مع انكسار خطر إيران، وانحسار نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، بدا كأن تركيا باتت تحتل مكانة العدو، أو الخصم الإقليمي في منظور إسرائيل لأمنها القومي، على الأصعدة كافة، انطلاقا من دورها الملحوظ في سوريا.
وكانت إسرائيل، منذ سقوط نظام الأسد، قد دأبت على التحذير من ازدياد نفوذ تركيا في سوريا، بخاصة على الصعيد العسكري، مؤكدة أنها لن تسمح به، بل إنها ترجمت ذلك عمليا بتوجيه ضربات عديدة، كما حدث في ضربة وجهتها إلى مطار "أبو الظهور" العسكري في ريف إدلب (18/8/2026)، على بُعد نحو 70 كيلومترا شرق الحدود السورية-التركية.
ويأتي ضمن ذلك حرصها على عدم القيام بكل ما من شأنه مساعدة الجيش السوري على النهوض، وعدم حصوله على أسلحة جوية، وإبقاء مجاله الجوي متاحا أمام الطائرات الإسرائيلية، ما جعلها تعترض حتى على تركيب رادار تركي، في مطار دمشق الدولي، لتأمين الملاحة الليلية، وفي الظروف الجوية الصعبة، طوال الفترة السابقة، الأمر الذي عدلت عنه مؤخرا، بفضل وساطة أميركية.
عن هذا الوضع يقول ميخائيل ميلشتاين (باحث إسرائيلي): "منذ انتهاء الحرب على إيران، ترسّخ في إسرائيل رأيٌ حظي بإجماع واسع (عبّر عنه كل من نتنياهو وبينيت) مفاده أن (تركيا هي إيران الجديدة). ووفقاً لهذا الرأي، يسعى أردوغان إلى تدمير إسرائيل، ويبرز محور سني إقليمي ينافس المحور الشيعي، الذي يهدف بدوره إلى إقامة حلقة نار حول إسرائيل. هذا في الواقع رد فعل طبيعي لدولة تعيش حالة ما بعد الصدمة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول (2023)، دولة لم تخضع قط لتحقيق شامل، تقبل الحرب حالةً دائمة، وتسعى باستمرار لتحديد الأعداء والاستعداد لمواجهتهم". ("يديعوت أحرونوت"، 4/7/2026).
على أية حال، ثمة مداخل عديدة تفسّر قلق إسرائيل من تركيا، ربما أهمها يكمن في النفوذ الذي باتت تحظى به في سوريا، في مختلف النواحي، بعد انهيار نظام الأسد (أواخر 2024). ويشمل ذلك أيضا تحولها إلى فاعل إقليمي في الترتيبات الشرق أوسطية، والتي توّجت، مؤخرا، بالتحالف الدفاعي الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان ("اتفاقية مكة للدفاع المشترك"- الموقّعة في 7 أغسطس/آب 2026)، مع احتلالها مكانة متميزة في صوغ توجهات السياسة الأميركية في المنطقة، ولا سيما في سوريا والعراق ولبنان (بدلالة تصريحات السفير الأميركي لدى تركيا، توم بارّاك، وهو أيضا المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق)، الأمر الذي ترى فيه إسرائيل تطورا على حسابها، هذا إضافة إلى اعتبارها تركيا واحدة من أهم الدول التي تدعم حقوق الفلسطينيين.
ويرصد المحلل الإسرائيلي إيال زيسر حال التوتر في العلاقات التركية-الإسرائيلية، في عهد الرئيس أردوغان، التي شهدت تدهورا متواصلا، "أحياناً سريعاً وأحياناً متدرّجاً، وفي كل مرة قلنا لأنفسنا إنه لا يزال يوجد سلم للنزول، وإن لعلاقات الدولتين سقفاً زجاجياً من مصالح مشتركة سيتردّد أردوغان في المسّ بها. قلنا، وتبيّن أننا أخطأنا... تركيا آخذة في الاقتراب منا. في البحر المتوسط، إلى حقول الغاز... وفي سورية... للوصول إلى قلب العالم العربي. غير أنه في الطريق تقف إسرائيل. وفي هذه الأثناء تفقد الإدارة الأميركية، (الراشد المسؤول)، الاهتمام بالشقاق الذي بين تركيا وإسرائيل... المسار الذي صعدنا إليه هو مسار صدام محتم. وينبغي فقط الأمل في أن يكبحه أحد ما في اللحظة الأخيرة". ("إسرائيل اليوم"، 31/8/2026).


