تحول صراع النفوذ بين "داعش" و"القاعدة"، وتضارب المصالح التنظيمية والشخصية، والتنافس على فرض البيعة، واحتكار تمثيل المشروع الجهادي، والسيطرة على طرق الإمداد ومناطق التجنيد والموارد المالية، إلى معارك منهجية وفكرية دموية يسقط فيها المئات من القتلى، وبرز هذا بصورة واضحة في منطقة الساحل الأفريقي، خصوصًا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. ثم القرن الأفريقي الذي شهد مواجهات محتدمة بين الطرفين.
ومؤخرا تحدثت تقارير محلية نشرت في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن معارك شهدها قطاع تيسيت المالي يوم 9 أكتوبر، قرب الحدود البوركينية. وادعى تنظيم الدولة قتل 400 من مقاتلي "النصرة"، بينهم قياديون، وتدمير 300 دراجة نارية، والاستيلاء على مركبة وأكثر من 460 سلاحا رشاشا و13 قاذفة صواريخ و104 دراجات. وفي المقابل، هناك رواية مضادة عن مقتل أكثر من 200 على يد "نصرة الإسلام"، بينهم خمسة قياديين.
الحرب أولا ثم الفكر
اتخذ الصراع في أفريقيا أشكالا متعددة، تتداخل فيها الانقسامات الفكرية مع حسابات البقاء والتوسع وإعادة توزيع القوة داخل التنظيمات المسلحة. وتوالى طرح المعالم الأيديولوجية بين الطرفين في المنتديات وصفحات التواصل والوكالات الإعلامية، وتم نشر التباينات وكتابات التكفير بين الطرفين.
لا يمر أسبوع تقريبا إلا وتتحدث وسيلة إعلامية من منصات "داعش" المركزية، أو الفرعية عن تكفير من لم يبايع التنظيم، وتكفير من يستخرج جواز سفر أو يحمل هوية، وإخراج الموظفين بالعموم من الإسلام بغير تفصيل، وتكفير من يطلب الشفاعة من الاستشهادي ونعت الاستشهادي الذي تطلب منه الشفاعة بالطاغوت، بل وإخراج جملة من علماء المسلمين من الأموات والأحياء من الملة، وكل هذا بسبب عدم مبايعتهم لتنظيم "داعش".
ابتداءً فإن هناك قاعدة انطلقوا منها جميعاً أن الشريعة الإسلامية غير مطبقة، وأن استبدالها بقوانين وضعية معناه اختيار الكفر على الإيمان، وإنزال هذا الحكم على رؤساء هذه الدول، التي يطلقون عليها: الديار، وهنا يتباين التيار الداعشي في ذلك أيضاً، فمنهم من يكفّر الحكام وأعوانهم، وبعضهم يتوسع فيضع كل الهيئات التابعة للسلطة، أو من يتوسع ليشمل ذلك الشعب كله، وهنا تظهر الطائفة التي تعذر الشعب بالجهل أو التأويل ومن لا يعذر، ومن يحكم على أعوان الحاكم بالكفر والردة ومن يحكم عليه بمفرده، ومن يكفّر الطوائف كالشيعة على العموم ومن يكفر رؤساءهم فقط، ومن يقبل توبة المرتد ومن لا يقبلها.
بالاطلاع على التغريدات الأخيرة، وصفحات نشرة "النبأ" الأسبوعية، يتبين أن كلا من الفريقين "القاعدة" و"داعش" مستغرقان في فكرة السيطرة على مدينة نائية وإعلانها إمارة إسلامية بحجة الحفاظ على ثمرة "الجهاد"، وتنفيذ التفجيرات العشوائية بحجة عالمية "الجهاد"، وإلغاء ضوابط التترس والعمليات الانتحارية، لكن الأهم هو عدم الحصانة لمجرد الانتماء لـ"القاعدة" والتعصب للأسماء والولاء لها، بل وتكفير القادة مثل سيف العدل أو زعيم "حركة الشباب" و"النصرة" أو غيرهم لأنهم حاربوا التنظيم.

حرب تكفيرية بلا هوادة
بدأ التمايز الأيديولوجي بين الطرفين عام 2014 حين أصدرت "مؤسسة الفرقان" الإعلامية كلمة صوتية للناطق أبو محمد العدناني حدد فيها إطار المنهج الفكري، وبعدها وقعت المناظرة الشهيرة بين أبي بكر القحطاني وأبي مسلم المصري من جهة، وأبي يزن الشامي القيادي السابق في حركة "أحرار الشام"، وفيها بانت كيفية الحكم على الناس بالولاء والبراء، ومسألة العذر بالجهل والتأويل، وكيف وصفوا بالردة كل من لم ينتم لتنظيمهم. وهنا بدأت علناً تطرح تلك المسائل وهي: العذر بالجهل في مسائل الكفر والشرك، وتكفير العاذر (المتوقف في التكفير)، وحكم المتوقف في تكفير المشركين، وأحكام القاطنين في ديار الكفر الطارئ، وطلب الشفاعة من البشر (أحياء أو أمواتا) هل هو شرك بذاته أم بدعة مفضية للشرك؟

