معركة الجوف… القوات المسلحة اليمنية تقلب موازين القوى

تحول استراتيجي

رويترز
رويترز
مقاتل قبلي موالٍ للحكومة اليمنية يستخدم منظاراً لاستطلاع مواقع الحوثيين في منطقة تقع بين محافظتي الجوف ومأرب في شمال اليمن، 5 ديسمبر 2015

معركة الجوف… القوات المسلحة اليمنية تقلب موازين القوى

فيما يسعى الحوثيون إلى السيطرة على مدينة تعز والالتفاف على القوات الحكومية في محور باب المندب، تتقدم القوات المسلحة اليمنية عبر مواقع شديدة التحصين ومليئة بالألغام تسيطر عليها الجماعة في محافظة الجوف شمال شرقي اليمن. وقد حققت القوات الحكومية خلال الأسبوع الماضي تقدما سريعا في المحافظة. فبعد استعادة جبل الحواشيان أواخر أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت قوات الطوارئ عن مكاسب إضافية في محيط الدحيضة ومليفيفة يومي 3 و4 نوفمبر/تشرين الثاني، ضمن عملية أوسع للسيطرة على المرتفعات الاستراتيجية، بدعم جوي كثيف من التحالف العربي وإسناد من المقاومة الشعبية القبلية المتحالفة مع القوات الحكومية.

ومع انتقال المعارك إلى الأراضي المكشوفة، يكمن المعيار الرئيس لقياس الفاعلية العسكرية للحملة الحالية في تثبيت السيطرة على المرتفعات الحاكمة ومواصلة التقدم نحو بئر المرازيق وصولا إلى الحزم. فإذا حافظ الهجوم على وتيرته، ونجحت القوات الحكومية في توحيد القيادة واختراق تحصينات الحوثيين واستعادة الحزم، أمكن أن تعيد المعركة تشكيل ميزان القوى العسكرية وتقطع خطوط إمداد الحوثيين على امتداد الجبهة الشمالية الشرقية.

الأهمية الاستراتيجية للجوف والحملة العسكرية

تحتل محافظة الجوف موقعا استراتيجيا يربط معاقل الحكومة في مأرب وحضرموت بأجزاء من الحدود السعودية، وبصنعاء وعمران ومناطق من مأرب الخاضعة لسيطرة الحوثيين. واستعادة المحافظة ستعزز العمق الاستراتيجي للقوات المسلحة اليمنية وقدرتها على الدفاع عن مواقعها في مأرب، وتحد من التهديدات الأمنية على الحدود السعودية، وتوسع نطاق العمليات الهجومية في اتجاهات متعددة تشمل جبهات المتون والمطمة وحيوان وفرضة نهم وصرواح. كما ستتيح تهديد خطوط دفاع الحوثيين وإجبارهم على تحويل جزء من قواتهم ومواردهم للدفاع عن صعدة.

سياسيا، ستعزز استعادة الحزم موقف الحكومة، وإن لم تعوض انتكاساتها على الجبهة الساحلية. وستبعث برسالة واضحة مفادها أن استعادة الأراضي من قبضة الحوثيين ممكنة، إذا توافرت الوسائل المناسبة وحسن اختيار الأساليب وتحديد الأهداف.

ولا تقل أهمية الرصيد الاجتماعي للجوف عن موقعها الاستراتيجي. فشبكاتها القبلية تتيح إمكانات واسعة للتعبئة، وتوفر روابط ممتدة بين المناطق، وتشكل رافعة للمقاومة المناهضة للحوثيين. وقد سعت الجماعة إلى احتواء هذه الشبكات بمزيج من القسر والترهيب والإغراء والاستمالة وتوزيع المنافع. وأظهرت التحركات القبلية التي شهدتها المحافظة في وقت سابق من العام، ولا سيما اعتصام الريان، حجم الاستياء الشعبي المتراكم نتيجة قمع الحوثيين واحتكارهم السلطة والثروة، وإمعانهم في إهانة الوجهاء والتدخل في الأعراف القبلية وصلاحيات المرجعيات التقليدية.

أ.ف.ب
مقاتلون موالون للقوات الحكومية اليمنية يتمركزون في أحد المواقع خلال اشتباكات مع الحوثيين في محافظة الجوف بشمال غرب اليمن، في 2 نوفمبر 2026

ومن شأن تحقيق تقدم عسكري ملموس، في ظل السخط المحلي المتنامي، أن يوسع التحالف المناهض للحوثيين الذي تقوده الحكومة، ويشجع على إعادة تشكيل الاصطفافات خارج الجوف، ويساعد على ترميم الثقة بين المجتمعات المحلية والدولة.

غير أن استثمار أي نجاح عسكري يقتضي المسارعة إلى تثبيت الاستقرار، وبناء مؤسسات الدولة، وترسيخ الحكم الرشيد، وتوحيد سلسلة القيادة، ودعم التنمية المحلية. وفي هذا السياق، تكتسب تعبئة الرصيد الاجتماعي للجوف وتحويله إلى حركة شعبية واسعة ومستدامة تتحدى حكم الحوثيين أهمية حاسمة في التقدم نحو صنعاء.

ومع ذلك، تبقى التوازنات القبلية عاملا حاسما في فهم موازين القوى المحلية وتقدير فرص نجاح الهجوم. فقد واجه التوسع الحوثي في مراحل سابقة مقاومة من مجتمعات قبلية، بينها فرعا ذو حسين وذو محمد من قبيلة دهم المنضوية في اتحاد قبائل بكيل. لكن معارضة حكم الحوثيين لا تعني بالضرورة تأييد الحكومة اليمنية تأييدا مطلقا.

فزعماء القبائل، ومنهم العكيمي، يحتفظون بمصالح وحسابات خاصة، وقد يعارضون تسلط الحوثيين وسلطة الحكومة على السواء إذا استُبعدوا من ترتيبات الحكم ولم يحصلوا على نصيب من السلطة والثروة.

وفي الجوف، كما في مناطق يمنية أخرى، تشكلت التحالفات والاصطفافات تاريخيا وفق موازين قبلية ومصالح متغيرة، وخصومات محلية، ومظالم أو طموحات شخصية، فضلا عن طبيعة العلاقات مع السلطات الحاكمة. وفي زمن الحرب، لا تقل أهمية التكتيك عن أهمية الاستراتيجية.

في الجوف، كما في مناطق يمنية أخرى، تشكلت التحالفات والاصطفافات تاريخيا وفق موازين قبلية ومصالح متغيرة، وخصومات محلية، ومظالم أو طموحات شخصية

جبهة تشهد إعادة تنظيم

يتزامن هجوم القوات المسلحة اليمنية في الجوف مع تغييرات جزئية في القيادات العسكرية والتنفيذية والمحلية التابعة للحكومة. ففي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، أعاد الرئيس رشاد العليمي تعيين اللواء أمين العكيمي، وهو شخصية قبلية بارزة تنتمي إلى فرع ذو حسين من قبيلة دهم، محافظا للجوف وقائدا لمحورها العسكري، جامعا بذلك السلطتين المدنية والعسكرية في المحافظة.

كما نقل الرئيس سلفه اللواء حسين العواضي إلى محافظة البيضاء، وأجرى تعديلات شملت تعيين ثلاثة وزراء وقيادات محلية جديدة في تعز وطور الباحة.

ويرى عدد من الشخصيات البارزة في "حزب الإصلاح"، ممن سعوا إلى إعادة تعيين الشيخ العكيمي، أن المحافظ قادر على حشد الدعم القبلي، وتحسين تسلسل القيادة العسكرية، وربط العمليات الميدانية بالتوازنات السياسية المحلية.

لكن العكيمي ليس وجها جديدا. فقد كان محافظا للجوف عندما سقطت عاصمتها الحزم في أيدي الحوثيين عام 2020. ولذلك، يضع الهجوم الجاري القوات المسلحة اليمنية والقبائل المحلية والداعمين في التحالف أمام اختبار قدرتهم على تجاوز أوجه الخلل العسكري والاجتماعي والسياسي والمؤسسي التي أسهمت في خسارة الحزم آنذاك، قبل أن يكثف الحوثيون ضغوطهم العسكرية على مأرب.

وتبرز هنا أهمية تنسيق الأجندات السياسية ومواءمتها. فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الأطراف المعنية على تجاوز إخفاقات عام 2020، من خلال ضمان التنسيق العملياتي، وحشد تأييد المجتمعات المحلية والأحزاب السياسية، وتأمين خطوط إمداد موثوقة، وإرساء إدارة محلية تتسم بالشفافية وتخضع للمساءلة.

الحوثيون يكثفون هجماتهم ويحشدون التعزيزات

يسعى الحوثيون إلى التكيف سريعا مع التطورات الميدانية وإعادة نشر قواتهم للحيلولة دون خسارة مزيد من الأراضي، وتأمين مواقعهم في صعدة وعمران وصنعاء وأجزاء من مأرب، مع مواصلة الضغط على جبهتي تعز ولحج. ووفقا لأحدث التقارير الصحافية والعسكرية، أعادت الجماعة المدعومة من إيران نشر تشكيلات قتالية متخصصة من محافظتي صعدة ومأرب باتجاه الحزم والمديريات المجاورة، ووسعت شبكات الخنادق والسواتر الترابية وحقول الألغام على محاور التقدم المؤدية إليها.

وتهدف هذه التحضيرات إلى رفع كلفة تقدم القوات الحكومية، وإبطاء مناوراتها البرية، وعرقلة تثبيت سيطرتها على المواقع المستعادة، وتهيئة الظروف لشن هجمات مضادة. كما يسعى الحوثيون إلى دفع القوات المسلحة اليمنية نحو محاور مكشوفة يسهل استهدافها بنيران مركزة من الطائرات المسيّرة والمدفعية والصواريخ.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى نشر وحدات الهندسة العسكرية لإزالة الألغام من المواقع المستعادة، وتسهيل حركة المدنيين، وتحصين المواقع الدفاعية، وتأمين خطوط الإمداد. وفي المقابل، تستهدف قيادة القوات المشتركة للتحالف العربي، بمساندة الطائرات المسيّرة التابعة للقوات المسلحة اليمنية، تحصينات الحوثيين وتعزيزاتهم ومعداتهم ومستودعاتهم.

(المركز الإعلامي للقوات اليمنية/ رويترز)
مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية خلال اشتباكات مع جماعة الحوثي اليمنية في موقع يظهر في مقطع فيديو أنه بالقرب من مدينة الحزم باليمن، في 9 سبتمبر 2026

غير أن قدرة الحوثيين على إعادة تشكيل قواتهم وتعويض خسائرهم لا تزال قائمة إلى حد كبير. كما أن الجماعة لا تتورع عن التضحية بآلاف المقاتلين للاحتفاظ بالأراضي الخاضعة لسيطرتها أو الدفاع عنها، إذ لا تحتل حياة الإنسان مكانة تذكر في حساباتها.

وكثف الحوثيون، بدعم من "الحرس الثوري" الإيراني و"حزب الله"، هجماتهم بالصواريخ الباليستية على مواقع القوات المسلحة اليمنية ووحداتها المتقدمة. ففي الرابع من نوفمبر، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، مسؤولية جماعته عن إطلاق ستة صواريخ باليستية على تجمعات للقوات الحكومية شرقي الجوف، زاعما أنها أوقعت خسائر بشرية كبيرة.

وأفادت تقارير بوقوع هجمات مماثلة استهدفت مواقع القوات المسلحة اليمنية في محافظتي لحج والضالع، في إطار عقيدة قتالية تعتمدها الجماعة بصورة متكررة، وتهدف إلى إيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية، وتعطيل مناطق حشد القوات، وضرب مراكز الإمداد الواقعة خارج مدى قوات المشاة، وإبطاء تقدم القوات الحكومية وتعظيم الأثر النفسي للهجمات.

وقد تتحول معركة الجوف إلى اختبار لقدرة الطرفين على حشد التعزيزات ومواصلة القتال تحت الضغط، بما يكشف أيهما أقدر على خوض عمليات عسكرية متزامنة على جبهات متعددة، وتحويل المكاسب الميدانية المحدودة إلى زخم استراتيجي يعزز قدرته على التعبئة والمبادرة.

قدرة الحوثيين على إعادة تشكيل قواتهم وتعويض خسائرهم لا تزال قائمة إلى حد كبير. كما أن الجماعة لا تتورع عن التضحية بآلاف المقاتلين للاحتفاظ بالأراضي الخاضعة لسيطرتها أو الدفاع عنها

آفاق المعركة

تسعى الحكومة اليمنية حاليا إلى تحقيق أهداف هجومية ودفاعية متوازية. فمن جهة، تعمل القوات المسلحة على توسيع نطاق سيطرتها في الجوف، ومن جهة أخرى، تسعى إلى منع الحوثيين من الاستيلاء على مدينة تعز وتطويق القوات المتحالفة مع الحكومة في محور باب المندب، الذي يشمل جبهات تعز ولحج.

ويتمثل الاختبار الأساسي للهجوم الجاري في مدى قدرة القوات المسلحة اليمنية على تحويل مكاسبها الميدانية التكتيكية إلى ضغط عسكري متواصل يفضي إلى استعادة الحزم، عاصمة المحافظة.

المجلة

وحتى الرابع من نوفمبر، أفاد الصحافي اليمني الهولندي فارس الحميري بأن الفرقتين الأولى والثالثة من قوات الطوارئ تمكنتا من اختراق الخطوط الدفاعية للحوثيين، واجتياز حقول ألغام كثيفة وسواتر ترابية وخنادق ومواقع مفخخة، في مسعى للسيطرة على مواقع في محيط السيعري وتثبيت السيطرة على مليفيفة.

ومن شأن السيطرة على المرتفعات الحاكمة أن تعزز قدرات القوات المسلحة اليمنية على الرصد الميداني والتحكم بالنيران، فيما يمكن للإسناد الناري المنسق والمستمر، من الجو وبالطائرات المسيّرة والقوات البرية، أن يسهم في تثبيت السيطرة على المواقع المستعادة وقطع طرق إمداد الحوثيين.

تسعى الحكومة اليمنية حاليا إلى تحقيق أهداف هجومية ودفاعية متوازية. فمن جهة، تعمل القوات المسلحة على توسيع نطاق سيطرتها في الجوف، ومن جهة أخرى، تسعى إلى منع الحوثيين من الاستيلاء على مدينة تعز وتطويق القوات المتحالفة مع الحكومة في محور باب المندب

غير أن تحقيق اختراق عسكري مستدام يتطلب إقامة دفاعات متينة ومرنة قادرة على صد الهجمات الحوثية المضادة، والإسراع في إزالة حقول الألغام، وتأمين محاور التقدم وخطوط الإمداد. كما يتطلب التحرك بسرعة لاستثمار المكاسب الميدانية قبل أن يتمكن الحوثيون من إعادة تنظيم قواتهم.

وتطرح المعركة أربعة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: أن تتوقف المكاسب المحدودة عند حدود معينة، وتدخل المعركة في حالة من الجمود، بما يحسن الموقع التكتيكي للقوات المسلحة اليمنية من دون أن يغير موازين القوى العسكرية العامة.

السيناريو الثاني: أن يستمر التقدم نحو الحزم وتنجح القوات الحكومية في استعادتها، لتقلب بذلك مسار التوسع الكبير الذي حققه الحوثيون عام 2020. ومن شأن هذا التطور أن يؤمن الجناح الشمالي لمأرب، ويوسع نطاق الهجوم ومحاوره، ويقيد خطوط إمداد الحوثيين ومسارات تسللهم، ويجبرهم على إعادة نشر قواتهم.

أ.ف.ب
مقاتل موالٍ للحكومة اليمنية يطلق النار باتجاه موقع على خطوط المواجهة مع الحوثيين، في محيط جبل الميدان بمحافظة تعز غربي اليمن، 26 أكتوبر 2026

السيناريو الثالث: أن تقترن المكاسب العسكرية بتحسين الإدارة المحلية وتوحيد القيادة، بما يتيح توسيع جبهات القتال نحو فرضة نهم وصرواح وخيوان ومناطق أخرى، وتهديد سيطرة الحوثيين، وتصعيد الضغط العسكري باتجاه صعدة وشرقي مأرب وصنعاء.

السيناريو الرابع: أن يشن الحوثيون هجوما مضادا يستعيدون من خلاله المواقع التي خسروها ويوسعون نطاق سيطرتهم، مستغلين الثغرات في منظومة القيادة والسيطرة، وامتداد خطوط الإمداد الحكومية على مسافات يصعب تأمينها. وقد يتيح لهم ذلك تجديد الضغط على مأرب وزيادة إضعاف الموقف العام للحكومة اليمنية.

وتتداخل هذه السيناريوهات مع تعدد الجبهات وتزاحم الأولويات العسكرية. فالقوات المسلحة اليمنية مطالبة بمواصلة عملياتها في الجوف بدعم كبير من الرياض، مع الاحتفاظ بمدينة تعز والدفاع عن مواقعها في محور باب المندب، ولا سيما في محيط ذوباب والعرضي والمقاطرة والمضاربة.

ومن شأن استعادة الجوف والاستفادة من رصيدها الاجتماعي والقبلي أن يفتح محاور استراتيجية مهمة باتجاه معاقل الحوثيين وعاصمتهم السياسية. غير أن طبيعة التضاريس والتحديات اللوجستية العسكرية تستبعد في الوقت الراهن إمكان التقدم السريع نحو صعدة.

وهكذا، تتوقف الأهمية الاستراتيجية للهجوم على سؤال محوري: هل تستطيع القوات الحكومية الحفاظ على زخمها الحالي وتجنب تكرار تشتت القيادة والسيطرة، وتضارب الأجندات، والإخفاقات السياسية التي أسهمت في خسارة الجوف عام 2020؟

font change

مقالات ذات صلة