمامة، وبشبكات تحالفية معقدة بين العلماء والبيوت والقبائل أدارت مناطق واسعة في الشمال اليمني على امتداد قرون. ورغم أن ثورة سبتمبر/أيلول 1962 أنهت الدولة الإمامية ككيان سياسي ورسمي، إلا أن هذا الانهيار لم يُفضِ إلى تجريف كلي للإرث الثقافي والاجتماعي الذي راكمته الإمامة، ولا إلى زوال أثره في المخيال الجمعي حول مفاهيم القيادة والشرعية والسلطة.
وتتجسد الخصوصية الفكرية للزيدية في اختلافها الجوهري عن الاثنى عشرية في مسائل محورية تخص نظرية الإمامة. فالزيدية لا تتبنى النص الإلهي المباشر على سلسلة مغلقة من أئمة معصومين، ولا تنتظر إماماً غائباً يعود في آخر الزمان، بل تجعل الإمامة خياراً واقعياً مرتهناً بالشروط الميدانية والشرعية. وفي أدبياتها، يُفترض في الإمام أن يكون حسَنياً أو حُسينياً، وأن يجمع إلى جانب الكفاءة العلمية والشرعية، القدرةَ على القيادة وإعلان الدعوة والخروج المسلح على ما يصفونه بـ"الحاكم الجائر".
من هنا، كرس هذا التصور الفقهي رابطة عضوية في المخيال السياسي اليمني بين الشرعية الدينية وإمكان الفعل السياسي والمنازعة المسلحة على السلطة. فالإمام في الرؤية الزيدية ليس رمزاً روحياً مجرداً ولا سلطة منتظرة، بل قائد ميداني تتأسس أهليته على التلازم بين النسب والعلم والقدرة التنفيذية على قيادة المشروع السياسي. وقد وفر هذا المفهوم، عبر التاريخ، سنداً أيديولوجياً ورمزياً لمركزية القيادة وشرعية مناهضة السلطات القائمة، دون أن يعني ذلك تلقائياً أن المذهب الزيدي ككل ينطوي على مشروع سياسي واحد، أو أن النزوع نحو التمرد خيار حتمي لجميع أبنائه.
وهنا يبرز التمييز المنهجي الضروري بين الزيدية بوصفها مذهباً فقهياً وتراثاً اجتماعياً عريضاً تشكل على مدى قرون، وبين الحوثيين بوصفهم حركة سياسية وعسكرية حديثة. فالجماعة لا تمثل المكون الزيدي برمته، كما أن البيئة الاجتماعية الزيدية لم تكن يوماً كُتلة سياسية متجانسة. غير أن الحركة تمكّنت من إعادة استغلال عناصر مفصلية من هذا الرصيد التاريخي، لا سيما رمزية النسب الهاشمي، ومفهوم القيادة الدينية الجامعة، وذاكرة التهميش التي استشعرها بعض النخب بعد سقوط نظام الإمامة، لبناء مشروع سياسي يستدعي بعض الرموز التاريخية لتثبيت شرعية القيادة، وتحويل المظلومية المذهبية إلى أداة للتعبئة الداخلية والمناورة السياسية.
الشباب المؤمن واستعادة الهوية
لم تكن نشأة الحركة الحوثية وليدة المصادفة، كما لم تبدأ قصتهم فقط مع مواجهات الحروب الست التي خاضوها ضد الرئيس علي عبدالله صالح بين عامي 2004 و2010. إذ تعود الجذور التنظيمية إلى تسعينات القرن الماضي، حين تأسست "حركة الشباب المؤمن" في محافظة صعدة بوصفها إطاراً تعليمياً وثقافياً يهدف إلى إعادة إحياء التراث الزيدي في بيئة شعرت بأن حضورها الديني والاجتماعي يواجه انكماشاً متزايداً.
شهد اليمن في أعقاب إعادة تحقيق الوحدة عام 1990 تحولات سياسية ودينية عميقة؛ حيث اتسع نطاق النشاط السلفي في المحافظات الشمالية ذات الحضور الزيدي التاريخي، وبرزت معاهد ومراكز تعليمية مرتبطة بتيارات سلفية مختلفة، وهو ما عزز لدى بعض النخب وعلماء الزيدية شعوراً بتراجع الموقع الاجتماعي والرمزي الذي كان لهذا التيار قبل ثورة 1962. وفي هذا المنعطف، لم تقتصر "حركة الشباب المؤمن" على كونها حلقة دينية تقليدية، بل تشكلت بوصفها محاولة لاستعادة المبادرة وتجديد الزيدية وإعادة تنظيم صفوف الشباب في هيكل حركي.

وفي هذا المسار التأسيسي، برزت الصرخة لتكون أكثر من مجرد شعار لفظي؛ إذ أضحت المانيفستو السياسي والتعبوي للجماعة بترديدها: "الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام". وقد تحولت هذه الصيغة التعبوية، بما تحمله من عداء صريح للولايات المتحدة وإسرائيل، إلى أداة مركزية لتشكيل هوية سياسية قتالية تربط الصراع المحلي في اليمن بمنظومة صراع إقليمية ودولية، وتضع المواجهة الداخلية ضمن سياق ما تصفه الجماعة بمواجهة الاستكبار.
لم يعد الشأن عند هذه اللحظة يتعلق بدفاع عن تراث مذهبي يتعرض للتهميش فحسب. فقد جرى نقل الزيدية من حيز الدرس التقليدي إلى فضاء التنظيم الحركي والتعبئة السياسية. وهذا ما يفسر عدم دقة تصنيف الحوثيين كجماعة زيدية تقليدية؛ إذ لم يكتفوا بإحياء عناصر مذهبية، بل أعادوا صياغتها داخل خطاب حديث يوظف المظلومية المحلية ومركزية القيادة لبناء فاعل غير دولتي قادر على تجاوز الحدود الوطنية وربط الصراع المحلي بمعادلات إقليمية أوسع.
من المذهب إلى مشروع الحكم
لا تعبر الحوثية عن مذهب فقهي أو عقدي جديد بالمعنى التقليدي، إذ إن التسمية الشائعة تعود إلى نسبة الحركة إلى أسرة الحوثي، في حين تعتمد الجماعة رسمياً اسم "أنصار الله". ويُستخدم مصطلح الحوثية هنا للدلالة على هوية سياسية وتنظيمية حديثة تشكلت عبر تقاطع عدة روافد: التراث الزيدي، ورمزية أسرة الحوثي، وخطاب المسيرة القرآنية، والخبرات التراكمية الناتجة عن الصراعات المسلحة، وصولاً إلى سلطة الأمر الواقع التي ترسخت عقب السيطرة على العاصمة صنعاء عام 2014.


