شاكر الأنباري لـ"المجلة": لم أعد أعبأ بالمكان الذي أعيش فيهhttps://www.majalla.com/node/333281/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%B4%D8%A7%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D9%84%D9%85-%D8%A3%D8%B9%D8%AF-%D8%A3%D8%B9%D8%A8%D8%A3-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D8%A3%D8%B9%D9%8A%D8%B4-%D9%81%D9%8A%D9%87
عاش الكاتب العراقي شاكر الأنباري تجربة الاغتراب لسنوات طويلة، متنقلا بين عواصم عربية وأوروبية، مما أثرى مخيلته الروائية برؤى إنسانية تتناول تحولات المجتمع العراقي وصراعاته السياسية والاجتماعية. تتميز أعماله، مثل "بلاد سعيدة" و"ليالي الكاكا"، بلغة بصرية مكثفة وأسلوب سردي يمزج بين الواقعية السحرية وتوثيق الذاكرة الجماعية. هنا حوار "المجلة" معه.
كيف استطعت جسر الهوة بين حنين البدايات وقسوة المنافي في منجزك الروائي؟ وهل تغيرت وظيفة المكان في أدبك من جغرافيا للعيش إلى أداة لتنشيط الذاكرة؟
الحقيقة، وحسب رؤيتي للنص الإبداعي، أن تجربة الكاتب هي المنبع الأساس في صوغ العمل فنيا، التجربة مستندة إلى ثقافة ناضجة وشاملة عادة ما تصل بالكاتب إلى حياكة فنية مقنعة للقارئ. وبالنسبة إلي كان المكان الأول هو القرية التي للطبيعة ملمح كبير في تفاصيلها، ثم مدن عراقية عشت فيها، ثم بلدان المنفى أو الاغتراب، والأشخاص الذين التقيتهم، كل ذلك وجدته مادة أولية لكتابة نصي. فالمكان أصبح ضرورة للحدث القصصي أو الروائي، لأنه يمنح النص هوية تتناسق مع الرؤية الشاملة، سواء كانت قصصية، أو روائية. لا أكتب نصا عائما إنما أضع له جذورا تشده إلى الأرض، إن كانت الأرض محلية أو نائية.
تصفية الحسابات مع الماضي
خرجت من العراق عام 1982، كيف حافظت على خصوصيتك العراقية رغم عيشك في المنفى؟
كانت الغاية بعد الخروج من البلاد هي البحث عن ملاذ آمن، ثم بعدما تم ذلك أصبح الطموح هو تثبيت قدمي ككاتب في سماء الإبداع العراقي والعربي، فكانت مرحلة كتابة القصة. كانت القصة القصيرة هي السائدة في الثقافة العربية، وظل هذا الحال حتى تسعينات القرن الماضي حين انفجر ينبوع الرواية في غالبية الدول العربية، وهكذا اتجهت إلى الرواية بعد إصدار خمس مجموعات قصصية.
يعتقد القارئ العادي أو حتى الفرد العادي أن على المثقف أن يجترح الحلول التي تنقله إلى عالم أكثر رحمة
في البدايات ظلت البيئة العراقية هي المهيمنة على كتاباتي، وكان الهدف تصفية الحساب مع الماضي: الحنين، السياسة، الحروب، القمع المجتمعي، ثم أعقبت تلك المرحلة الاشتغال على التجربة بما فيها تجربة الاغتراب والمنفى واللجوء والاحتكاك مع ثقافات أخرى وبيئات تختلف في الرؤية للحياة.
غلاف "ينام وذهنه مشغول"
في روايتك الأخيرة "ينام وذهنه مشغول"، اتكأت على غيبوبة شاعر لرصد خراب البلاد، هل بات "الوعي المشلول" هو الوسيلة المثلى لمواجهة واقع عراقي معقد؟
إن الشلل الجسدي لدى بطل الرواية جعله يعيش في ذاكرته، لأنها الوسيلة الوحيدة التي تثبت له بأنه لا يزال على قيد الحياة، وكانت تلك الذاكرة تشتعل بما عاشه الرجل منذ الطفولة حتى شلله، وكانت تداعياته الذهنية هي رسالة في حكمة الوجود، وكيف جرت الأحداث في العراق، وجدوى النضال من أجل تغيير الواقع، وجماليات ما يحيط بالفرد من أغان وشعر وأمكنة، وفلسفة الخلود، وكل تلك الرحلة العجيبة للكائن من الولادة حتى الموت. فكان الغرض من وضع هذه الشخصية في الرواية هو الوصول إلى خلاصة للكائن البشري، في أهوائه وخوفه وموته وعلاقته بالله، ومن هنا يمكن أن يكون نموذجا لحكمة العيش.
محاكمة الوجود
درست الهندسة المدنية وتفرغت للسرد، هل بناء الرواية لديك يخضع لمقاييس وتصاميم هندسية دقيقة أم تترك المعمار السردي يتشكل بعفوية؟
في رحلة المرء السريعة حتى وصوله إلى الموت هناك رؤيتان لدى بعض البشر، بل وحتى النخبة، رؤية علمية تحاكم الوجود وترصد تفاصيله، ورؤية أدبية شعرية للمحيط، وقليل من التجارب الكتابية تمتلك الرؤيتين. وكانت علوم الهندسة، والفيزياء، والرياضيات، من الضرورات والاهتمامات الكبيرة لدي، لأن أبسط نظرة إلى الفضاء، خاصة في الليل، تضع الفرد أمام معضلة علمية ووجودية كبرى. من أين جئنا وإلى أين نمضي، وهل ثمة جدوى من الحياة على الكرة الأرضية؟ وكل تلك الأسئلة الوجودية الخالدة التي لم تحل. وقد نفعتني الهندسة والعلوم عامة في تعميق فكرة النص وبنائه، وحذف الزوائد في الأفكار والجمل، وهي مبادئ هندسية مقدسة لأن العلم لا يقبل الاستفاضة، والتهويمات، والفبركات، بل يمضي إلى هدفه رأسا.
غلاف "في المشغل السردي: حوارات وكتابات"
كتبت في الصحافة السياسية والثقافية طويلا، أين يقع الحد الفاصل بين توثيق الموقف السياسي المباشر وبين رمزية النص؟
الانحياز في القيم الإنسانية نحو التعاطف مع المضطهد والمعذب والقاصر والشعوب المشردة والوقوف ضد الطغيان، والكذب، والتلفيق وخلط الأوراق، والعدوانية، هي المصابيح الفكرية التي أهتدي بضوئها. هذه الأساسيات الفكرية والثقافية والسياسية يجدها القارئ في مقالاتي وقصصي ورواياتي، وهي تجسيد لرؤية شخصي كإنسان أولا، ثم كمثقف ينتمي الى هذا العصر. ولكل موقف ثمن، ودفع الثمن جزء من تجربة الكاتب.
تتحدث دائما عن "القراء المتذاكين" الذين يطلبون حلولا للأزمات من الرواية، ما حدود مسؤولية الروائي أمام مجتمع يمر بتحديات كبرى؟
تلك هي معضلة المثقف في هذا العصر، فأمام الحروب والعسف المجتمعي، والتسلط المنفلت، يعتقد القارئ العادي أو حتى الفرد العادي أن على المثقف أن يجترح الحلول التي تنقله إلى عالم أكثر رحمة، يطلب منه إيجاد حلول لأزمة الكهرباء والبطالة والهجرة والصراعات بين الدول والمجاعات، وغيرها من معضلات عالمية، وهي مهمة لن يستطيع أي مثقف إيجاد الحلول لها، لذلك يجد المبدع نفسه عاجزا أمام الواقع، وهي تجربة مر بها كثير من الكتاب في العالم عموما أو العالم العربي. لذلك وضعت حكمة لنفسي تجسدها جملة: قل كلمتك وامض.
أحداث أليمة
فقدت عائلتك ومنزلك في الرمادي بصاروخ أميركي عام 2003، كيف يستطيع الكاتب تحويل الفجيعة الشخصية الصادمة إلى نص إنساني دون السقوط في فخ البكائية أو الانتقام؟
كتبت رواية عن الحدث، أسميتها "بلاد سعيدة"، وهي لا ترصد الحدث عينه فقط، بل أحوال العراق في تلك المرحلة من الاحتلال، والتمزق الطائفي والمجتمعي، وزوال المكان الماضي، والتخبط الذي ساد بين الشعب وهو يواجه أحداثا لم تعد مفهومة لديه، وكتبت الرواية في دمشق بعدما عدت من العراق إثر التناحرات الطائفية وعنف الواقع، وكانت الرواية خلاصة لرؤيتي ككاتب هاجر ثم عاد ثم هاجر ثانية، ولكن الرواية تضع ذلك الحدث الأليم بؤرة لها.
غلاف "بلاد سعيدة"
انتقلت من كتابة القصة القصيرة في مجموعتك الأولى مثل "ثمار البلوط" إلى الرواية، هل ضاق معمار القصة عن استيعاب "التشوهات الروحية" التي مر بها الإنسان العراقي؟
أعتقد ذلك، لم تعد اللقطة القصصية كافية للتعبير عما يحصل في المجتمع، ولم تعد تستوعب التجربة المنوعة في المكان والزمان، بل كانت الأحداث في حاجة إلى الاستفاضة في التحليل والرصد، وهذا ما توفره الرواية دون غيرها. والحقيقة أن الرواية سواء في العراق، أو العالم العربي، أصبحت الأرشيف الصادق عن مجتمعاتنا أمام التزوير الرسمي والتاريخ الملفق والعموميات البراقة التي تظهر في الإعلام والمؤتمرات.
التنوع لم يعد يخيفني
عشت تجربة العودة الى العراق عام 2003، ثم الهجرة مجددا عام 2007، أيهما كان أشد قسوة على مخيلتك: منفاك الأول أم الثاني بعد رؤية الوطن مهشما؟
لم أعد أعبأ بالمكان الذي أعيش فيه، ما دام يوفر لي الأمان والفسحة المناسبة للكتابة والتأمل في ما يجري أمام أنظارنا شرقا وغربا، وصارت لدي القدرة على التكيف بعد معاشرتي لثقافات عديدة ولغات مختلفة أتقن بعضها. والتنوع لم يعد يخيفني، ولا الغربة، ووصلت إلى قناعة أن الكتابة ومتابعة ما يجري يمكن مزاولتهما في أي مكان في العالم.
أصبحت الرواية الأرشيف الصادق عن مجتمعاتنا أمام التزوير الرسمي والتاريخ الملفق والعموميات البراقة
كل تلك الانتقالات أضافت لي الكثير، وحفزتني على مواصلة المشروع الأدبي، ألا وهو كتابة الرواية. قريبا سيصل عدد رواياتي خمس عشرة رواية، وهذا أعتبره إنجازا لي ككاتب.
هل أنقذتك الكتابة من الشعور بالاغتراب؟
بالتأكيد. لولا الكتابة يمكن أن أكون شخصا مشردا في أحد شوارع الأرض، أو رجلا عجوزا يجتر ماضيه في بيت منعزل وسط مدينة كئيبة، لكن الكتابة وفرت لي الوقود اليومي للنشاط والتفاؤل والتمتع بجمال هذا الوجود، إضافة إلى الوصول إلى الحكمة. لأن الموت قادم، وما على الفرد إلا أن يجد له، أي للموت كشرط إنساني محتوم، تبريرا يجعله يموت بسلام.