عند الواحدة من ظهر أمس الخميس بتوقيت وسط أوروبا فتحت الأكاديمية السويدية بابها المعهود في ستوكهولم، وخرجت سكرتيرتها الدائمة إنغريد كارلبرغ إلى الصحافيين الحاضرين لتعلن فوز الشاعرة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب "لأعمالها الجريئة المبتكرة التي ابتدعت أشكالا جديدة للأدب المعاصر في حوار لعوب مع التراث الكلاسيكي". ربما عبرت هذه العبارة آذان الحاضرين بالسرعة التي تعبر بها عبارات على شاكلتها كل عام، ولكن ثمة بقية واحدة بقيت معلقة في الهواء لوقت أطول من أخواتها: «لعوب»، هذه الكلمة التي نطقت بها مؤسسة عرفت بالجدية والصرامة في طقس أدبي من أكثر الطقوس جدية إن لم يكن الأكثر.
هذه الكلمة تستوقف من يعرف سيرة هذه المرأة المولودة في تورونتو عام 1950، والتي أمضت سنوات تصنع صندوقا لأخ مات بعيدا عنها، كذلك أمضت عمرها وهي تترجم عن الإغريقية مسرحيات ينتهي الحال بأبطالها إلى المضي نحو حتوفهم، وفي كل نكتة من نكاتها يسمع صدى خفيف لتراب يهال.
ثمة مسافة بين الخفة التي رأتها الأكاديمية والحزن المقيم داخل الكتب، ومن داخل هذه المسافة تنكشف كارسون على نحو آخر لمن يطيل الإقامة في عالمها، والسبب في ذلك هو أن اللعب عندها بمثابة اللغة التي يتكلم بها الحزن حين يتعثر الكلام المباشر، وحيلة تستدعي بها موتاها إلى الحاضر فتجالسهم وتمازحهم لتبقيهم قربها لأطول وقت ممكن، ولعل الأكاديمية وهي تزن كلماتها بميزان الذهب قالت أكثر مما أرادت.
أخت أنتيغونا
أعادت كارسون عام 2012 كتابة مسرحية سوفوكليس في نص وضعت له عنوان "أنتيغونيك" (Antigonick) وجعلته يبدأ على خشبة معتمة تدخلها أنتيغونا وأختها إسمينا، فتقول الأولى (في الترجمة الني نشرها موقع مدينة ضمن ملف أعده وائل عشري): "نبدأ من الظلام/والميلاد هو موتنا"، ليليها مزاح بين الأختين في نسبة الكلام إلى صاحبه، فأنتيغونا تنسبه إلى هيغل في حين تراه إسمينا أقرب إلى بيكيت، لتستدرك الأولى أن بيكيت نفسه كان يعيد صياغة هيغل.
يمضي الحوار على هذه الخفة إلى أن تلتفت أنتيغونا نحو أختها لتسألها بنبرة ساخرة عن مرارة أو ألم، أو غثيان أو عار، أو صدمة أخلاقية نجتا منها منذ ولادتهما من شرور والدهما أوديب، قبل أن تنتقل بشكل مفاجئ إلى ما جاءت من أجله قائلة: "الآن هذا المرسوم". يبتسم القارئ لهذا المزاح الذي فيه تتجاذب الأختان نسبة عبارة، ثم يدرك أن المرسوم الذي تسأل عنه أنتيغونا هو قرار الملك بترك جثة أخيها في العراء، وأن الحكاية كلها تدور حول يد تصر على إهالة التراب فوق ذاك الجسد، لتغدو النكتة الفلسفية في أول المسرحية عتبة مرحة نحو قبر.




