كيف جعل آبي أحمد القرن الأفريقي ينقلب ضده

نفوذ يتحول لعزلة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
امرأة تسير أمام جدارية تصور رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في بلدة "أغارو" الواقعة ضمن الدائرة الانتخابية التي يخوض فيها الانتخابات، في إقليم أوروميا، إثيوبيا، 28 مايو 2026

كيف جعل آبي أحمد القرن الأفريقي ينقلب ضده

تتواصل الحرب الأهلية الجديدة في إثيوبيا، إذ تواجه الحكومة الفيدرالية برئاسة آبي أحمد تحالفا من سبع جماعات مسلحة. وكانت مصالح هذه الجماعات متباينة في السابق، لكنها باتت تتفق على هدف واضح يتمثل في إزاحة آبي أحمد من السلطة.

يواصل الطرفان تبادل الضربات، ولا يزال من المبكر معرفة الاتجاه الذي سيسلكه القتال.

تحذر منظمات حقوقية من احتمال ارتفاع حصيلة القتلى بشدة مع اتساع نطاق العنف، ولا سيما أن ذكريات حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022 لا تزال حاضرة. ويعتقد أن ذلك الصراع، الذي أنهته "اتفاقية بريتوريا" في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، أودى بحياة نحو 600 ألف شخص. ويخشى كثيرون أن يكون القتال الحالي أشد فتكا.

وبالمعايير العسكرية البحتة، يتفوق الجيش الإثيوبي على الجماعات السبع التي تقاتله. لكن ضربة بطائرة مسيرة استهدفت في 28 سبتمبر/أيلول قاعدة جوية جنوب شرق أديس أبابا أظهرت قدرة هذا التحالف على إلحاق الضرر بالجيش.

تمتد رقعة الحرب الآن على نحو 40 في المئة من مساحة إثيوبيا البالغة 1.1 مليون كيلومتر مربع، ويتركز معظم القتال في شمال البلاد. وتقع المناطق نفسها التي تشهد القتال على حدود إثيوبيا مع عدد من جيرانها، ما يجعل التساؤل عن موقف تلك الدول مع اتساع نطاق الصراع مشروعا.

بحلول أواخر 2022، تفككت الشراكة بين أديس أبابا وأسمرة، واتهمت إثيوبيا إريتريا بتسليح مقاتلي "فانو" من الأمهرة، ثم بتسليح فصائل متشددة من "جبهة تحرير شعب تيغراي" 

تدهورت علاقات إثيوبيا مع معظم جيرانها بشدة منذ تولي آبي أحمد منصبه في أبريل/نيسان 2018، رغم التفاؤل الذي ساد في البداية. وتكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة إذا استمرت الحرب في الانتشار في هذا البلد الواقع في القرن الأفريقي. ونظرا إلى ما بلغته العلاقات من توتر، يرجح أن تقف الدول المجاورة لإثيوبيا متفرجة، أو حتى أن تقدم في الخفاء دعما للجماعات التي تسعى إلى إجبار آبي أحمد على التنحي.

مسعى الوصول إلى البحر الأحمر

تعد إريتريا أهم الدول المجاورة لإثيوبيا بالنظر إلى تاريخ العلاقات بين البلدين والتوترات الراهنة بينهما. وبعد ثلاثة أشهر من توليه الحكم، توجه آبي أحمد إلى أسمرة في يوليو/تموز 2018 للقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي. ووقع الزعيمان إعلانا مشتركا أنهى رسميا حرب الحدود التي دارت بين البلدين بين عامي 1998 و2000.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي يحتفلان بإعادة فتح السفارة الإريترية في إثيوبيا، أديس أبابا ، في 16 يوليو 2018

وبعد فترة قصيرة، أعيد فتح الحدود واستؤنفت الرحلات الجوية والاتصالات الهاتفية، ثم أبرم اتفاق لاحق في جدة في سبتمبر/أيلول من العام نفسه. وأكسب هذا الانفراج آبي أحمد جائزة نوبل للسلام لعام 2019. ولفترة قصيرة، نجح الزعيمان حتى في ضم الصومال إلى اصطفاف ثلاثي.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، تحولت تلك العلاقات الدافئة إلى شراكة عسكرية مع اندلاع حرب تيغراي في إثيوبيا. وقاتلت القوات الإريترية إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية وميليشيات الأمهرة ضد "جبهة تحرير شعب تيغراي"، وهي عدو قديم لأسياس.

وخلف القتال، كما سبقت الإشارة، دمارا هائلا وحصيلة هائلة من القتلى.

لكن أسياس شعر بالعزلة عندما توصلت إثيوبيا و"جبهة  تحرير شعب تيغراي" إلى "اتفاق بريتوريا" لوقف إطلاق النار في نوفمبر 2022 من دون مشاركة إريتريا. وكان الرئيس الإريتري يريد القضاء على الجبهة نهائيا، غير أن الاتفاق أبقاها قوة سياسية في تيغراي ونص على انسحاب القوات الخارجية، بما فيها القوات الإريترية، ما أضاف مصدرا جديدا للتوتر في العلاقات.

بحلول أواخر عام 2022، تفككت الشراكة بين أديس أبابا وأسمرة. واتهمت إثيوبيا إريتريا بتسليح مقاتلي "فانو" من الأمهرة، ثم بتسليح فصائل متشددة من "جبهة تحرير شعب تيغراي" تعارض الحكومة الفيدرالية. كما لم تختف القضايا الحدودية القديمة تماما، ومنها وضع بلدة بادمي الإريترية التي ظلت في صلب النزاع الحدودي مع إثيوبيا. 

واتسعت الهوة بين البلدين أكثر عندما بدأ آبي أحمد يتحدث عن الوصول إلى البحر الأحمر باعتباره "حاجة وجودية" لإثيوبيا غير الساحلية. وفي هذا السياق، نظرت أسمرة إلى الحديث الإثيوبي عن ميناء عصب الإريتري، الذي يبعد نحو 60 كيلومترا فقط عن الحدود الإثيوبية، باعتباره تهديدا مبطنا لأراضيها.

ومنذ عام 2024 وحتى 2026، شهدت العلاقات مزيدا من التدهور. ودفع الجيشان الإثيوبي والإريتري بقوات نحو الحدود المشتركة، ولا سيما قرب عصب. وزاد تقارب إريتريا مع مصر والصومال حدة التوتر، في وقت كانت مصر في خلاف مع أديس أبابا بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير والوصول إلى البحر الأحمر أيضا.

وفي الأول من أكتوبر 2026 ، أعلنت أديس أبابا أنها ستطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين "يشكلون تهديدا مباشرا للأمن القومي الإثيوبي"، وإغلاق سفارتها في أسمرة.

وردّت وزارة الخارجية الإريترية بأنها "لا تملك خيارا سوى الرد بالمثل".

أ.ف.ب
يخرج رجل من أحد الأبواب بينما يقف شرطي في مجمع فندق "أغدا" بمدينة سيميرا بإقليم عفار بإثيوبيا بعد فرار آلاف اللاجئين الإريتريين الذين عانوا صدمات نفسية هرباً من القصف المدفعي ونيران الأسلحة، في 14 فبراير 2022

صفقة أرض الصومال

قبل شهر من سفره إلى أسمرة عام 2018، وصل آبي أحمد إلى مقديشو وسط أجواء من التفاؤل. وجاءت الزيارة في إطار نهج الانفتاح الذي اتبعه في بداية حكمه. وتعهد آبي والرئيس الصومالي آنذاك محمد عبد الله فرماجو بتعزيز التعاون في التجارة والموانئ والبنية التحتية، وشكلا لجنة مشتركة للدفع بهذه الأهداف قدما.

تعاونت الصومال وإثيوبيا في مكافحة الإرهاب لفترة من الزمن، ثم مالت إثيوبيا مجددا نحو أرض الصومال، ما أعطى مقديشو أسبابا كافية للاشتباه في تدخل أديس أبابا في شؤونها

في ذلك الوقت، فضل آبي أحمد التعامل مع الصومال بوصفه شريكا واحدا على المستوى الاتحادي، بدلا من الانحياز إلى طرف من داخله. وعزز هذا النهج الثقة به لدى صناع القرار في مقديشو، لكنه أثار استياء إقليم أرض الصومال الانفصالي، إذ كانت حكومة الإقليم تتمتع منذ وقت طويل بعلاقات تعاون وثيقة مع أديس أبابا.

تعاونت مقديشو وأديس أبابا في مكافحة الإرهاب لفترة من الزمن. وكان ينظر إلى فرماجو على نطاق واسع باعتباره الشريك المفضل لإثيوبيا في مقديشو.

كان هناك قدر من حسن النية، لكنه استند إلى التفاهم الشخصي والمصالح الإقليمية المشتركة أكثر مما استند إلى مراجعة حقيقية للماضي. وعندما عاد حسن شيخ محمود إلى رئاسة الصومال عام 2022، شهدت العلاقات تحولا، ولا سيما بعدما اتخذ موقفا أكثر تشددا بشأن السيادة والوحدة الاتحادية. وفي الوقت نفسه، كان آبي أحمد أيضا يتخذ موقفا أكثر تشددا بشأن مسعى بلاده للوصول إلى البحر الأحمر.

ثم مالت إثيوبيا مجددا نحو أرض الصومال، ما أعطى مقديشو أسبابا كافية للاشتباه في تدخل أديس أبابا في شؤونها. ففي يناير/كانون الثاني 2024، وقع آبي أحمد مذكرة تفاهم مع حكومة أرض الصومال تنص على منح إثيوبيا حق استئجار شريط ساحلي بطول نحو 20 كيلومترا قرب ميناء بربرة لمدة 50 عاما لاستخدامه في الأغراض التجارية والبحرية العسكرية، مقابل أن تعترف إثيوبيا بأرض الصومال.

وكان من شأن ذلك أن يمنح إثيوبيا المنفذ البحري الذي تتطلع إليه، وأن يمنح أرض الصومال الاعتراف الذي كانت تسعى إلى الحصول عليه من دول المجتمع الدولي تباعا.

رويترز
رئيس "أرض الصومال" موسى بيهي عبدي ورئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد يحضران توقيع مذكرة تفاهم بشأن إنشاء ميناء في أديس أبابا، إثيوبيا، في 1 يناير 2024

واستدعت مقديشو سفيرها من أديس أبابا ردا على ذلك، وأقر البرلمان الصومالي قانونا يعتبر الاتفاق لاغيا وباطلا. كما زاد هذا التدهور الضغوط على القوات الإثيوبية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، في وقت عززت فيه الصومال تعاونها الأمني مع مصر.

حرب بالوكالة

بدأت علاقات آبي أحمد مع السودان وسط آمال، لكن تلك الآمال بدأت تتلاشى أواخر عام 2020. وتصاعد التوتر بين الجانبين بسبب الفشقة، وهي مثلث حدودي خصب تطالب به الدولتان، وبسبب تداعيات حرب تيغراي في إثيوبيا والخلافات حول سد النهضة والتحالفات التي اختارها كل طرف بعد اندلاع الحرب الأهلية السودانية.

ما بدا في السابق أداة ذكية في السياسة الخارجية بدأ يبدو أشبه بحبل يلتف حول حكومة آبي نفسها ويزداد إحكاماً

في عام 2019، توسط آبي أحمد بين ضباط الجيش السوداني والقادة المدنيين، وأسهم في التوصل إلى اتفاق تقاسم السلطة الذي أفضى إلى تشكيل حكومة انتقالية في البلاد، لكن بحلول نوفمبر 2020 تغير كل شيء، خصوصا بعد اندلاع حرب تيغراي.

ومع انتقال القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات الأمهرة إلى شمال إثيوبيا، دخل الجيش السوداني منطقة الفشقة التي كان مزارعون من الأمهرة يقيمون فيها ويزرعونها بموجب تفاهم أبرم بين الخرطوم وأديس أبابا عام 2008. وبحلول مطلع عام 2021، أخرجت القوات السودانية المزارعين وسيطرت على معظم المنطقة، فتوالت الاشتباكات والاتهامات وتصاعد التوتر بسرعة. وقالت أديس أبابا إن السودان يستغل انشغالها، فيما أصرت الخرطوم على أنها لا تفعل سوى استعادة أراضيها.

وتعمق الخلاف حول سد النهضة أيضا. واعترض السودان، مثل مصر، على ملء إثيوبيا سد النيل الأزرق وتشغيله، خشية تضرر إمداداته المائية. كما استقبل السودان عشرات الآلاف من لاجئي تيغراي، ما منح إثيوبيا ذريعة لاتهامه بتوفير ملاذ آمن لجبهة "تحرير شعب تيغراي". 

أ.ف.ب
رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في مطار بورتسودان الدولي ، في 9 يوليو 2024

زادت الفوضى الداخلية في السودان المشهد تعقيدا، خصوصا بعد اندلاع قتال واسع النطاق بين الجيش السوداني و"قوات الدعم السريع" شبه العسكرية في أبريل/نيسان 2023.

وحافظت إثيوبيا في البداية على موقف رسمي محايد، وانضمت إلى بعض جهود الوساطة التي قادتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد). غير أن شراكتها الوثيقة مع أبرز الداعمين الإقليميين لـ"قوات الدعم السريع" أثارت القلق في الخرطوم.

ومنذ عام 2025، اتهم الجيش السوداني إثيوبيا مرارا بمساعدة "قوات الدعم السريع" في الخدمات اللوجستية والتدريب، وفي شن هجمات بطائرات مسيرة من الأراضي الإثيوبية.

أصدقاء بعيدون

قد يسهم الأعداء الخارجيون أحيانا في توحيد بلد ما، خصوصا عندما تجعل منهم الحكومة وسيلة لحشد التأييد. وهذا ما فعله آبي أحمد لسنوات عدة، إذ استغل التوترات مع أطراف خارجية، ولا سيما مصر وإريتريا، لتعزيز الدعم في الداخل. لكن يبدو أن تأثير هذا التكتيك بدأ يتراجع، إذ باتت المظالم القديمة في المناطق التي تنتفض ضده الآن أعلى صوتا من أي تهديد خارجي يمكنه التلويح به.

وهذا يعني أن ما بدا في السابق أداة ذكية في السياسة الخارجية أصبح يبدو أشبه بحبل يلتف حول حكومة آبي أحمد نفسها ويزداد إحكاما.

ستتردد دول الجوار كثيرا قبل تقديم الدعم للجماعات التي تتحرك ضد الحكومة الفيدرالية، خشية ما قد يسببه تفكك إثيوبيا من زعزعة استقرار دول الجوار نفسها. ومع ذلك، سيكون مجرد وقوف تلك الدول جانبا، كافيا لإضعاف موقف آبي أحمد مع تصاعد الضغوط.

وربما كان لقاء رئيس الوزراء الإثيوبي في 29 سبتمبر مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في أديس أبابا محاولة أخيرة يائسة لكسب ولاء أحد جيران إثيوبيا، بينما كانت الحرب تحتدم على مشارف العاصمة الإثيوبية.

والأكثر لفتا أن آبي أحمد، بينما يدفع معظم الدول المجاورة إلى النفور منه، يتقرب من شركاء بعيدين، ربما لاعتقاده أنهم سيقدمون له الدعم الذي يحتاج إليه.

ولا شك أن مصالحه تتقاطع مع مصالح هؤلاء الشركاء، ولا سيما في ما يتعلق بالسيطرة على البحر الأحمر، وهو ممر بحري استراتيجي تتزايد أهميته بصورة كبيرة، خصوصا في ضوء التطورات الراهنة في مضيق هرمز. غير أن هذه العلاقات الجيدة مع الحلفاء البعيدين تثير تساؤلات حول ما إذا كان الدعم الذي قد يقدمونه لرئيس الوزراء الإثيوبي قادرا على إنقاذه في وقت يتصاعد فيه الغضب الداخلي.

font change

مقالات ذات صلة