معركة الجوف... بوابة صنعاء واستعادة الدولة اليمنية

تحالفات القبائل أربكت حسابات الحوثيين

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مقاتلون موالون للقوات الحكومية اليمنية خلال اشتباكات مع الحوثيين في محافظة الجوف شمال غربي اليمن، في 2 نوفمبر 2026

معركة الجوف... بوابة صنعاء واستعادة الدولة اليمنية

بطول وعرض الصحارى المترامية وعلى المرتفعات الجبلية الوعرة لمحافظة الجوف اليمنية، شمال شرقي البلاد، يدير الجيش اليمني والتشكيلات المسلحة المتحالفة معه عملياته العسكرية المكثفة في سياقٍ متوالٍ ومتصل، منذ ثلاثة أشهر، لدحر الميليشيات الحوثية الموالية لإيران، وذلك من كل البلدات المتناثرة والقرى الصغيرة التي طالما توهم الحوثيون أنهم باتوا، بسبب اتساعها، يسيطرون بالفعل على معظم جغرافيا الشمال الشرقي لليمن، الأمر الذي اتضح أنه وهم لا يمثل أي إنجاز عسكري وغير مفيد من الناحية الاستراتيجية.

كان لا بد لقوات الجيش اليمني أن تقوم بما وصفته بـ"تحرير وتطهير" عدد من المواقع والمعسكرات التي كانت الجماعة قد نشرت مجموعات مبعثرة من ميليشياتها فيها، وذلك في غفلةٍ من الزمن عند انشغال قوات الجيش ورجال القبائل بما هو أهم من بضعة كيلومترات من الرمال المتحركة في صحراء الجوف والمديريات القاحلة مع مأرب المجاورة.

حدثت استعادة الجيش اليمني لتلك الأماكن بالتزامن مع هجماته وعملياته في سائر جبهات القتال الأخرى، بما فيها مضيق باب المندب ومديريات محافظة تعز، وذلك بدعمٍ فعال من مقاتلات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية الجارة لدعم الشرعية اليمنية منذ عام 2015.

أ.ف.ب
مقاتلون موالون للقوات الحكومية اليمنية يتمركزون في موقع خلال اشتباكات مع الحوثيين في محافظة الجوف شمال غربي اليمن، في 2 نوفمبر 2026

آخر المستجدات في الجوف

خلال الأيام الأربعة الماضية، تحديداً، تسارعت عمليات الجيش اليمني والقوات الحكومية والمقاومة الشعبية، حيث تمكن المقاتلون الموالون للحكومة من استكمال استعادتهم لمساحات شاسعة من شمال شرق محافظة الجوف عبر التقدم مؤخراً نحو مرتفعات جبل حويشان والدحيضة وتثبيت مواقعهم فيها، ومن ثم استكمال زحفهم باتجاه منطقة المرازيق واللبنات العليا وصولاً إلى مشارف مدينة الحزم، عاصمة المحافظة وذلك بالقرب من مفرق الطريق الرابط بين محافظتي مأرب وصنعاء.

كانت سيطرة الميليشيات الحوثية على مديريات محافظة الجوف قد جرت على نحو تدريجي استغرق عدة سنوات بعد نجاح الجماعة في استمالة بعض الشخصيات القبلية وعشرات من أبناء المحافظة البسطاء، وذلك باتباع وسائل الترغيب والترهيب واستغلال بعض الانقسامات وحالات التنافس القبلي على النفوذ والمصالح بغية تأليب بعض تلك القبائل على بعضها.

وقد توزعت السيطرة على معظم مديريات الجوف لشهور عدة بين القوات الحكومية وميليشيات الحوثيين التي كانت قد استفادت من جعل مناطق سيطرتها مجالاً لتهريب الأسلحة والذخائر، وحتى بعض عشرات من عناصر "الحرس الثوري" الإيراني و"حزب الله" اللبناني، وذلك ما بين السواحل الجنوبية الغربية لليمن على خليج عدن مروراً بصحارى محافظتي المهرة وحضرموت وصولاً إلى معاقل وكهوف ومخازن الأسلحة شديدة التحصين في محافظة صعدة القريبة.

أسفرت العمليات العسكرية للجيش اليمني في محافظة الجوف عن نتائج مهمة تؤكد على أنه في حال إتمام القوات الحكومية لمهمتها، يمكنها الدفع بمزيد من قواتها باتجاه العاصمة صنعاء ومحافظة صعدة معقل جماعة الحوثيين

لكن قوات الحكومة ما لبثت أن تمكنت من قطع طرق التهريب تلك ومن فرض سيطرتها على  مديرية العبر عند معبر الوديعة مع السعودية ومعظم مديرية خب والشعف الصحراوية شرق محافظة الجوف، حيث تمثل هذه المديرية الجزء الأكبر من مساحة المحافظة بما نسبته 82 في المئة من المساحة الكلية للمحافظة التي تتكون من 12 مديرية، وذلك قبل أيام من إخراج الميليشيات الحوثية من المعسكرات والمواقع التي سبق أن تحصنت فيها ومنها معسكري اللبنات الاستراتيجي ومنطقة اليتمة شمال المحافظة، رغم مئات بل آلاف الألغام التي زرعتها الميليشيات عشوائياً وسط وعلى جنبات الطرق وكذلك مخلفات ذخائر الحرب غير المتفجرة التي تركتها هاربةً وراءها.

وقد واصلت القوات الحكومية المسلحة وحلفاؤها القبليون ببسالة أعمالهما القتالية شرقي محافظة الجوف ضد ميليشيا الحوثي شرقي محافظة الجوف، بإسناد فاعل من الطيران الحربي والمُسيّر، وفيما تستمر القوات بتمشيط المواقع المحررة ونزع الألغام والعبوات الناسفة والعوائق التي زرعتها الميليشيات فيها تعاملت مع التحصينات والخنادق وضاعفت هجماتها، ليلاً ونهاراً، باتجاه جبال الدحيظة شرقي الحزم.

في ذات السياق، أكد بيانٌ للجيش اليمني، مساء الثلاثاء 3 نوفمبر/تشرين الثاني، أن قواته "استعادت أسلحة وذخائر من الميليشيات"، مؤكداً استمرار الطيران الحربي إلى جانب الطيران المُسيّر في "استهداف تحصينات وتجمعات ومخازن الميليشيات" مُلحقةً بها خسائر بشريةً فادحة، إلى جانب تدمير آلياتها  في خطوط المواجهة جنوب شرقي الحزم.

العلاقة بين القبائل والحوثيين

منذ تمدد سيطرة الميليشيات الحوثية في محافظة الجوف، ظل التوتر هو السمة البارزة التي تطبع علاقة الميليشيات الحوثية مع مختلف قبائل المحافظة سيما مع قبيلة دهم، وهي إحدى أكبر وأهم وأقوى القبائل اليمنية في المحافظة، وقد خاض الجانبان مواجهات متزايدة واشتباكات متقطعة عديدة لا تزال قائمةً حتى اليوم.

وكان من الأسباب الباعثة على هذا التوتر تذمر القبائل من كثرة نقاط التفتيش التي أقامتها الميليشيات وتجاوزاتها على حريات وحرمات المسافرين ما أدى إلى اندلاع صدامات مسلحة عنيفة سابقة في مديرية برط العنان، العاصمة التقليدية لشمال محافظة الجوف وفي مناطق أخرى أيضاً بعد إقدام عناصر من الميليشيات الحوثية، في نقطة تفتيش المهير التي استحدثتها تلك العناصر في منطقة عفي، على إطلاق النار نحو أبناء قبيلة آل جعيد، من قبائل دهم، على خلفية مشادات وملاسنات كلامية، مما أدى إلى مقتل وإصابة عدد منهم حيث ردت القبائل على ذلك بالسيطرة على تلك النقطة ومقتل عناصر حوثية كانت تتخندق عندها.

ومن بين مسببات التوتر أيضاً، قيام الميليشيات باعتقال واستهداف واختطاف وجهاء قبليين خصوصاً عندما قررت قبائل دهم الشروع في تنفيذ خطوات تصعيدية ميدانية واسعة مماثلة في محافظة الجوف.

أ.ف.ب
مقاتل موالٍ للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً يطلق النار على خطوط المواجهة مع الحوثيين قرب جبل الميدان في محافظة تعز غربي اليمن، في 26 أكتوبر2026

ماذا حدث بعد؟

أسفرت العمليات العسكرية للجيش اليمني في محافظة الجوف عن نتائج مهمة تؤكد على أنه في حال إتمام القوات الحكومية لمهمتها هذه، بحسب الخطط الموضوعة لذلك، يمكنها الدفع بمزيد من قواتها باتجاه العاصمة صنعاء ومحافظة صعدة معقل جماعة الحوثيين.

ومن شأن هذا بالطبع أن يحدث تغييراً جوهرياً في مسار الصراع المسلح مع الجماعة التي تكبدت خلال هذه المعارك خسائر فادحة، بما يمكنها إنكاره، في عديدها الذي حشدته طوال سنوات وفي عتادها الذي راكمته كماً ونوعاً أملاً في خوض ما ظلت الجماعة منذ عام 2020 تعتبرها "معركة مصيرية" للاستيلاء على كامل محافظة الجوف والوصول إلى حقول نفط "صافر" في محافظة مأرب الغنية بمصادر الطاقة ومواردها الطبيعية الأخرى.

تُعدّ محافظة الجوف جزءاً من الامتداد التاريخي للمذهب الزيدي في شمال اليمن، ولا سيما في مناطقها الشمالية والغربية المتاخمة لمحافظة صعدة

ما الذي يعنيه ذلك؟

لا بد أن يمثل انكسار ميليشيات الحوثيين عسكرياً على الأرض في هذه المناطق المهمة في محافظة الجوف تحولاً كبيراً في تعديل موازين القوى في هذه الحرب لصالح الجيش اليمني، حيث أصبح لا يفصله بعد ذلك عن كلٍ من مدينتي صنعاء وصعدة سوى عشرات الكيلومترات بما يؤدي في نهاية المطاف إذا سارت الأمور بنفس الوتيرة إلى حسم الجزء الأكبر من هذه الحرب وإضعاف وهزيمة الميليشيات الحوثية في بقية المحافظات الأخرى وكسر حصارها الخانق على محافظة تعز وتبديد أحلامها في استعادة السيطرة على مضيق باب المندب جنوب غربي المحافظة ومن ثم الساحل الغربي للبلاد بما فيه مدينتا المخا والحديدة وموانئهما الأربعة الاستراتيجية.

أما كيف وصلت الأمور إلى هنا؟ فقد كانت جماعة الحوثيين قد أشعلت في 3 أغسطس/آب الماضي ما أسمتها "حرب التصعيد" على معظم المحاور والجبهات وخطوط التماس في عموم المحافظات المتاخمة لمناطق سيطرة الحكومة، لترد القيادة اليمنية على ذلك بإعلان "التعبئة العامة والنفير الوطني" في 25 سبتمبر/أيلول الماضي 2026، وبموافقة البرلمان على ذلك في الـ28 من الشهر ذاته، حيث تم الإعلان لاحقاً في 5 من شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي عن إطلاق عملية "فجر اليمن" التي اندلعت بزخمٍ كبير، قتالي نوعي وإرادة وطنية داعمة بقوة، وكشف كل هذا عن إدخال قوات الجيش منظومات جديدة من سلاح الطيران المسير الحديث والأكثر تطوراً من مسيرات "الرجوم" الإيرانية التي تملكها الميليشيات الحوثية، وكذلك عن إعادة تفعيل أسراب من الطيران الحربي إلى جانب امتلاك دباباتٍ وبطاريات مدفعية حديثة وغيرها من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.

أ.ف.ب
مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يطلقون قذيفة من مدفع خلال معارك مع الحوثيين في جبهة جبل هان غرب مدينة تعز، اليمن، في 21 أكتوبر 2026

الجوف... الموقع والأهمية الجيوسياسية

تتربع هذه المحافظة الشاسعة على نحو 39496.33 كيلومتر مربع أي حوالي 7.2 في المئة من إجمالي مساحة البلاد، وتبعد عن العاصمة صنعاء ما بين 143 و170 كيلومتراً وفق أيٍ من الطرق والمسالك التي يتم التوجه منها إلى صنعاء.

هذا وتتوسط محافظة الجوف خمس محافظات، هي: صعدة إلى الغرب منها، وعمران من جهة الغرب، وصنعاء إلى الجنوب الشرقي، والبيضاء إلى الجنوب الغربي، ومأرب إلى الجنوب الشرقي من الجوف، ومحافظة حضرموت شرقاً، وتربطها حدود برية طويلة مع جنوب المملكة العربية السعودية حيث تتداخل القبائل وتتوزع على جانبي الحدود وتشترك في نسيج اجتماعي متماسك ومصالح مشتركة تجعل من الطرفين مجالاً حيوياً اجتماعياً واقتصادياً لكليهما.

يبلغ عدد سكان الجوف نحو 532 نسمة، بحسب إحصائيات 2011 ويعمل الكثير من هؤلاء في مجال الزراعة حيث يعد البعض هذه المحافظة بمثابة إقليمٍ زراعيٍ هامٍ رافدٍ للاقتصاد المحلي والوطني.

التركيبة المذهبية للمحافظة

تُعدّ محافظة الجوف جزءاً من الامتداد التاريخي للمذهب الزيدي في شمال اليمن، ولا سيما في مناطقها الشمالية والغربية المتاخمة لمحافظة صعدة، مثل برط العنان وخراب المراشي ورجوزة والحميدات. غير أن التركيبة المذهبية للمحافظة أكثر تنوعاً مما يوحي به هذا الامتداد، إذ تضم أيضاً جماعات وقبائل تتبع المذهب الشافعي، إلى جانب حضور للتيارات السلفية.

أسهمت التحولات السياسية والحروب المتعاقبة في إعادة تشكيل التوازنات، بحيث باتت المواقف من الحوثيين والحكومة والأحزاب تتأثر بعوامل قبلية وسياسية وأمنية، وليس بالانتماء المذهبي وحده

وتبقى البنية القبلية الإطار الأبرز لفهم التوازنات الاجتماعية والسياسية في الجوف، حيث تتداخل الانتماءات المذهبية مع الولاءات القبلية والحزبية، بما فيها نفوذ "التجمع اليمني للإصلاح". ولا يصح اعتبار الانتماء إلى الحزب مرادفاً للانتماء إلى المذهب الشافعي، أو اختزال الانقسامات المحلية في مواجهة بين الزيدية والسنة.

وقد أسهمت التحولات السياسية والحروب المتعاقبة في إعادة تشكيل هذه التوازنات، بحيث باتت المواقف من الحوثيين والحكومة والأحزاب تتأثر بعوامل قبلية وسياسية وأمنية، وليس بالانتماء المذهبي وحده.

قبلياً، يمكن القول، وفقاً لإفادات عدد من نقباء (شيوخ) وأعيان هذه المحافظة إن الجوف بمختلف مديرياتها تشكل، إلى حد كبير، امتداداً قبلياً واحداً، قوامه دهم، وهي كبرى القبائل في الجوف. أما "من ليسوا من هذه القبيلة فقد تداخلوا معها وانصهروا في كثير من المواقف والتحالفات والروابط الاجتماعية والقبلية معها".

من حيث الكثافة السكانية والثقل الانتخابي تُعد برط بمديرياتها الثلاث هي المنطقة الأكثر سكاناً، ولها ثلاثة مقاعد في مجلس النواب، مقابل مقعدين لبقية محافظة الجوف.

يجزم خبراء ومراقبون عسكريون يمنيون وعرب أن سعي الميليشيات إلى إحكام حصارها لمدينة ومديريات محافظة تعز وبأقرب من مضيق باب المندب ما هو إلا محاولة يائسة لصرف الأنظار عما تُمنى به من تراجع وهزائم مرحلية واستراتيجية في محافظة الجوف. ويؤكدون على أن من شأن هذا أن يقود إلى تخفيف الضغط العسكري الذي تفرضه الميليشيات على محافظة تعز، وهذا ما يستدل عليه من المشاهد التي عرضتها قوات الجيش للمعارك التي تخوضها قوات الفرقة الأولى طوارئ، على سبيل المثال، ضد الميليشيات الحوثية في جبهات شرق مدينة الحزم، العاصمة الإدارية لمحافظة الجوف.

font change

مقالات ذات صلة