يثير إعلان جماعة الحوثي أنها ستعد أي دعم دفاعي تقدمه مصر إلى السعودية "إعلان حرب" على اليمن تساؤلات حول مدى استعداد القاهرة لتحمل التبعات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي قد تترتب على تقديم هذا الدعم.
وجاء الإعلان على لسان القيادي الحوثي محمد علي الحوثي في 27 أكتوبر/تشرين الأول، بعد تفويض البرلمان المصري الرئيس عبد الفتاح السيسي بتقديم دعم دفاعي للمملكة. وقد صدر قرار البرلمان بعد نحو عشرة أيام من طلب السيسي تفويضا يتيح له تقديم هذا الدعم، عقب تعهده بحماية السعودية.
ومنذ اندلاع الاضطرابات الإقليمية التي أعقبت هجمات السابع من أكتوبر 2023 على إسرائيل، حرصت مصر على تجنب الانجرار إلى دوامة الصراعات التي اجتاحت المنطقة. فقد التزمت ضبط النفس إزاء المحاولات الإسرائيلية لتهجير سكان غزة إلى سيناء، وتجاهلت الخطاب المتشدد لأعضاء الحكومة الإسرائيلية المنتمين إلى اليمين المتطرف، متمسكة بمعاهدة السلام الموقعة عام 1979 مع الدولة التي تعرّف نفسها بأنها يهودية.
وعندما بدأ الحوثيون استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر عقب أكتوبر 2023، قاومت القاهرة الدخول في أعمال انتقامية ضد الحوثيين، على الرغم من الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تكبدتها نتيجة تلك الهجمات.
ومع اتساع رقعة العنف الإقليمي مطلع العام الجاري، إثر الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران وما أعقبها من الاعتداءات على دول الخليج، سعت القاهرة إلى مساندة هذه الدول من خلال تقديم مساعدات دفاعية، مع تجنب المشاركة في العمليات الهجومية. فأرسلت طائرات مقاتلة إلى بعضها، ومنظومات دفاع جوي إلى بعضها الآخر. وفي الوقت نفسه، كثفت جهودها الدبلوماسية لخفض التصعيد، وأجرت اتصالات مع إيران والولايات المتحدة وباكستان وروسيا والصين، فضلا عن دول الخليج.

ووسط هذه الاضطرابات، رأت مصر في الصراع فرصة لتحقيق مكاسب اقتصادية، فسعت إلى ترسيخ مكانتها ركيزة للاستقرار والأمن في المنطقة. وقد جنت بعض المكاسب بالفعل، تمثلت في ارتفاع أعداد السياح، وزيادة الاستثمارات الأجنبية، واحتدام التنافس الدولي على استقطاب استثمارات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إليها. كما حاولت تقديم نفسها مسارا بديلا لنقل إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية، ولا سيما في ظل الهجمات التي استهدفت المنشآت النفطية في الخليج.
كانت تلك بعض ثمار الحياد المصري، ودليلا على أن سياسة عدم الانحياز يمكن أن تحقق مكاسب قصيرة في منطقة تعصف بها الاضطرابات. غير أن هجوما بطائرة مسيرة استهدف ميناء دمياط على البحر المتوسط أواخر يوليو/تموز كشف هشاشة الحصانة التي ظنت القاهرة أن التزامها الحياد يوفرها لها.
واليوم، ينذر إدراج الحوثيين مصر ضمن قائمة أعدائهم بتعميق هذه الهشاشة، ويطرح سؤالا جوهريا: هل ما زال الحياد خيارا قابلا للاستمرار بالنسبة إلى القاهرة؟
أمن البحر الأحمر ضرورة استراتيجية
عندما طلب الرئيس السيسي موافقة البرلمان على إرسال دعم دفاعي إلى السعودية، قدّم الخطوة في إطار رد الجميل للمملكة، تقديرا لما قدمته لمصر من دعم مالي وسياسي خلال الاضطرابات التي أعقبت عام 2013، إثر إطاحة الجيش بحكم جماعة "الإخوان المسلمين".

