حين تصبح الصداقة امتحانا أخلاقيا

"بين أصدقاء" تكشف ما تخفيه الألفة من سلطة وفوارق

هال إبوت

حين تصبح الصداقة امتحانا أخلاقيا

تبدو الصداقة، حين تعبر عقودا كاملة، بيتا لا يعود أصحابه في حاجة إلى تفحص جدرانه. فهم يعرفون الشقوق القديمة، ويحفظون أماكن الأثاث، ويتحركون في الغرف بثقة من يظن أن الزمن منح المكان حصانة ضد الانهيار.

من هذه الطمأنينة الخادعة ينطلق الكاتب الأميركي هال إبوت في روايته الأولى "بين أصدقاء"، التي تُرجمت منذ صدورها العام الماضي إلى تسع لغات، من بينها الفرنسية عن دار "أكت سود".

فالعلاقة التي تجمع بطليها، آموس وإمرسون، تبدو مكتملة إلى حد يثير حسد الآخرين، لكن عطلة قصيرة تجمع أسرتيهما تكفي لكي تظهر تحت سطح الألفة طبقات من الغيرة والامتنان والاحتقار والحاجة، ويصبح السؤال الذي يحكم الرواية أقل اتصالا بمتانة الصداقة منه بما تستطيع معرفتنا الحميمة بالآخر أن تفعله به.

منذ الصفحات الأولى، يختار إبوت بناء روايته حول عالم اجتماعي يبدو مستقرا: آموس وإمرسون صديقان منذ اليوم الأول في الجامعة، وزوجتاهما كلير وريتسي، وابنتاهما آنا وصوفي، يشكلن حولهما دائرة عائلية متماسكة صنعتها سنوات من العطل والزيارات والذكريات المشتركة. يعرف كل واحد منهم عادات الآخرين ونكاتهم ونقاط ضعفهم، حتى إن العلاقة بين الأسرتين اكتسبت هيئة مؤسسة خاصة، لها تاريخها وطقوسها ولغتها.

يتغير الماضي كلما تغير موقع الشخص في الحاضر

إمرسون هو الشخصية التي تبدو، في البداية، الأكثر اكتمالا داخل هذا العالم. محام ناجح، ثري، واثق بنفسه، صاحب حضور جسدي واجتماعي قوي، يعرف كيف يحتل المكان من دون أن يبدو كأنه يبذل جهدا في ذلك. أما آموس، الطبيب النفسي، فيراقب ويحلل ويشك، وقدرته على النظر خلف السلوك الظاهر هي مصدر قوته وضعفه معا.

إمرسون نفسه يرى في حضور صديقه نوعا من التطهير: قضاء الوقت معه يشبه تنظيف زجاج مغبر، إذ تظهر من خلاله درجات من المعنى لم تكن مرئية من قبل. لكن هذه الموهبة في الفهم تحمل في داخلها نزوعا إلى المحاكمة. فآموس لا يكف عن قراءة إمرسون، وعن البحث خلف حركاته وكلماته عن الدافع الذي قد يفسرها.

صدع

تبدأ عطلة نهاية الأسبوع بحادث يبدو عابرا، ثم يتحول إلى أول صدع في البناء. يصدم إمرسون بسيارته امرأة ألقت بنفسها أمامه، ويتبين لاحقا أنها كانت تحاول الانتحار وأنها أخطأت السيارة التي كانت تنتظرها لأن عشيقها يقود سيارة مماثلة. الحادث في ذاته أقل أهمية من الطريقة التي يرويه بها إمرسون، ومن الطريقة التي يصغي بها آموس إلى رواية صديقه. ففي اللحظة التي يفترض فيها أن يقلق على إمرسون، يجد آموس نفسه يراقب نبرة صوته، ويحلل دوافعه، ويبحث عن أثر الاستعراض في حكايته. وهو يدرك قسوة ما يفعل: صديقه نجا من حادث كان يمكن أن يقتله، بينما هو يجمع، في ذهنه، "قطع جريمة متخيلة".

هنا تظهر براعة إبوت في تحويل حادثة درامية إلى جهاز يكشف الشخصيات. فهو لا يحتاج إلى أسرار ضخمة أو مفاجآت مصطنعة. الخطر الحقيقي يأتي من النظرات الصغيرة، من كلمة قيلت بنبرة خاطئة، من مزحة تجاوزت حدها، ومن حسابات قديمة لم يعترف أصحابها يوما بأنها حسابات. لهذا تبدو الرواية، في جانب منها، تشريحا للمسافة بين الصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه والصورة التي تتكون عنه في وعي أقرب الناس إليه.

تبلغ هذه المسافة أقصى تعقيدها في علاقة آموس وإمرسون. فكلاهما مقتنع بفرادة صداقتهما. ويقابل آموس الصداقات التي لا تكون أكثر من "سقالات" يحتاج إليها المرء في مرحلة معينة، بتلك التي تصبح جزءا فعليا من الحياة. ومع ذلك، تكشف الرواية تدريجيا أن العلاقة التي يظنانها متكافئة تحمل تاريخا من الفروق الاجتماعية والمادية والنفسية. الثروة والامتياز والنجاح ليست إذن مجرد خلفية للشخصيات. إنها تتسلل إلى أبسط الحركات، إلى طريقة تقديم الطعام، إلى البيت الذي يستقبل الآخرين، وإلى الإحساس بمن يعطي ومن يتلقى، ومن يملك حق إصدار الحكم.

غلاف "بين أصدقاء"

امتنان ملتبس

من أجمل ما يفعله إبوت، أنه يجعل الامتنان نفسه شعورا ملتبسا. فالمساعدة قد تتحول، بعد سنوات، إلى دَين غير معلن، والكرم قد يخفي شعورا بالتفوق، ومن تلقى الجميل يستطيع أن يكتشف في ذاكرته شيئا من الإهانة لم يكن قادرا على تسميته حين حدث. هكذا يتغير معنى الماضي كلما تغير موقع الشخص في الحاضر. فما اعتُبر في لحظة ما دليل محبة يمكن أن يُقرأ لاحقا بوصفه ممارسة لسلطة. وما ظنه طرف عطاء خالصا قد يكون الطرف الآخر قد عاشه كتذكير دائم بفارق المكانة.

لهذا تكتسب المشادات بين الصديقين قوة تتجاوز أسبابها المباشرة. إذ حين يغضب إمرسون، تتغير رؤيته للبيت والطعام والنبيذ والأشياء التي يحيط بها ضيوفه: تتحول كلها في وعيه إلى "أدلة" على ما قدمه للآخرين، وتطل فكرة "الخدمات" من تحت كرم الضيافة. في تلك اللحظة ينكشف شيء كان قائما منذ البداية: العطاء الذي يحتاج صاحبه إلى تذكره لم يعد بريئا تماما، والعلاقة التي تبدأ بحساب ما قدمه كل طرف للآخر تكون قد دخلت منطقة خطرة.

 STAFF / AFP
المخرج السينمائي الفرنسي جان رينوار

لكن إبوت أكثر ذكاء من أن يقسم شخصياته مذنبين وضحايا. واختياره عبارة جان رينوار من فيلم "قاعدة اللعبة" مفتاح أساس هنا: "ما هو فظيع على هذه الأرض أن لكل إنسان أسبابه". فكل شخصية تمتلك بالفعل أسبابها، والرواية تمنحها المساحة الكافية لكي تبدو مقنعة، ولو للحظات.

ما اعتُبر في لحظة ما دليل محبة يمكن أن يُقرأ لاحقا بوصفه ممارسة لسلطة

إمرسون مغرور وكريم، محب ومتسلط، هش وواثق. آموس شديد الحساسية للظلم، لكنه قادر على استخدام ذكائه أداة للتفوق الأخلاقي. كلير أكثر صلابة من زوجها، فيما تحمل نظرتها الثاقبة بدورها قدرا من القسوة. وريتسي، التي تبدو أحيانا الأكثر ارتباكا في المجموعة، تعرف جيدا سخافة بعض تصرفاتها وتكره في نفسها تحديدا ما تتخيل أن الآخرين يرونه فيها.

هذا الانتقال المستمر بين وجهات النظر هو أحد أهم إنجازات الرواية. إذ لا توجد سلطة سردية تمنح القارئ موضعا آمنا للحكم. فكلما اعتقدنا أننا فهمنا شخصية، يدخل السرد إلى وعيها ويعيد ترتيب الصورة. الفعل نفسه يمكن أن يكون حنانا وهيمنة في آن، والمزحة علامة ألفة وطريقة لجرح الآخر، والصمت احتراما أو جبنا. لذلك لا تبحث "بين أصدقاء" عن حقيقة سرية واحدة تكمن خلف العلاقات. إنها تكشف تعدد الحقائق التي تعيش داخل العلاقة نفسها.

تشريح

يمتد هذا التشريح إلى الجيل التالي عبر آنا وصوفي، اللتين تعكس علاقتهما، بصورة غير مكتملة بعد، صداقة والديهما. فحين تسأل صوفي آنا إن كانتا ستظلان صديقتين بعد ثلاثين عاما، تجيبها الأخرى ببساطة: "لمَ لا؟". لكن صوفي تشعر بالخيبة، لأنها كانت تريد أكثر من غياب الشك. كانت تنتظر من آنا أن تعبّر بوضوح عن رغبتها في استمرار هذه العلاقة. وفي هذا التفصيل الصغير يختصر إبوت مأزقا يمتد داخل الرواية كلها: حاجة الآخر إلينا لا تكفي، فنحن نريد أيضا أن نكون مرغوبين منه، وأن يمنحنا اختياره لنا دليلا على قيمتنا.

لهذا لا تبقى الصداقة في "بين أصدقاء" قيمة عاطفية مجردة. إنها مرتبطة بالهوية. الشخصيات تستخدم بعضها بعضا لكي تعرف من تكون. ريتسي تشعر بأن وجود كلير وآنا يمنح حياتها معنى ويصادق على تفاصيل صورتها عن نفسها. وآموس يحتاج إلى إمرسون بقدر ما ينتقده، فيما يحتاج إمرسون إلى نظرة آموس لكي يمنح أفعاله معنى. وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار الرواية قسوة: أقرب الناس إلينا هم الذين يمنحوننا جزءا من صورتنا عن أنفسنا، ولذلك يملكون أيضا القدرة الكبرى على تحطيمها.

Patrick McMullan via Getty Images
هال إبوت وإديث يونغ خلال العرض الأول لمسلسل "ذا جينكس: الجزء الثاني" من HBO في هدسون ياردز وكاتسويا بمدينة نيويورك، 28 أبريل 2024

لغة إبوت ملائمة تماما لهذا المشروع. فالسرد دقيق، نافذ إلى دواخل الشخصيات، كثير الالتفات إلى الإيماءات التي تبدو بلا أهمية: حركة يد، نظرة عابرة، ابتسامة تأخرت جزءا من الثانية. والحوار شديد الحيوية، تعمل النكات فيه بوصفها أجهزة قياس للعلاقة. والشخصيات تمزح لأنها متآلفة، ثم تتحول الألفة نفسها إلى رخصة للقسوة.

غير أن هذه النفاذية السيكولوجية نفسها تشكل أحيانا حد الرواية. فإبوت لا يترك دائما لشخصياته الوقت الكافي لكي توجد خارج الوعي الذي يحللها: تكاد كل حركة أو نبرة أو نظرة تتحول فورا إلى علامة تستدعي التأويل. ومن فرط ما تبدو هذه الشخصيات مفهومة من الداخل، تفقد أحيانا شيئا من كثافتها الجسدية والعفوية، كأن الكاتب يفكر فيها أكثر مما يتركها تعيش أمامنا.

في إحدى اللحظات يبدأ إمرسون بالشعور بأن الآخرين عادوا إلى السخرية منه، وأنهم تجاوزوا الحد. يستمر في الضحك، لكن ابتسامته "تصير حامضة"، ويتغير المكان من حوله. هنا يبلغ سرد إبوت أقصى فاعليته، حين يترك لإيماءة صغيرة أن تحمل وحدها ما تعجز عنه صفحات من التحليل، حين يتراجع التفسير وتبقى الشخصية وحركتها في الواجهة.

أقرب الناس إلينا يمنحوننا جزءا من صورتنا عن أنفسنا، ويملكون القدرة على تحطيمها

يبقى عنوان الرواية، "بين أصدقاء"، الذي يبدو بسيطا ومخادعا في آن. فما الذي يجوز "بين الأصدقاء" تحديدا؟ كم من الحقيقة تستطيع الصداقة احتمالها؟ وهل معرفة الآخر تمنحنا حق الحكم عليه، أم تفرض علينا قدرا أكبر من الرحمة؟ ومتى تتحول الصراحة إلى عنف، والمساعدة إلى سلطة، والمزاح إلى إذلال؟

رواية هال إبوت الأولى تنقب في هذه المنطقة الرمادية، حيث يصعب فصل الحب عن الحاجة، والوفاء عن التعلق، والإعجاب عن الحسد. وفي النهاية تترك قارئها أمام مفارقة مؤلمة: نحن نختار أصدقاءنا لأنهم يعرفوننا، ثم قد يأتي يوم يصبح فيه ما يعرفونه عنا تحديدا أخطر ما يملكونه.

font change

مقالات ذات صلة