على مدى ثلاث سنوات، استمرت حرب أهلية على الضفة الغربية للبحر الأحمر، بعيدا عن الأضواء ودون أن تسترعي اهتماما يُذكر. ولم يكن الصمت المحيط بها وليد المصادفة، بل جرى تكريسه بما يخدم مصالح معظم دول المنطقة، وكذلك عواصم القوى الجيوسياسية الكبرى. غير أن العالم بأسره لا يستطيع تحمل تبعات هذا الصمت.
في الثالث والعشرين من سبتمبر/أيلول، استولت "قوات دفاع تيغراي" على مطارات ميكيلي وأكسوم وشاير. وفي إقليم أمهرة، تخوض هذه القوات، بحسب "رويترز"، معارك إلى جانب ميليشيا "فانو"، التي كانت قد وقفت في صف الحكومة الفيدرالية ضدها خلال الفترة بين عامي 2020 و2022. وامتدت الاشتباكات إلى إقليم عفار. وبعد طول تجاهل، بدأت الحرب تسترعي اهتمام "سي إن إن" و"فورين بوليسي" و"مجموعة الأزمات الدولية"، غير أن مجرد تناولها في نشرات الأخبار لا يعني أنها حظيت بالاهتمام الذي تستحقه.
حرب للسيطرة على العاصمة
لا تزال معظم وسائل الإعلام تصفهم بـ"متمردي تيغراي". وفي العشرين من سبتمبر/أيلول، أعلن زيميني كاسي، رئيس "حركة فانو الوطنية" في أمهرة، عن تأسيس "تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء". ويضم التحالف سبعة أطراف، من بينها "جبهة تحرير شعب تيغراي"، و"فانو"، و"جيش تحرير أورومو". ويقول التحالف إنه يحظى بدعم في ستة من أقاليم إثيوبيا الاثني عشر. ويهدف إلى الإطاحة برئيس الوزراء آبي أحمد وحزب "الازدهار" الذي يتزعمه، وتشكيل إدارة انتقالية، انطلاقا من أن البلاد باتت مهددة بالتفكك.
وما يحدث، في جوهره، حرب أهلية تدور رحاها من أجل السيطرة على أديس أبابا.

عادة ما يُنظر إلى التمرد الانفصالي في الأطراف باعتباره شأنا داخليا، لكن حين تخوض معارضة موحدة حربا تمتد على مستوى البلاد، يصبح السؤال عن شرعية الحكومة مطروحا بقوة. غير أن وصف الصراع بأنه نزاع إقليمي ينجح، ببساطة، في حجب هذا السؤال. والتحالف نفسه هش؛ فقد كان "جيش تحرير شعب تيغراي" و"فانو" يقاتلان بعضهما بعضا بين عامي 2020 و2022. ومع ذلك، فهذه هي المرة الأولى التي تتوحد فيها ثلاث قوى مسلحة كبرى ضمن معسكر واحد.
الحرب التي سبقت الحرب
لا أحد يستطيع تحديد عدد الذين لقوا حتفهم بين عامي 2020 و2022 بدقة. فقدّر أولوسيغون أوباسانجو، وسيط الاتحاد الأفريقي آنذاك، عدد الضحايا بنحو 600 ألف شخص، وهو الشخص نفسه الذي طلب منه الاتحاد الأفريقي أخيرا التوسط مجددا. أما فريق من جامعة غنت، فيقدر أن عدد المدنيين الذين لقوا حتفهم في تيغراي وحدها تراوح بين 162 ألفا و378 ألفا، في حين تحدث مسؤولون إثيوبيون عن أقل من 100 ألف قتيل.



