تُشكل زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع تحولا جوهريا في إطار العلاقات بين البلدين، فهي أول زيارة لرئيس الوزراء العراقي إلى دمشق بعد سقوط النظام السوري السابق، وأعلى مستوى للقاء عراقي-سوري منذ 8 ديسمبر/كانون الأول عام 2024. لقاء يأتي في وقت حساس تعيشه المنطقة، ويعكس رغبة دمشق وبغداد في تجاوز خلافات بين الطرفين لصالح تحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية يحتاجها الطرفان بشدة في ظلّ الواقع الصعب الذي يعيشه الشرق الأوسط جيوسياسيا وأمنيا واقتصاديا.
في جعبة بغداد ودمشق كثير من الملفات: الطاقة وخطوط النقل، والاستثمار الاقتصادي، والتبادل التجاري والزراعي، والأمن، والحدود، والمعتقلون السوريون في سجون العراق الذين نقلهم التحالف الدولي من سجون "قسد"، وتعزيز التنسيق والتعاون. الزيدي والشرع التقيا في نيويورك قبل شهر تقريبا على خلفية اجتماعات الأمم المتحدة، وهو لقاء مهّد لزيارة الزيدي إلى دمشق، سيّما أن الملفات المشتركة بين الطرفين باتت متزايدة، الملفات التي فتحتها وزارات الخارجية، الداخلية، الدفاع، والعدل في البلدين عبر زيارات واتصالات متكررة بين المسؤولين فيها من كلا البلدين.
"المجلة" علمت من مصادر سورية وعراقية أن اللقاء بين الزيدي والشرع يُعد بالغ الأهمية في الوقت الحالي، لأنه بحث تسريع الخطوات التجارية والاقتصادية بين البلدين، وأمن الحدود وطبيعة التنسيق بين الطرفين والتحديات التي تواجه جهود دمشق وبغداد في هذا الإطار سواء بسبب نشاط ميليشيات عراقية على الحدود أو بسبب محاولات "داعش" وخلاياه استغلال المساحات الصحراوية على طرفي الحدود للتحرك وتنفيذ عمليات في البلدين. كذلك هناك ملف المعابر وزيارات العراقيين للمرافق الدينية الشيعية في سوريا من ناحية تسهيل الزيارات وتعزيز التدقيق والتبادل المعلوماتي الأمني بين الطرفين بخصوص ذلك، وملف الواقع الحساس لمنطقة الشرق الأوسط ومواقف كل من دمشق وبغداد من التطورات الحاصلة وسبل التعاون في إطار إيجاد بدائل اقتصادية ولوجستية في ظل أزمة مضيق هرمز التي أثرت على العالم والمنطقة اقتصاديا وأمنيا.
رئاسة الجمهورية العربية السورية قالت في بيان لها إن الشرع استقبل الزيدي والوفد المرافق له في قصر الشعب بدمشق، وبحسب البيان "بحث الجانبان سبل تعزيز العلاقات بين البلدين الشقيقين، وتطوير التعاون الأمني والاقتصادي والتجاري، إلى جانب مناقشة المستجدات الإقليمية والدولية، وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يخدم المصالح المتبادلة ويسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة".
وبحسب بيان مكتب الزيدي، فإن المباحثات بين الطرفين ركزت على "مناقشة عدد من القضايا، من بينها تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس، بطاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يومياً، وزيادة حجم التبادل التجاري، وكذلك العمل المشترك لتطوير القطاع الزراعي، لتحقيق التكامل الغذائي والاقتصادي".

فرص وتحديات مشتركة
تتفق الحكومتان السورية والعراقية على أهمية تأسيس علاقة متينة بين الطرفين على عدّة مستويات، اقتصادية، أمنية، وسياسية، هذه القناعة يمكن رؤيتها من خلال سياسة عدم إغلاق الأبواب منذ اليوم الأول لسقوط النظام السوري في 8 ديسمبر/كانون الأول عام 2024. دمشق وبغداد تريدان تجاوز كثير من التحديات التي تعكر مياه العلاقة التحالفية الخالصة، وتجاوز هذه التحديات ليس من باب عدم التطرق لها، بحسب ما قال مصدر عراقي لـ"المجلة"، بل من خلال معالجتها واحدة تلو الأخرى بروية وعدم استعجال، موضحا أن بغداد ودمشق "تريدان التركيز على نقطتين رئيستين في الوقت الحالي، الاقتصاد والحدود".
زيارة الزيدي إلى دمشق بحثت عدّة ملفات مشتركة، أبرزها ملف التعاون الاقتصادي والتجاري ومشروع خط النفط (الحديثة-بانياس) وأهميته بالنسبة للبلدين، وملف الحدود والتنسيق المشترك لمنع عمليات التهريب وحماية الحدود، وملف تنظيم "داعش" وتهديده على الأمن السوري والعراقي، وملف المعابر الحدودية والإجراءات المشتركة لتسهيل حركة الحافلات والزوار. وبحسب مصادر "المجلة" فإن هناك إجماعا عراقياً-سورياً على تسريع عمليات التنسيق المشترك بين البلدين في ملف التعاون الاقتصادي والتجاري، ومن المتوقع تعزيز الخطوات هذه بلجان مشتركة لدراسة الفرص وإمكاناتها قصيرة المدى.


