أميركا تخرج من العراق… الدولار تحت الرقابة والاقتصاد في قبضة النفوذ الإيراني

معايير جديدة ستحدد السلطة الكبرى في المرحلة المقبلة

المجلة
المجلة

أميركا تخرج من العراق… الدولار تحت الرقابة والاقتصاد في قبضة النفوذ الإيراني

تحاول الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي إبعاد العراق عن دائرة العقوبات الاقتصادية الغربية، وترفض أن يتم التعامل معه باعتباره امتدادا اقتصاديا وماليا لإيران، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية على بغداد لضبط حركة الأموال والتجارة عبر الحدود، ومنع استخدام النظام المالي العراقي في الالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران.

تواجه بغداد معضلة معقدة بسبب التشابك الكبير بين الاقتصادين العراقي والإيراني. فالعراق يمثل أحد أهم أسواق الصادرات الإيرانية، إذ تجاوز حجم التجارة بين البلدين 10 مليارات دولار في 2025، فيما يشكل قطاع الطاقة أحد أبرز أوجه الاعتماد المتبادل. يدفع العراق نحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنويا مقابل الغاز الإيراني المستخدم في توليد الكهرباء، وفق مسؤولين عراقيين. وكان العراق يستورد ما يصل إلى 50 مليون متر مكعب يوميا من الغاز الإيراني بموجب تمديد عقد لخمس سنوات وُقّع في مارس/آذار 2024 .

في المقابل، تبقى قنوات التجارة غير الرسمية والحدود الطويلة بين البلدين مصدر قلق للسلطات العراقية وشركائها الدوليين، خصوصا مع احتمال استخدامها في نقل السلع الى إيران والأموال والأسلحة والطائرات المسيّرة الى العراق وخارج سيطرة الدولة.

وتنظر واشنطن بحساسية كبيرة إلى آلية تمويل الاستيرادات العراقية، التي ارتفعت من نحو 41 مليار دولار في 2020 إلى نحو 74.5 مليار دولار (63.3 مليار منها حصة القطاع الخاص) في 2025، وفق بيانات البنك الدولي وتقديرات صندوق النقد الدولي. وفي ظل مخاوف أميركية من استغلال النظام المالي العراقي للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، شددت واشنطن الرقابة على التحويلات بالدولار، خصوصا مع توثيق استخدام شركات واجهة وفواتير استيراد مزورة في تحويل أموال من العراق إلى جهات مرتبطة بإيران.

وتسعى حكومة الزيدي إلى تشديد السيطرة على الحدود وحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن هذا المسار يواجه مقاومة من عدد من الفصائل.

لا تتعامل السياسة الأميركية الجديدة مع العراق باعتباره كتلة سياسية واحدة مرتبطة بإيران

أما التحدي الأكثر حساسية بالنسبة إلى حكومة الزيدي، فيرتبط بالفصائل المسلحة العراقية القريبة من إيران، ولا سيما مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في البلاد. وتزداد حساسية الملف في ظل استخدام الأراضي العراقية في الهجمات الإقليمية، بعدما أكدت بغداد أن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت خط أنابيب النفط السعودي، انطلقت من محافظة ميسان، وعثرت السلطات العراقية لاحقا على منصات لإطلاق المسيّرات قرب الحدود مع إيران. وأقالت الحكومة قائد عمليات ميسان وفتحت تحقيقا في الهجمات، كما أغلقت مؤقتا ثلاثة معابر حدودية مع إيران، هي الشلامجة والشيب ومندلي، وسط عملية أمنية لتعقب المسؤولين عن الهجوم. وفي المقابل، نفت "المقاومة الإسلامية في العراق"، وهي مظلة تضم فصائل مسلحة موالية لإيران، مسؤوليتها عن الهجوم.

وقال الأمين العام لـ"كتائب حزب الله" العراقية، أبو حسين الحميداوي، إن "ثنائية المقاومة الإسلامية والأجهزة الحكومية الرسمية أراها منقبة وأمرا حسنا، ولا داعي للتحسس منها، والكثير من دول العالم تمتلك أكثر من جيش وأكثر من منظومة عسكرية". ودعا جماعته إلى إيقاف جميع العمليات العسكرية والأنشطة اللوجستية المتحركة، باستثناء العمل على استهداف الطيران المعادي المنتهك لأجواء البلاد، إلى أن تكتمل منظومة الدفاعات الجوية الحكومية.

احتكار السلاح

لا تستطيع الحكومة العراقية حاليا احتكار السلاح بصورة كاملة ومنع استخدام أراضيها لاستهداف الدول المجاورة، إذ ترفض الفصائل العراقية الرئيسة، التي يبلغ عددها أربعة، وهي "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" و"حركة سيد الشهداء" و"انصار الله الاولياء"، تسليم سلاحها، وتبدي استعدادا للدخول في مواجهة مع الحكومة. لذلك حددت الحكومة العراقية موعدا جديدا لاستكمال خطة حصر السلاح بيد الدولة في 30 يونيو/حزيران 2027، بعدما كان 30 سبتمبر/أيلول 2026 هو الموعد السابق لإنهاء النشاط المسلح خارج إطار المؤسسات الرسمية.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي خلال حضوره مراسم إحياء "يوم السيادة"، الذي يرمز إلى انتهاء وجود قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، بغداد، 30 سبتمبر/أيلول 2026

في المقابل، تتجه إيران، وفقا للمعلومات الواردة، إلى استراتيجيا جديدة تقوم على تشكيل جماعات عراقية صغيرة منشقة عن الفصائل الموجودة حاليا، واستخدامها ورقة في الحرب الإقليمية الحالية، لتجنب إحراج الحكومة والفصائل المعروفة، خصوصا أن أيا من الفصائل الرئيسة لا يتبنى هذه الاستهدافات.

الجانب الاقتصادي

تفرض الولايات المتحدة الأميركية حماية على الأموال العراقية منذ عام 2003، خوفا من مصادرتها من قبل بعض الدائنين، والتي تعود إلى فترة حكم صدام حسين، وتُودع إيرادات النفط في حساب "العراق 2" في البنك الفيديرالي الأميركي، ثم تُحول إلى حساب البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيديرالي.

لكن مع اتساع النفوذ الإيراني داخل النظام السياسي العراقي، ازدادت مخاوف واشنطن من استخدام العراق كقناة للالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران. ووثقت تحقيقات أميركية ودراسات متخصصة شبكات كانت تخلط النفط الإيراني بالنفط العراقي ثم تسوّقه على أنه عراقي، باستخدام وثائق عراقية مزورة، بينها مستندات وفواتير شحن مرتبطة بشركة تسويق النفط العراقية "سومو". ووفق مركز مكافحة الإرهاب في "ويست بوينت"، كان قسم الشحن في "سومو" يؤدي دورا في جدولة الشحنات وإصدار شهادات المنشأ، فيما أظهرت وثائق مسرّبة إمكان الحصول على مستندات سومو مزورة لإضفاء منشأ عراقي على شحنات إيرانية.

ولا تتعامل السياسة الأميركية الجديدة مع العراق باعتباره كتلة سياسية واحدة مرتبطة بإيران. فالمشهد العراقي أكثر تعقيدا، ويضم قوى سياسية واجتماعية سنية وشيعية وكردية ترفض الهيمنة الإيرانية، لذلك اتجهت الإجراءات الأميركية، خلال السنوات الأخيرة، بصورة أكبر نحو استهداف قنوات مالية ومصارف وكيانات ترى الولايات المتحدة أنها قد تُستخدم لتمرير الأموال إلى إيران أو إلى جماعات مرتبطة بها، بدلا من فرض حصار اقتصادي شامل على الدولة العراقية.

لا تقتصر العلاقة الأميركية ـ العراقية في هذا المجال على التحكم بتدفقات الدولار، بل أصبحت مرتبطة بمشروع أوسع لإعادة هيكلة القطاع المصرفي العراقي

وفي هذا الإطار، مُنع أكثر من 40 مصرفا وشركة دفع إلكتروني من الوصول إلى الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، وحُصر تعاملها بالدينار العراقي داخل البلاد.

واتهمت الولايات المتحدة مرارا جهات عراقية باستغلال النظام المالي للبلاد في تحويل جزء من الدولار إلى إيران وسوريا، ولا سيما خلال فترة حكم بشار الأسد، فضلا عن تمويل جهات تصنفها واشنطن إرهابية. ودفع ذلك بغداد، بالتعاون مع السلطات الأميركية، إلى تشديد الرقابة على حركة الدولار والتحويلات المالية. وانخفضت واردات العراق من الدولار النقدي من نحو 14 مليار دولار سنويا إلى نحو 4 مليارات دولار، وفق محافظ البنك المركزي العراقي، فيما انتقلت نسبة كبيرة من عمليات توفير الدولار إلى قنوات التحويل الإلكتروني الخاضعة للتدقيق.

إعادة رسم مسار الدولار

لا تقتصر العلاقة الأميركية ـ العراقية في هذا المجال على التحكم بتدفقات الدولار، بل أصبحت مرتبطة بمشروع أوسع لإعادة هيكلة القطاع المصرفي العراقي.

وفي إطار الإصلاحات التي ينفذها البنك المركزي والحكومة العراقية، استعانت بغداد بشركات استشارية وتدقيقية دولية، في مقدمتها "إرنست آند يونغ" (Ernst & Young) لإعداد خطة إعادة هيكلة المصارف الحكومية، ولا سيما مصرف الرافدين، و"أوليفر وايمن" (Oliver Wyman) لإعداد وتنفيذ مشروع إصلاح القطاع المصرفي الخاص.

ويركز المشروع على تعزيز الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال والشفافية، وتحسين كفاءة المصارف، وتعزيز قدرتها على إقامة علاقات مع المصارف المراسلة الدولية والاندماج في النظام المالي العالمي.

رويترز
البنك المركزي العراقي في بغداد، 23 أبريل/نيسان 2026

أما شركة "كاي 2 إنتغريتي" (K2 Integrity)، فقد دخلت إلى منظومة الإصلاح المالي العراقية في أعقاب تشديد الرقابة الأميركية والعراقية على التحويلات الخارجية، مع تزايد المخاوف من عدم وضوح المستفيد النهائي من بعض معاملات الدولار. وبحسب متخصصين، تقدم الشركة ما هو أبعد من الاستشارات التقليدية، إذ تراجع معاملات الدولار قبل تنفيذها وتوصي بالموافقة عليها أو رفضها عند وجود شبهات، بالتوازي مع مراقبة امتثال المصارف لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما وقع مصرف الرافدين اتفاقية شراكة مهنية مع "كاي 2 إنتغريتي" لمدة ثلاث سنوات لتطوير أنظمة الامتثال والحوكمة ومراقبة مصادر الأموال.

وتتركز قدرة عدد محدود من المصارف العراقية الخاصة على تنفيذ التحويلات التجارية بالدولار في امتلاكها علاقات مصرفية مراسلة مع مصارف دولية، بينها مصارف أميركية. وفي يناير/كانون الثاني 2025، قال مسؤول سابق في البنك المركزي العراقي إن أربعة مصارف عراقية، تعمل برؤوس أموال أردنية أو خليجية، تمكنت من بناء علاقات مع مصارف مراسلة، من بينها "سيتي بنك"، مما منحها قدرة أكبر على تنفيذ التحويلات التجارية الدولية. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن ستة مصارف عراقية كانت قد أقامت علاقات مصرفية مراسلة مع مصارف أميركية في أبريل/نيسان 2024.

في سبتمبر/أيلول 2026، أضيفت طبقة جديدة من الرقابة على تمويل الواردات، إذ أخضعت التحويلات المالية المخصصة للاستيراد لإجراء البيان المسبق والاستيفاء المسبق للرسوم الجمركية والأمانات الضريبية عبر نظام "أسيكودا" (ASYCUDA) قبل إتمام التحويل

قبل عام 2023، كانت معظم المدفوعات العابرة للحدود بالدولار تُسوّى عبر قناة البنك المركزي العراقي والاحتياطي الفيديرالي الأميركي، إذ كان البنك المركزي يتولى دورا تنفيذيا رئيسا في منظومة التحويلات الخارجية. أما منذ 2023، فتغيرت آلية التعامل بالدولار بصورة جوهرية، مع انتقال العراق تدريجيا من النظام الذي يديره البنك المركزي إلى نظام يعتمد على المصارف التجارية العراقية وعلاقاتها المباشرة مع المصارف المراسلة الدولية. وأصبحت قدرة المصرف العراقي على تنفيذ التحويلات الخارجية مرتبطة بامتلاكه علاقات مراسلة، وبامتثاله لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبالتدقيق المسبق للحوالات والتحقق من المستفيد النهائي. ومنذ يناير/كانون الثاني 2025، أصبحت جميع المعاملات الدولية المشروعة تعالج عبر المصارف التجارية من خلال علاقاتها مع المصارف المراسلة، فيما تحول دور البنك المركزي أساسا إلى الإشراف والرقابة وإعادة تغذية أرصدة المصارف لدى مراسليها وفق الحاجة.

رويترز
أفراد تابعة لقوات الحشد الشعبي تنتشر في شوارع بغداد ضمن مراسم احتفالات الانسحاب الأميركي من العراق، 30 سبتمبر/أيلول 2026

ويعني هذا التحول أن المصرف الذي لا يستطيع بناء علاقة مراسلة دولية، أو لا يجتاز متطلبات الامتثال، يصبح عمليا محدود القدرة على تنفيذ العمليات الدولية، وخصوصا بالدولار. من هنا، فإن جوهر الإصلاح المصرفي الحالي يتجاوز مسألة منع عدد من المصارف من التعامل بالدولار، إذ يتجه المشروع نحو إعادة تشكيل هيكل القطاع الخاص نفسه، من خلال رفع متطلبات رأس المال والحوكمة والشفافية، وإخضاع المصارف للتقييم، وإتاحة مسارات تشمل الاستمرار أو الاندماج، وفق قدرة كل مصرف على استيفاء المعايير الجديدة.

رقابة التجارة الخارجية

بعد الانتقال من منصة التحويلات الخارجية التي كان يديرها البنك المركزي العراقي، انتقلت المصارف تدريجيا إلى تنفيذ التحويلات عبر حساباتها لدى المصارف المراسلة الخارجية، وأعلن البنك المركزي اكتمال هذا الانتقال في الأسبوع الأخير من ديسمبر/كانون الأول 2024.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، أضيفت طبقة جديدة من الرقابة على تمويل الواردات، إذ أخضعت التحويلات المالية المخصصة للاستيراد لإجراء البيان المسبق والاستيفاء المسبق للرسوم الجمركية والأمانات الضريبية عبر نظام "أسيكودا" (ASYCUDA) قبل إتمام التحويل. وأصبحت المصارف مطالبة بالتحقق من استكمال هذه الإجراءات، وإدراج رقم البيان المسبق ضمن بيانات التحويل، ومطابقة بياناته ومتابعة عملية الاستيراد، بما يربط حركة الأموال بالعملية التجارية التي يفترض أن تمولها.

تكشف هذه الإجراءات أن الهدف لم يعد مجرد ضبط سعر صرف الدولار أو تقليص السوق الموازية، وإنما بناء سلسلة رقابية تبدأ بالمستورد، وتمر بالمصرف العراقي والمصرف المراسل، وتنتهي بالمستفيد الخارجي والجمارك. وبهذا تصبح حركة التجارة الخارجية أكثر قابلية للتتبع، ويصعب استخدام شركات أو فواتير غير حقيقية لإخراج الأموال من البلاد.

أثرت العقوبات الأميركية على قطاع الطيران الإيراني في حركة السفر الديني إلى العراق، وانعكس ذلك بصورة خاصة على اقتصادَي النجف وكربلاء، اللتين تضمان معا نحو 3.7 ملايين نسمة 2024، وتعتمدان بدرجة كبيرة على تدفق الزائرين، وفي مقدمتهم القادمون من إيران

وبحسب بيانات البنك المركزي العراقي، بلغت مبيعات العملة الأجنبية نحو 35.27 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بانخفاض قدره 34.5 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. ويأتي هذا التراجع في ظل انتقال تمويل التجارة الخارجية إلى قنوات مصرفية أكثر خضوعا للرقابة، وتشديد متطلبات الامتثال والتحقق من التحويلات، وإن كان انخفاض المبيعات لا يعني في الضرورة انخفاض قيمة الاستيرادات بالقدر نفسه.

الدولار النقدي يعود إلى العراق

في سبتمبر/أيلول 2026، ظهر جانب آخر من العلاقة المالية بين بغداد وواشنطن، بعدما توصل الطرفان إلى تفاهم لاستمرار شحنات الدولار النقدي إلى العراق، عقب تعليقها أشهرا عدة. وقالت الحكومة العراقية إن التفاهم جاء بعد إحراز تقدم في مراقبة توزيع الدولار وتنظيم استخداماته والحد من إساءة استخدام العملة الأجنبية، مع توسيع المدفوعات الإلكترونية.

رويترز
وصول إيرانيون إلى مطار النجف الدولي، العراق، 23 سبتمبر/أيلول 2026

وكانت واشنطن قد علّقت في أبريل/نيسان شحنة نقدية تقدر بنحو 500 مليون دولار، قبل استئناف بعض الشحنات في يوليو/تموز، فيما تلقى البنك المركزي العراقي في أغسطس/آب دفعة نقدية بالقيمة نفسها. وتختلف هذه الشحنات عن التحويلات الإلكترونية المستخدمة لتمويل التجارة الخارجية، التي لم يشملها التعليق. وهذه الأموال ليست مساعدات أميركية، بل جزء من عائدات النفط العراقية المودعة في حسابات لدى الاحتياطي الفيديرالي في نيويورك.

عقوبات الطيران

أثرت العقوبات الأميركية على قطاع الطيران الإيراني في حركة السفر الديني إلى العراق، وانعكس ذلك بصورة خاصة على اقتصادَي النجف وكربلاء، اللتين تضمان معا نحو 3.7 ملايين نسمة وفق تعداد العراق لعام 2024، وتعتمدان بدرجة كبيرة على تدفق الزائرين، وفي مقدمتهم القادمون من إيران.

وكان عدد الإيرانيين القادمين إلى العراق قبل الأزمة يتجاوز ثلاثة آلاف شخص يوميا، بينما لا يتجاوز العدد حاليا نحو 500 شخص، كما شهد مطار النجف حالة من التراجع الحاد في حركة الطيران، إذ كان يستقبل نحو 30 رحلة يوميا، فيما لا يتجاوز عدد الرحلات حاليا عشر رحلات، فضلا عن توقف شركات تقدم خدماتها في المطار، خشية تعرضها لعقوبات أميركية.

وحصل العراق على استثناء أميركي محدود يسمح للخطوط الجوية العراقية بتشغيل رحلات بين مطار النجف والمطارات الإيرانية وفق شروط صارمة، ولا يمثل هذا الاستثناء عودة طبيعية لحركة الطيران بين البلدين.

نحو 80 في المئة من نشاط الضيافة والنقل والإقامة خلال مواسم الزيارة يرتبط بالزائرين الإيرانيين

رئيس رابطة فنادق المطاعم في مدينة النجف، صائب أبو غنيم

ويحصر الترخيص الأميركي الرحلات المسموح بها بالخطوط الجوية العراقية، على أن تنطلق من مطار النجف وتعود إليه، وأن تقتصر على نقل المسافرين الإيرانيين لأغراض الزيارة الدينية. كما يحظر نقل كميات كبيرة من النقد، ونقل الأشخاص المشمولين بالعقوبات الأميركية أو المرتبطين بجهات خاضعة للعقوبات. ويلزم الخطوط الجوية العراقية، خلال 10 أيام عمل من انتهاء الترخيص، بتقديم بيانات عن إجمالي عدد الرحلات والمسافرين، وأسماء الركاب وأرقام جوازات سفرهم، إضافة إلى تفاصيل الأموال التي أنفقتها داخل إيران على الوقود والصيانة والخدمات المرتبطة بالمطارات.

ويظل الاستثناء مؤقتا، إذ يسري الترخيص حتى 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أو إلى حين إتمام المعاملات المسموح بها بموجبه، أيهما يأتي أولا، مما يؤكد أن الإجراء يمثل استثناء محدودا وليس استئنافا شاملا لحركة الطيران بين العراق وإيران.

ويتمثل أحد أهداف السماح للخطوط الجوية العراقية بتسيير رحلات إلى إيران في تعزيز القدرة على متابعة حركة الأشخاص بين إيران والعراق، وهو ما يجعل مطار النجف إحدى النقاط التي تتقاطع عندها السيادة العراقية مع نظام العقوبات الأميركي، وقد يتحول إلى إحدى القضايا التي ستواجه فيها الخطوط الجوية العراقية ضغوطا من الجهات السياسية القريبة من إيران.

رويترز
حجاج إيرانيون يصلون إلى منفذ المنذرية الحدودي في طريقهم إلى كربلاء للمشاركة في مراسم زيارة الأربعين السنوية، في محافظة ديالى بالعراق، 28 يوليو/تموز 2026

ومن المتوقع أن تكون التداعيات الاقتصادية كبيرة، إذ يعتمد اقتصاد المدن الدينية، مثل النجف وكربلاء والكاظمية وبغداد وسامراء، بدرجة كبيرة على الزائرين الإيرانيين. فالفنادق والمطاعم وسيارات الأجرة والحافلات وشركات السياحة الدينية ومحال الصيرفة والأسواق تواجه تراجعا في النشاط، بفعل عوامل عدة، في مقدمتها تراجع القوة الشرائية للإيرانيين نتيجة الانخفاض الحاد في قيمة الريال، إلى جانب القيود المفروضة على الرحلات الجوية الإيرانية إلى العراق.

وقد ينعكس أثر القيود على قطاع السياحة الدينية. ففي النجف، قال رئيس رابطة وفنادق المطاعم في مدينة النجف، صائب أبو غنيم، إن نحو 80 في المئة من نشاط الضيافة والنقل والإقامة خلال مواسم الزيارة يرتبط بالزائرين الإيرانيين، فيما أفادت تقارير بإغلاق فنادق وتسريح عاملين وتراجع أعمال شركات السفر والخدمات المرتبطة بالزوار.

بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق، سيبقى الاقتصاد العراقي، ولا سيما تدفقات النفط والدولار والعلاقات المالية، من أبرز مجالات المتابعة والضغط الأميركي، بما قد يترجم إلى عقوبات تستهدف شخصيات أو مؤسسات عراقية يُتهم بعضها بتسهيل أنشطة الفصائل المسلحة أو التعامل معها

كما أدى تراجع حركة السفر وارتفاع تكلفة الرحلات إلى أكثر من 250 دولارا وتقلب سعر الصرف إلى إضعاف الطلب على السياحة الدينية، وهو ما انعكس مباشرة على قطاع الفنادق في النجف. وقال رئيس رابطة فنادق النجف صائب أبو غنيم إن عدد فنادق المدينة يبلغ نحو 250 فندقا، أُغلق نحو 80 في المئة منها، مما أدى إلى تسريح أكثر من 2,000 موظف أو منحهم إجازات غير مدفوعة الأجر.

ووفقا لمصدر مطلع، تحدث الى "المجلة"، تريد أميركا من العراق، مراقبة أكثر على الشركات التابعة للفصائل، وذلك لمنع وصولها الى التمويل الحكومي الخاص بالمشاريع، لان وصولها يعني استمرارها وقدرتها على بناء شبكة أكبر، مشيرا إلى أن حملة مكافحة الفساد التي أطلقها الزيدي، كان تأثيرها جيدا من خلال اعتقال عدد من القيادات السياسية.

رويترز
ميدان التحرير في وسط بغداد، العراق 28 سبتمبر 2026

وبعد انسحاب القوات الأميركية من العراق، سيبقى الاقتصاد العراقي، ولا سيما تدفقات النفط والدولار والعلاقات المالية، من أبرز مجالات المتابعة والضغط الأميركي، بما قد يترجم إلى عقوبات تستهدف شخصيات أو مؤسسات عراقية يُتهم بعضها بتسهيل أنشطة الفصائل المسلحة أو التعامل معها، بما في ذلك عبر العقود والمشاريع الحكومية. وقد فرضت واشنطن بالفعل خلال 2026 عقوبات على مسؤولين وشركات عراقية قالت إنها سهلت أنشطة مرتبطة بإيران والفصائل المتحالفة معها.

في المقابل، تتمتع القوى السياسية المرتبطة ببعض هذه الفصائل بتمثيل برلماني واسع، إذ تشير تقديرات إلى أن نحو 80 إلى 90 نائبا من الكتل القريبة من إيران ينتمون إلى مجموعات وفصائل مرتبطة بها، فيما تتجاوز بعض التحالفات السياسية الشيعية عتبة 100 نائب.

font change

مقالات ذات صلة