خلال أيام قليلة، انتقلت رواية "هذا ما كان أو الموت" (منشورات "غراسيه"، 2026) للكاتب الكندي من أصل هايتي ثيليسون أوريليان من موقع النجاح الاستثنائي بوصفها إحدى أبرز روايات الموسم الأدبي الفرنسي لهذا العام، إلى قلب واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدال حول معنى التأليف في زمن الذكاء الاصطناعي: هل يستطيع نص أدبي أن يظل نصا بشريا إذا قالت خوارزمية إنه يبدو مكتوبا بواسطة آلة؟ وماذا يحدث عندما يتحول الشك إلى اتهام، ثم يتحول الاتهام إلى محاكمة علنية على شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن تتولى الصحافة والمؤسسات الأدبية التحقق من الوقائع؟ والأخطر: ماذا يبقى من سمعة الكاتب عندما تصبح التهمة أسرع من التحقيق؟
كيف بدأت القصة؟
الرواية التي صدرت في فرنسا في 19 أغسطس/ آب الماضي، تحولت إلى ظاهرة في الموسم الأدبي، وبلغت مبيعاتها أكثر من 35 ألف نسخة، فيما دخلت قوائم أولية لعدد من الجوائز الكبرى، بينها "غونكور" و"فيمينا" و"ميديسيس" و"رونودو". ومن هذه النقطة تحديدا بدأت المفارقة: النجاح الذي كان يفترض أن يرسخ مكانة الكاتب، أصبح هو نفسه المسرح الذي تجري فوقه محاكمته. ففي 21 سبتمبر/ أيلول الجاري، نشر حساب مجهول على منصة "إكس" يحمل اسم "بلغ عن كلود" اتهاما يقول إن مقاطع من الرواية خلصت، عند اختبارها بواسطة برنامج "بانغرام"، إلى نتائج مرتفعة جدا لاحتمال إنتاجها بالذكاء الاصطناعي، وصلت في بعض الاختبارات إلى 100 في المائة. والبقية معروفة: خلال ساعات، انتقلت المعلومة من حساب محدود المتابعين إلى نقاش واسع في الوسط الأدبي والإعلامي الفرنسي، قبل أن تتدخل المؤسسات الأدبية باستبعاد الرواية من القائمة الأولى لجائزة غونكور يوم الجمعة 25 سبتمبر/ أيلول، وتعلق جولتها الترويجية في كندا. وبينما تتسارع الاتهامات والتوضيحات، تبرز القضية الأكثر أهمية خلف هذه الضجة: ماذا يحدث للأدب عندما يصبح النص مطالبا بإثبات أنه كتب بيد إنسان؟
المشكلة الأولى هنا معرفية قبل أن تكون أدبية. فالكشف الآلي عن النصوص التي يحتمل أن تكون مولدة بالذكاء الاصطناعي لا يساوي إثباتا مباشرا لعملية التأليف. البرنامج لا يمسك بالكاتب متلبسا أمام لوحة المفاتيح، ولا يملك سجلا للعملية الإبداعية، إنه يقدم احتمالا مبنيا على خصائص لغوية وإحصائية. لذلك فإن عبارة من قبيل "100 في المائة ذكاء اصطناعي" تبدو أكثر حسما مما تسمح به طبيعة الأداة نفسها. وحين تتحول النتيجة الإحصائية إلى عنوان صحافي أو منشور في منصة اجتماعية، تفقد كلمة "احتمال" وزنها تدريجيا، إلى أن يصبح الاحتمال في وعي الجمهور حقيقة مكتملة.
هنا يكمن أحد أخطر تحولات عصر الذكاء الاصطناعي: لم يعد النص وحده هو موضوع القراءة، وإنما أصبحت وراء النص آلة افتراضية تسأل عن أصله. القارئ الذي كان يبحث في الرواية عن شخصية أو لغة أو تجربة إنسانية، قد يجد نفسه اليوم يسأل سؤالا آخر: "من كتب؟". هذه النقلة ليست بسيطة، لأنها تنقل مركز الاهتمام من القيمة الأدبية إلى إثبات الهوية، ومن قراءة العمل إلى تفتيش تاريخه الجنائي المفترض.





