الوليمة والحصاد والمصيدة

في القرن العشرين، كان المطلوب منع الأصبع من الضغط على الزر الأحمر. وفي القرن الحادي والعشرين، الخوف من إفلات الأزرار الذكية من الأصابع البشرية، أن تصبح التكنولوجيا أسرع من السياسة

الوليمة والحصاد والمصيدة

استمع إلى المقال دقيقة

قبل أربعة أشهر، كان شي جينبينغ يستقبل دونالد ترمب في بكين بحفاوة كبيرة وهندسة صارمة، ويأخذه بين رموز التاريخ الإمبراطوري. أراد شي أن يقول لترمب إن الصين تنام على وسادة عريقة، لكنها قوة مستيقظة. التاريخ حليفها والمستقبل صديقها.

قبل أيام، انقلب المشهد. شي هو الضيف. وقف مضيفه ترمب عند سلم الطائرة لاستقباله، وأخذه في جولة بالمروحية الرئاسية، ثم أهداه تمثالاً للنسر الأصلع، رمز "روح أميركا الحرة والمحلقة عالياً". ولم تتوقف حرب الرموز هنا. أخذه إلى الأرشيف الوطني، حيث وقف الرئيس الصيني أمام الوثائق المؤسسة لأميركا: إعلان الاستقلال والدستور ووثيقة الحقوق. ردّ الرمز بالرمز. تاريخ 250 سنة وتاريخ ستة آلاف سنة.

لكن حين انتهت المراسم وبقيت السياسة على الطاولة، كان الحصاد أقل بكثير من الوليمة. مُددت الهدنة التجارية وتحققت تفاهمات محدودة، لكن لا اتفاق تجارياً كبيراً، ولا اختراق في تايوان، ولا تفاهم على قواعد الذكاء الاصطناعي، ولا إعلان صينياً علنياً بالاستجابة لمطلب ترمب بوقف أي دعم لإيران، رغم حديث أميركي عن تطمينات صينية. تبدّل المضيف والضيف، لكن شيئاً أساسياً لم يتبدل. القطبان الكبيران يديران خلافاتهما، ولا يحلانها.

ربما كان هذا هو الحصاد الأهم. ترمب وشي يتحدثان. قمة أميركية-صينية سرقت أضواء القمة الأممية في نيويورك. قمتان خلال أربعة أشهر، وقنوات مفتوحة، وهدنة تجارية تُمدد، ومحاولة لإبقاء الخلاف داخل حدود. وسيجتمع الرجلان مجدداً مرتين قبل نهاية العام. في الصين خلال نوفمبر/تشرين الثاني، ثم في الولايات المتحدة خلال ديسمبر/كانون الأول. أربع قمم في عام واحد بين رئيسي أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم ليست تفصيلاً.

هنا تعود صورة من عالم مضى. خلال الحرب الباردة، لم تكن قيمة كل قمة أميركية-سوفياتية في الاتفاقات التي يوقعها الزعيمان. كان خلف الأبواب المغلقة يجلس رجلان يملكان من السلاح ما يكفي لتدمير البشرية، وكان مجرد لقائهما أحياناً جزءاً من إدارة الخطر وإبعاد سوء الحساب عن الزر النووي. لم يكن المطلوب إنهاء الخلاف بين واشنطن وموسكو، بل منع الخلاف من إنهاء العالم.

ربما تكون القمم الأميركية-الصينية قد بدأت تؤدي وظيفة مشابهة. لكن الخوف الكبير في القرن العشرين كان من النووي. لم يختفِ، لكن خوفاً جديداً انضم إليه. قمة ترمب وشي جاءت في وقت يكاد لا يمر فيه يوم من دون تحذير من الذكاء الاصطناعي. بعض الذين يصنعون هذه التكنولوجيا يحذرون من سرعة تطورها وصعوبة السيطرة عليها، وبعضهم يذهب أبعد ويحذر من أنها قد تشكل خطراً على بقاء البشرية.

قبل نصف قرن، كان زعيما القوتين الأكبر يتفاوضان على الرؤوس النووية والصواريخ، ويجلسان مع القادة العسكريين وأصحاب النياشين. اليوم، يجلس ترمب وشي مع مديري الشركات وأصحاب المليارات، وفي قلب المنافسة بينهما الرقائق والخوارزميات والبيانات والقدرة الحاسوبية والمعادن.

الفارق ليس في الأدوات فقط. في الحرب الباردة، كانت القوتان تتفاوضان على تقييد سلاح تعرفان مداه وقدرته على التدمير. اليوم تتنافسان على تكنولوجيا لا تعرفان بعدُ حدود قوتها. الصاروخ يمكن عدّه ورصده والتفاوض على تفكيكه، لكن كيف تُعدّ الخوارزميات؟ ويمكن مراقبة الصواريخ في قواعدها، لكن كيف يمكن مراقبة نموذج يتطور باستمرار ويصعب التنبؤ بقدراته وضبطها؟

ترمب وشي يعرفان أن هناك خطراً، لكنهما يختلفان حول التعامل معه. شي يقول إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى "تحت الرقابة البشرية"، فيما لا يريد ترمب قيوداً تكبل الشركات الأميركية


هنا تبدأ "المصيدة" الثانية. قبل أربعة أشهر، كتبت هنا عن "مصيدة ثوقيديدس". قوة صاعدة، وقوة مهيمنة، والخوف الذي يزرعه صعود الأولى في الثانية. استحضر شي هذا "الفخ" في بكين، وعاد إليه في واشنطن. لكن بين القمتين، بات واضحاً أن هناك مصيدتين تغذي إحداهما الأخرى. الأولى جيوسياسية، إذ يزيد صعود الصين مخاوف أميركا، ويزيد رد واشنطن قلق بكين. والثانية تكنولوجية، إذ يدفع كل تقدم يحققه أحدهما في الذكاء الاصطناعي الآخر إلى الإسراع كي لا يتخلف.

ترمب وشي يعرفان أن هناك خطراً، لكنهما يختلفان حول التعامل معه. شي يقول إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى "تحت الرقابة البشرية"، فيما لا يريد ترمب قيوداً تكبل الشركات الأميركية في سباق "الذكاء الخارق" مع الصين. ولم يكن عبثاً أن أبقت واشنطن أكثر رقائقها تطوراً خارج المفاوضات التجارية مع بكين. هذه ليست سلعة أخرى في الميزان التجاري، بل إحدى أدوات التفوق في سباق الذكاء الاصطناعي.

قبل عقود، كان الخوف من سلاح صنعه الإنسان، وعرف قوته، ثم حاول وضع قواعد لمنع استخدامه. اليوم، تتسابق أميركا والصين على تكنولوجيا ما زالتا تكتشفان قدراتها فيما تطورانها


كل طرف يخشى مخاطر التكنولوجيا، لكنه يخشى أكثر أن يسبقه الطرف الآخر إليها. وهنا تكمن المفارقة الأخطر. الخوف من الذكاء الاصطناعي يفترض أن يدفعهما إلى الحذر، لكن الخوف من تفوق الآخر يدفعهما إلى التهور. أميركا لن تبطئ إذا واصلت الصين، وبكين لن تتوقف إذا ركضت واشنطن. وهكذا تغذي المصيدةُ التكنولوجيةُ الجيوسياسيةَ، والجيوسياسيةُ التكنولوجيةَ.

قبل عقود، كان الخوف من سلاح صنعه الإنسان، وعرف قوته، ثم حاول وضع قواعد لمنع استخدامه. اليوم، تتسابق أميركا والصين على تكنولوجيا ما زالتا تكتشفان قدراتها فيما تطورانها. في القرن العشرين، كان المطلوب منع الأصبع من الضغط على الزر الأحمر. وفي القرن الحادي والعشرين، الخوف من إفلات الأزرار الذكية من الأصابع البشرية، أن تصبح التكنولوجيا أسرع من السياسة.

تغيرت القوتان، وتغيرت الأداة، لكن الخوف بقي، وبقيت "المصيدة".

font change