قد يأمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن يسهم الاستقبال الرسمي الحافل الذي خص به الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال زيارة الدولة، التي تستمر ثلاثة أيام في وضع العلاقات بين واشنطن وبكين على مسار أكثر إيجابية.
وكان الهدف الرئيس من زيارة شي إلى الولايات المتحدة البحث عن أرضية مشتركة بشأن الخلافات التجارية والذكاء الاصطناعي وقضايا استراتيجية أوسع، من بينها الحرب في الشرق الأوسط.
لكن تحقيق ذلك يقتضي من الرئيسين تجاوز انعدام الثقة العميق، الذي ترسخ بين البلدين بفعل التنافس المحتدم بينهما، إذ يسعى كل من البلدين إلى أن يصبح القوة المهيمنة عالميا.
وإذا كان الهدف من الزيارة فتح فصل جديد في العلاقات بين البلدين، فإن المؤشرات الأولية توحي بأن اللقاء نجح، على الأقل من حيث التصريحات الإيجابية التي أدلى بها الرئيسان خلال مأدبة الدولة الفخمة التي أقامها ترمب في البيت الأبيض مساء الخميس.
ومع حرص بكين وواشنطن على إضفاء قدر من الاستقرار على علاقتهما، شدد الرئيسان على ضرورة توثيق التعاون بين البلدين.
وقال شي، مخاطبا نخبة من كبار قادة الأعمال الأميركيين ورواد الأعمال في قطاع التكنولوجيا الذين اجتمعوا في البيت الأبيض، إن الولايات المتحدة والصين "يجب أن تتصرفا كدولتين كبيرتين مسؤولتين، بما يلبي تطلعات شعبينا".
وشكر شي ترمب على استقباله هو وزوجته "بعناية فائقة واهتمام بالغ"، بما جعلهما "يشعران حقا بأنهما في بيتهما". وأضاف أن الرئيسين "يصنعان التاريخ في تواصلهما الثنائي".
وقال شي: "اتفقنا على إقامة علاقة صينية-أميركية بناءة تتسم بالاستقرار الاستراتيجي"، مضيفا أن الرئيسين أجريا "حوارات صادقة ومعمقة" من شأنها تعزيز العلاقات بين البلدين.
من جانبه، شكر ترمب شي على تكبد عناء الرحلة الطويلة إلى الولايات المتحدة، وقال إن العلاقة بينهما متينة. وأعلن في إحدى اللحظات: "لم تكن علاقتنا أفضل مما هي عليه الآن"، قبل أن يرفع نخب مستقبل يسوده "الانسجام والسلام والنجاح" في البلدين. كما قدم ترمب إلى شي منحوتة على هيئة نسر أصلع، الرمز الوطني للولايات المتحدة، وقال إنها تجسد "روح أميركا الحرة المحلقة".
على الرغم من تشديد الرئيسين على ضرورة تحقيق مزيد من الاستقرار في علاقتهما، لم تظهر مؤشرات تذكر على إحراز تقدم فعلي في بعض أبرز القضايا التي تواجه القوتين المتنافستين، مثل التجارة والذكاء الاصطناعي ومستقبل تايوان
وقال: "نأمل أن تجد لها مكانا جميلا ورائعا في بكين. هذا شرف لكم"، مضيفا أنه والسيدة الأولى ميلانيا شاركا في تصميم المنحوتة. لكن على الرغم من تشديد الرئيسين على ضرورة تحقيق مزيد من الاستقرار في علاقتهما، لم تظهر مؤشرات تذكر على إحراز تقدم فعلي في بعض أبرز القضايا التي تواجه القوتين المتنافستين، مثل التجارة والذكاء الاصطناعي ومستقبل تايوان.
وهذه هي المرة الثانية التي يلتقي فيها الرئيسان هذا العام، بعد أن سافر ترمب إلى بكين في مايو/أيار، حيث نجحا في التوصل إلى هدنة تجارية. ورغم هذا الاختراق، ظلت التوترات قائمة بين الرئيسين، ولا سيما بسبب استمرار الصين في تقديم الدعم العسكري والاقتصادي لروسيا وإيران.
كما يتزايد قلق أجهزة الاستخبارات الأميركية من محاولات بكين للوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي الأميركية، التي قد تستخدمها الصين لتحقيق ميزة تجارية على الولايات المتحدة في السباق إلى الهيمنة على هذا المجال.
واتهم تقرير أصدرته وكالة الدفاع السيبراني الأميركية في وقت سابق من هذا الشهر شركات صينية للذكاء الاصطناعي بالسعي عمدا إلى الحصول على تقنيات طورها منافسوها الأميركيون. وجاء التحذير في إطار جهود إدارة ترمب لإقناع كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية باتخاذ احتياطات ضد "أنشطة الصين الخبيثة". وبرز انعدام الثقة بين البلدين خلال الجولة الأولى من المحادثات التجارية بين المسؤولين الأميركيين والصينيين عشية زيارة شي. ولم تسفر المحادثات إلا عن اتفاق الجانبين على تمديد الهدنة التجارية شهرين إضافيين، بعدما كان مقررا أن تنتهي في 10 نوفمبر/تشرين الثاني.
وبموجب الترتيب الأولي، اتفق الجانبان على تخفيف القيود المفروضة على المعادن الحيوية والصادرات عالية التقنية، بعدما هددت تلك القيود بشل سلاسل الإمداد العالمية. كما مددا تعليق الرسوم الجمركية التي تجاوزت معدلاتها 100 في المئة.
الخلافات الرئيسة بشأن الرسوم الجمركية، وهيمنة الصين على إمدادات المعادن الأرضية النادرة، والوصول إلى الرقائق الأميركية المتقدمة، ستحتاج إلى جولة جديدة من المفاوضات
وكان شي، الذي يواجه ضغوطا متزايدة بسبب تعثر الاقتصاد الصيني، يأمل في تمديد الهدنة سنة أخرى على الأقل. لكن قرار المسؤولين الأميركيين تمديدها شهرين فقط يشير إلى أن الخلافات الرئيسة بشأن الرسوم الجمركية، وهيمنة الصين على إمدادات المعادن الأرضية النادرة، والوصول إلى الرقائق الأميركية المتقدمة، ستحتاج إلى جولة جديدة من المفاوضات. وأشار مسؤولون أميركيون إلى أنهم لم يوافقوا إلا على تمديد محدود بسبب مخاوفهم من مدى استعداد بكين للوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق. وجاء ذلك بعد تقارير أفادت بتراجع صادرات الصين من المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة، ما أثار مخاوف بشأن التزام بكين بالهدنة التجارية.
وقال كريغ سينغلتون، وهو مسؤول سابق في الأمن القومي يتمتع بخبرة واسعة في العلاقات الأميركية-الصينية، لـ"هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي) إن قصر مدة التمديد يعكس على الأرجح قلق واشنطن بشأن مدى وفاء الصين بتعهداتها، وقال: "كانت بكين تريد فترة أطول بكثير يمكن خلالها التنبؤ بمسار الأمور، بينما أبقت واشنطن لنفسها فرصة مبكرة لاختبار أداء الصين وإعادة تقييم ما تملكه من أوراق ضغط".
وفي مقابلة مع "فوكس نيوز"، أبدى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت شكوكا مماثلة في استعداد بكين للوفاء بالتزاماتها التجارية. وأوضح أن التمديد القصير "سيمنحنا مزيدا من الوقت لنرى ما يمكننا فعله على الصعيد الاقتصادي"، مضيفا أن البلدين لا يزالان يحاولان صياغة اتفاق أكبر محتمل. وأضاف بيسنت: "لا أعرف إن كان من الممكن التوصل إلى اتفاق أكبر. ولا أعرف إن كنا سنكتفي بتمديد الاتفاق الحالي".
ولم تحرز المحادثات الثنائية تقدما مهماً في قضيتين رئيستين أخريين، هما تايوان وتعزيز التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي. وفي شأن الذكاء الاصطناعي، قال شي إن على البلدين "ضمان أن يظل تطوير الذكاء الاصطناعي تحت سيطرة الإنسان دائما". أما ترمب، فقال في منشور على "تروث سوشيال" إنه لا يهتم كثيرا بفرض قواعد تنظيمية جديدة، مضيفا: "أريد أن أتركه تماما كما هو".
ومع أن شي وترمب أظهرا قدرتهما على إدارة علاقة ودية في العلن، فإن التنافس بين الولايات المتحدة والصين يظل خلف الكواليس محتدما كما كان دائما
ولم تظهر كذلك أي مؤشرات على تقدم في قضية تايوان الشائكة، في وقت تستعد فيه إدارة ترمب للموافقة على صفقة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار. وأعرب شي عن معارضته لهذه الخطوة، مشددا على أن الصين تعتبر تايوان جزءا من أراضيها، ولم يستبعد استخدام القوة للسيطرة على الجزيرة. ومع أن شي وترمب أظهرا قدرتهما على إدارة علاقة ودية في العلن، فإن التنافس بين الولايات المتحدة والصين يظل خلف الكواليس محتدما كما كان دائما.