تعطل صادرات الحبوب الأوكرانية يهدد الأمن الغذائي العالمي بأزمة جديدة

اضطرابات مستجدة قد تجعل الصدمة أشد وطأة على البلدان الفقيرة

رويترز
رويترز
أحد العاملين يستخدم جرافة ذات عجلات لتحميل حبوب القمح من منشأة تخزين إلى شاحنة، داخل مجمع زراعي، في ظل الهجوم الروسي على أوكرانيا، في مقاطعة جيتومير، أوكرانيا، 7 أغسطس/آب 2026

تعطل صادرات الحبوب الأوكرانية يهدد الأمن الغذائي العالمي بأزمة جديدة

حين حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال منتدى وارسو الأمني في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، من أزمة حبوب قد تظهر خلال بضعة أشهر، لم يكن يتحدث فقط عن خسارة أوكرانيا إيرادات تصديرية. كان يحذر من انتقال الحرب مجددا من ساحل البحر الأسود إلى موائد بعيدة في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.

كان النص الرسمي لكلمته أكثر إلحاحا من بعض الصيغ التي نُقِلت عنه. قال إن العالم قد يبدأ، "خلال شهر أو شهرين"، الحديث عن أزمة زراعية وغذائية بعدما أغلقت المسارات البحرية التي تمر عبرها ملايين الأطنان من الصادرات الأوكرانية. وبعد خمسة أيام، طلبت كييف من بولندا ورومانيا وسلوفاكيا وهنغاريا تسهيل عبور شحنات الحبوب برا، في إقرار بأن المشكلة لم تعد مجرد خطر محتمل، بل أزمة لوجستية بدأت فعلا.

لكن تشبيه الأزمة الراهنة بما حصل عام 2022 يحتاج إلى شيء من الحذر. في الحالتين تقع بلاد زراعية كبرى تحت ضغط الحرب، وتتعطل الموانئ، وتقفز تكاليف التأمين والنقل، ويبحث المستوردون عن بدائل. مع ذلك، تختلف نقطة البداية والقدرة على التكيف وحجم المخزونات، كما تختلف خريطة البلدان الأشد تعرضا.

الأرجح أن العالم لا يتجه إلى نسخة طبق الأصل من أزمة عام 2022، لكنه قد يواجه أزمة أكثر تفاوتا: تستطيع الدول الغنية أو صاحبة الاحتياطات المالية والمخزونات الاستراتيجية امتصاصها، بينما تدفع الدول الفقيرة والمثقلة بالديون ثمنها رغيفا أغلى، وعملة أضعف، ومساعدات إنسانية أقل.

الحبوب موجودة... لكن إخراجها من أوكرانيا صار أصعب

تكمن المفارقة في أن أوكرانيا لم تفقد قدرتها على إنتاج الحبوب. تقدر وزارة الزراعة الأميركية، في أحدث توقعاتها لموسم 2026-2027، محصول القمح الأوكراني بنحو 26 مليون طن وصادراته بنحو 12.5 مليون طن. وتقدر محصول الذرة بنحو 31.8 مليون طن، مع صادرات محتملة تبلغ 22 مليون طن.

المشكلة، إذاً، ليست في الحقول إنما في المسافة بين الصومعة والسفينة، وبين السفينة والمشتري. فنحو 90 في المئة من صادرات أوكرانيا من القمح والذرة وبذور دوار الشمس تمر عادة عبر البحر الأسود، مما يجعل الموانئ البحرية عنق الزجاجة الحقيقي في تجارة الحبوب.

المشكلة ليست في الحقول إنما في المسافة بين الصومعة والسفينة، وبين السفينة والمشتري

قبل التصعيد الأخير، كانت موانئ منطقة أوديسا تتعامل مع نحو ستة ملايين طن من البضائع شهريا. لكن الهجمات على منشآت الموانئ والسفن التجارية خفضت الطاقة المتاحة ورفعت المخاطر على شركات الشحن والتأمين. وقال نائب وزير الاقتصاد الأوكراني تاراس فيسوتسكي في يونيو/حزيران إن أحجام الصادرات عبر هذه الموانئ قد تنخفض إلى أربعة ملايين طن شهريا، مع إمكان تحويل نحو مليون طن فقط إلى محطات الدانوب، نظرا إلى ارتفاع تكلفة النقل عبرها.

رويترز
حبوب القمح تُحمّل على متن سفينة الشحن "ميجدوريتشينسك" قبل إبحارها إلى مدينة روستوف أون دون الروسية، في ميناء ماريوبول الخاضع للسيطرة الروسية، خلال الحرب الروسية الأوكرانية، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023

وتظهر بيانات رسمية أوكرانية أن صادرات الحبوب منذ بداية موسم 2026-2027 وحتى 16 أكتوبر/تشرين الأول بلغت 5.93 ملايين طن، مقارنة بنحو 7.9 ملايين طن في الفترة نفسها من الموسم السابق، أي بانخفاض يقارب 25 في المئة. وكان التراجع أشد في القمح، إذ هبطت صادراته بنحو 41 في المئة إلى 3.34 ملايين طن، وفي الشعير الذي انخفض بنحو 52 في المئة إلى 473 ألف طن. وحدها صادرات الذرة سجلت ارتفاعا، بفعل اختلاف توقيت الحصاد والعقود بين محصول وآخر.

وبتحليل هذه الأرقام ندرك أن العالم لم يخسر الكمية نفسها من الغذاء فورا. فقد تستبدل الأسواق بجزء من القمح الأوكراني إمدادات من روسيا أو الاتحاد الأوروبي أو الأرجنتين أو أوستراليا أو الولايات المتحدة. لكنها تعني أن الحبوب البديلة قد تأتي من مسافة أبعد، وبسعر أعلى، وبمواصفات مختلفة، وبعد تأخير لا تستطيع كل دولة تحمله.

كذلك يتسبب استمرار الانسداد بمشكلة مؤجلة داخل أوكرانيا. إذا عجز المزارع عن بيع محصوله أو اضطر إلى قبوله بسعر منخفض بسبب ارتفاع تكلفة النقل، فلن تكون لديه السيولة اللازمة لشراء البذور والأسمدة والوقود للموسم التالي. عندها تتحول أزمة النقل في عام 2026 إلى أزمة إنتاج في عام 2027.

لماذا كانت صدمة عام 2022 مختلفة؟

عشية الحرب الواسعة في عام 2022، كانت روسيا وأوكرانيا توفران معا ما بين 27 و30 في المئة من صادرات القمح العالمية، وفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وكانت أوكرانيا تصدر نحو 45 مليون طن من الحبوب سنويا، بينها قرابة 20 مليون طن من القمح في عام 2021.

جاءت الحرب يومها فيما كان العالم خارجا من جائحة كوفيد-19، وسلاسل الإمداد لم تستعد توازنها، وأسعار الطاقة والأسمدة مرتفعة، والمخزونات أقل راحة. وخلال الأسابيع الأولى، علق نحو 22 مليون طن من الحبوب في الصوامع والموانئ الأوكرانية. ولم تكن الأسواق تعرف إن كانت صادرات أوكرانيا ستعود، أو إن كانت العقوبات ستعطل الإمدادات الروسية، أو ما إذا كانت البلدان المنتجة ستفرض قيودا على التصدير لحماية أسواقها الداخلية. 

وأشارت "الأونكتاد" إلى أن التخزين والقيود التصديرية والسياسات النقدية والمالية التوسعية أسهمت في ارتفاع أسعار السلع الزراعية خلال فترة التعافي من الجائحة، قبل الحرب. وبلغ مؤشر "فاو" لأسعار الغذاء مستوى قياسيا في مارس/آذار 2022 عند 159.3 نقطة، مرتفعا بنسبة 12.6 في المئة عن فبراير/شباط، وفق البيانات المنشورة في 8 أبريل/نيسان 2022. وكان هذا أعلى مستوى منذ بدء تسجيل المؤشر عام 1990.

اسهمت التخزين والقيود التصديرية والسياسات النقدية والمالية التوسعية في ارتفاع أسعار السلع الزراعية خلال فترة التعافي من الجائحة، قبل الحرب

إلا أن مبادرة حبوب البحر الأسود، التي توسطت فيها الأمم المتحدة وتركيا لتأمين تصدير الحبوب الأوكرانية بحرا، أسهمت في تخفيف الصدمة. تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أنها أتاحت، بين يوليو/تموز 2022 ويوليو 2023، تصدير نحو 33 مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية من الموانئ الأوكرانية عبر 730 سفينة و1,004 رحلات.لم تتجه الشحنات كلها مباشرة إلى البلدان الفقيرة، إذ لم تحصل سوى على نحو 2.5 في المئة من إجمالي الشحنات، مقابل 57 في المئة ذهبت إلى دول متوسطة الدخل. ومع ذلك، اشترى برنامج الأغذية العالمي 725 ألف طن من القمح لتوفير الغذاء للفئات الأكثر احتياجا في عدد من الدول التي تعاني انعدام الأمن الغذائي. ومع ذلك، تشير هذه الشحنات إلى عودة المحاصيل إلى السوق الدولية مما زاد المعروض وخفض الأسعار التي يدفعها المستوردون وبرامج الإغاثة. 

رويترز
أطفال نازحون خارج ملاجئهم المؤقتة، مديرية كحدا بالعاصمة الصومالية مقديشو، 7 مايو/أيار 2026

أما في عام 2026، فلم تعد أوكرانيا والتجار يواجهون الأزمة من نقطة الصفر. فمنذ عام 2022، اكتسبوا خبرة في تحويل الشحنات عبر موانئ الدانوب والسكك الحديد والممرات الأوروبية، وأصبحت هذه الطرق جزءا من منظومة التصدير الأوكرانية. لكن تجدد اضطرابات البحر الأسود كشف حدود هذا التكيف: ففي أغسطس/آب 2026، مرّ نحو 90 في المئة من صادرات أوكرانيا من الحبوب والبذور الزيتية عبر ممرات التضامن الأوروبية، فيما لم تتجاوز حصة البحر الأسود نحو 10 في المئة.

غير أن تغيير المسار لا يعني الحفاظ على التكلفة أو القدرة الاستيعابية. فقد ارتفعت تكاليف نقل الحبوب الأوكرانية بنحو 50 دولارا للطن بعد توقف عمليات الموانئ، فيما واجهت طرق الدانوب بدورها قيودا بسبب انخفاض مستويات المياه والازدحام. وهكذا، لا تكمن المشكلة في غياب البدائل، بل في قدرتها على نقل الكميات المطلوبة بالسرعة والتكلفة اللتين توفرهما الموانئ البحرية العميقة.

وفرة عالمية لا تعني غذاء رخيصا

تتوقع "فاو"، في نشرتها الصادرة في أكتوبر/تشرين الأول أن يبلغ إنتاج الحبوب العالمي في عام 2026 نحو 2.97 مليار طن، بانخفاض 2.1 في المئة عن المستوى القياسي المسجل في العام السابق، لكنه يظل ثاني أعلى محصول في التاريخ. ومع ذلك، خفضت المنظمة توقعاتها للتجارة العالمية في الحبوب 0.7 في المئة عن تقديراتها السابقة، بسبب تراجع صادرات القمح والذرة والقيود التي تواجه الشحن في البحر الأسود.

وتشير تقديرات وزارة الزراعة الأميركية إلى محاصيل كبيرة لدى عدد من المصدرين. يُقدَّر إنتاج القمح الروسي بنحو 88 مليون طن، فيما يُتوقَّع أن تنتج الأرجنتين 21.5 مليون طن. وتوفر هذه المحاصيل قاعدة إمدادات مهمة للأسواق العالمية، لكنها لا تضمن استقرار الأسعار، خصوصا مع توقع تجاوز الاستهلاك العالمي للقمح حجم الإنتاج، وتراجع المخزونات، واستمرار اضطرابات الشحن في البحر الأسود. 

رويترز
مركبات تعبر بالقرب من صوامع بنها لتخزين حبوب القمح، في محافظة القليوبية، مصر، 4 مايو/أيار 2026

بلغ مؤشر "فاو" لأسعار الغذاء في سبتمبر/أيلول 2026 نحو 136 نقطة، مرتفعا 1.5 في المئة خلال شهر و5.8 في المئة على أساس سنوي، وإن ظل أقل 15.1 في المئة من ذروة مارس/آذار 2022. وارتفع مؤشر الحبوب وحده 5.1 في المئة خلال سبتمبر/أيلول، فيما زادت أسعار القمح العالمية 6.3 في المئة، لتبلغ أعلى مستوياتها منذ أغسطس/آب 2023. وعزت "فاو" هذه الزيادة في صورة أساسية إلى القيود اللوجستية في البحر الأسود وتحول المستوردين إلى مناشئ بديلة.

وهنا يظهر الفارق بين توافر الغذاء عالميا والقدرة على شرائه محليا، إذ قد يكون القمح موجودا في الأرجنتين أو أوستراليا، لكن نقله إلى شرق المتوسط أو إلى شرق أفريقيا يتطلب رحلة أطول، ووقودا أكثر، وتأمينا أعلى.

وتتزامن أزمة البحر الأسود مع ارتفاع تكلفة الطاقة والأسمدة، واضطراب طرق ملاحة أخرى، وتقلب العملات في البلدان النامية، وضعف قدرة الحكومات على دعم الخبز أو بناء المخزونات. لذلك قد لا يتكرر الارتفاع القياسي المسجل في عام 2022، لكن السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك الفقير يمكن أن يكون أشد قسوة بسبب تدهور دخله وعملته.

من سيدفع الثمن الأكبر؟

لن تتضرر البلدان بالوتيرة نفسها. ويمكن قياس مستوى التعرض بثلاثة عناصر، هي نسبة الاعتماد على حبوب البحر الأسود، وحجم المخزون الاستراتيجي، والقدرة المالية على دفع علاوة السعر والنقل.

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تظل مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم ومن أبرز مشتري الحبوب الروسية والأوكرانية إذ تستورد بين 10 إلى 13 مليونا سنويا، كما أن روسيا وأوكرانيا من أبرز مورديها، وشكّل البلدان معا أكثر من 70 في المئة من واردات مصر من القمح خلال الفترة 2014–2023. لكن القاهرة دخلت الأزمة بهامش حماية أفضل نسبيا، بعدما اشترت الحكومة كمية قياسية بلغت نحو 4.6 ملايين طن من القمح المحلي حتى يونيو/حزيران، مقتربة من هدفها البالغ خمسة ملايين طن. ولا يملك القطاع الخاص، مع ذلك، المخزونات أو شروط التمويل نفسها، كما أن التحول إلى موردين أبعد يرفع التكلفة.

أما البلدان التي دخلت الأزمة بمخزون مريح فستكون أقدر على الانتظار وتجنب الشراء في ذروة الأسعار. ففي الأردن مثلا، أعلنت وزارة الصناعة والتجارة والتموين في أغسطس/آب أن الاحتياطات والكميات المتعاقد عليها تغطي نحو 9.6 أشهر من الاستهلاك. لكن حتى الدول صاحبة الاحتياطات القوية لن تكون بمنأى من ارتفاع التكلفة إذا طال إغلاق المسارات البحرية.

رويترز
أحد العاملين يحمل الحبوب في شاحنة داخل منشأة لتخزين الحبوب، في ظل الهجوم الروسي على أوكرانيا، في مقاطعة خاركيف، أوكرانيا، 3 أغسطس/آب 2026

وتظهر علاوة الاضطراب في مناقصات حديثة لشراء القمح، وإن تفاوتت الأسعار بحسب موعد التسليم والمنشأ وشروط الشحن. وتضطر دول مستوردة إلى البحث عن بدائل من رومانيا وبلغاريا ومناشئ أبعد، بما يعكس تكلفة التأمين والنقل وإعادة توجيه الشحنات، لا نقص القمح وحده.

يُتوقَّع أن يواجه نحو 5.4 ملايين شخص في الصومال مستويات الأزمة من الجوع أو ما هو أسوأ بين أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول 2026، أما في السودان، فيواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد

أما في آسيا، فتعتمد أسواق مثل إندونيسيا وبنغلاديش وفيتنام وتايلاند على قمح البحر الأسود لما يوفره من سعر تنافسي. ونقلت وكالة "رويترز" عن تجار أن المشترين الآسيويين حجزوا ما بين مليوني طن و2.5 مليون طن من قمح منطقة البحر الأسود للتسليم بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول، وهو ما يعادل ما بين 30 و50 في المئة من الطلب لدى بعض المستوردين. ويُعرَض القمح الأوسترالي بنحو 315 إلى 330 دولارا للطن، مقارنة بما بين 260 و280 دولارا لبعض إمدادات البحر الأسود.

لكن الخطر الأكبر يقع في البلدان التي تجمع بين الاعتماد على الاستيراد والصراع الداخلي وضعف المساعدات. ووفق أحدث تقديرات برنامج الأغذية العالمي ووكالات الأمم المتحدة، يُتوقَّع أن يواجه نحو 5.4 ملايين شخص في الصومال مستويات الأزمة من الجوع أو ما هو أسوأ بين أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول 2026. وفي السودان، يواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقت تعاني فيه العمليات الإنسانية نقصا شديدا في التمويل.

رويترز
أحد أفراد خفر السواحل الأوكرانيين يشغل مدفعا على متن زورق دورية، بينما تمر سفينة شحن في البحر الأسود، في ظل الهجوم الروسي على أوكرانيا، 7 فبراير/شباط 2024

فبالنسبة إلى هذه البلدان، لا يلزم أن تختفي الحبوب من الأسواق لكي تقع الكارثة. يكفي أن يرتفع سعر الشراء والنقل بضعة أسابيع، فيما تفتقر منظمات الإغاثة إلى المال اللازم لمجاراة الزيادة.

الممرات البديلة لا تصنع بحرا آخر

منذ عام 2022، استثمرت أوكرانيا وشركاؤها في موانئ الدانوب والنقل بالسكك الحديد والطرق البرية وخطوط العبور الأوروبية. وقد ساعدت هذه المنافذ في منع توقف الصادرات تماما، لكنها أكثر تكلفة وأقل قدرة من موانئ البحر الأسود. الا ان زيادة الصادرات البرية ليست مجرد مسألة توفير قطارات إضافية. فثمة اختلاف في عرض خطوط السكك الحديد بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، وحاجة إلى إعادة تحميل الشحنات عند الحدود، وطوابير وفحوص جمركية، فضلا عن حساسية سياسية لدى المزارعين في البلدان المجاورة الذين يخشون دخول الحبوب الأوكرانية إلى أسواقهم بدلا من عبورها فقط.

ومن هنا تكتسب موافقة الدول المجاورة على العبور أهمية خاصة. ويقوم المقترح الذي بحثه زيلينسكي معها على نقل الذرة والحبوب في قطارات مختومة إلى وجهاتها النهائية، بما يمنع تسربها إلى الأسواق المحلية. لكنه يحتاج إلى رقابة جمركية وتنسيق سياسي وطاقة نقل لا يمكن توفيرها بين ليلة وضحاها.

ويزيد تحويل الصادرات إلى موانئ نهر الدانوب الضغط على البنية التحتية الرومانية ويجعل السفن أقرب إلى مناطق الهجمات. حتى الآن، ظل ميناء كونستانتسا الروماني المطل على البحر الأسود عاملا حاسما في إبقاء جزء من التجارة متدفقا، لكن أي اتساع في نطاق الخطر البحري سيرفع أقساط التأمين وقد يدفع مزيدا من الشركات إلى الابتعاد.

لا تملك روسيا بدورها بديلا سريعا وكاملا من البحر الأسود. بحسب بيانات الصناعة والشحن، مر نحو 46.3 مليون طن من الحبوب الروسية عبر موانئ البحر الأسود وبحر آزوف في موسم 2025-2026، أي نحو 90 في المئة من صادراتها البحرية من الحبوب. أما موانئ البلطيق، فعلى الرغم من إمكان توسيع استخدامها، فلا تستطيع استيعاب تحول واسع النطاق في وقت قصير.

وهذا مهم لأن أي اضطراب متزامن للصادرات الروسية والأوكرانية لا يترك أمام المستوردين خيارات رخيصة كثيرة، حتى إذا كان الإنتاج العالمي الإجمالي وفيرا.

font change