معركة الجوف اليمنية... المحافظة التي يخاف منها الحوثي

الخلفية والتطورات العسكرية الأخيرة والأهمية الاستراتيجية واحتمالات خسارة الحوثيين لها كدرع لصعدة

رويترز
رويترز
دبابة تابعة للجيش الحكومي تطلق نيرانها باتجاه مواقع للحوثيين في منطقة اللبنات، الواقعة بين محافظتي الجوف ومأرب في شمال اليمن، 5 ديسمبر 2015

معركة الجوف اليمنية... المحافظة التي يخاف منها الحوثي

هناك جبهات مشتعلة عديدة في اليمن، لكن الحوثيين خائفون كثيراً من أن يخسروا هذه المعركة تحديداً. فمعارك الجوف مهمة لأنها تقرر مصير الحوثي، حليف إيران. فالمحافظة تمثل واحدة من أكثر الساحات حساسية في الحرب اليمنية المستمرة منذ 2014، ولدى سكانها ثارات عديدة ضد جماعة الحوثي التي قتلت منهم الكثير منذ منتصف العقد الماضي.

تقع الجوف شمال شرقي اليمن، وهي أكبر المحافظات الشمالية مساحة، حوالي 39 ألف كيلومتر مربع، وتتكون من 12 مديرية. عاصمتها مدينة الحزم، التي سقطت بيد ميليشيا الحوثيين في مارس/آذار 2020 بعد معارك طويلة، لكنها فقدت السيطرة عليها أكثر من مرة.

أيضاً، تكمن أهميتها في أنها جغرافياً على شريط حدودي طويل مع السعودية، أكثر من 200 كيلومتر، وتتصل بمحافظات حضرموت ومأرب وصعدة وصنعاء وعمران، وتبعد فقط نحو 143 كيلومترا عن صنعاء. كل هذه الاعتبارات الجغرافية تجعل الجوف مفتاح السيطرة الحوثية، وفي الوقت نفسه قد تكون المفتاح إلى انهيار هذه الميليشيا.

منذ بداية الحرب، كانت الجوف من أوائل المناطق التي قاومت التمدد الحوثي، ومن أبرز جبهاتها المبكرة جبهة الغيل بقيادة الشيخ حسن أبكر.

أهميتها في استراتيجية الحرب

تعتبر الجوف "حائط صد" يحمي معقل الحوثيين في صعدة. لو خسرها الحوثيون، ستصبح صعدة، وهي مسقط رأسهم، في خطر.

وفي الوقت نفسه، فإن الجوف هي البوابة نحو صنعاء وعمران. وتمسّك ميليشيا الحوثي بالسيطرة على الحزم، عاصمة الجوف، والمديريات الغربية يؤمّن الجهة الشرقية لثلاث محافظات خاضعة لهم، صعدة وصنعاء وعمران، ويوفر عمقاً عملياتياً وخطوط إمداد وتجمعات عسكرية ومنشآت محصنة للصواريخ والمسيّرات. كما تمثل ورقة ضغط على مأرب النفطية ومسارات نحو المناطق الشرقية.

بالنسبة إلى القوات الحكومية المعترف بها دولياً، فإن السيطرة عليها تعني، تأمين مأرب ومنع تقدم الحوثيين نحو حضرموت، وقطع خطوط التهريب الصحراوية، وفتح محور نحو عمران ثم محيط صنعاء.

قدمت السعودية دعماً جوياً مكثفاً ضمن التحالف مع الشرعية اليمنية، ورداً على الاعتداءات الحوثية التي استهدفت مواقع مختلفة في أنحاء المملكة

كما أنها "مسرح عمليات مفتوح" يتيح الضغط المتزامن على عدة جبهات. ويرى محللون مثل بليغ المخلافي أن الحوثيين يستميتون للبقاء فيها لأنها ورقة ضغط على مناطق النفط، بينما تحريرها يغير موازين أكثر من جبهة. وقد تتسبب استعادتها من قبل الحكومة في بداية انهيار الحوثي.

يقول أحمد شبح، رئيس تحرير منصة "ديفانس لاين"، إنه بسبب موقعها ومساحتها وقبائلها، فإن استعادتها هدف استراتيجي للشرعية كبوابة لتحرير المحافظات المجاورة، وهدف تكتيكي لقطع شرايين التهريب ووقف الهجمات الحوثية. وقد طوّر الحوثيون فيها تحصينات ومرافق محصنة، وتُستخدم كمنصة لعمليات تستهدف الحدود السعودية والمناطق الشرقية.

في حوارات سابقة، وصف محافظ الجوف السابق اللواء حسين العجي العواضي، الذي نُقل لاحقاً إلى البيضاء، المحافظة بأنها "رأس حربة" وأحد أهم مفاتيح كسر المشروع الحوثي المدعوم إيرانياً، وأكد أن "لحظة النصر وكسر الميليشيات أصبحت قريبة". ويتوقع المحافظ السابق أن الجوف يمكن أن تكون الإنجاز الأول، وأن دحر الحوثيين هو مفتاح مستقبل اليمن، وأن المعركة تتجاوز المحلي إلى حماية المنطقة وممراتها البحرية.

تطورات عسكرية في الجوف

شهد شهرا سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول تصعيداً ملحوظاً في محافظة الجوف، ضمن عملية "فجر اليمن" التي أطلقها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في مطلع أكتوبر الماضي تقريباً. وقدمت السعودية دعماً جوياً مكثفاً ضمن التحالف مع الشرعية اليمنية، ورداً على الاعتداءات الحوثية التي استهدفت مواقع مختلفة في أنحاء المملكة.

أ.ف.ب
مقاتلون من التحالف يجلسون على متن شاحنة صغيرة مُثبّت عليها رشاش ثقيل، أثناء تمركزهم في أحد المواقع خلال اشتباكات مع الحوثي في محافظة الجوف، شمال غربي اليمن، في 2 نوفمبر 2026

- في أوائل سبتمبر: بدأت عمليات هجومية شرق الحزم، مع تقدم نحو بئر المرازيق وقطع خطوط إمداد، وسيطرة على مواقع مثل اليتمة ومعسكر الخنجر في خب والشعف. وأعلن الحوثيون صد بعض التحركات.

- خلال أكتوبر: تكثفت المعارك على الجبهة الشرقية للحزم. واستخدمت القوات الحكومية (المنطقة العسكرية السادسة وقوات طوارئ ودرع الوطن بدعم قبلي) تكتيكات جديدة للسيطرة على سلاسل جبلية حاكمة.

الجوف ليست مجرد محافظة صحراوية؛ بل عقدة استراتيجية تربط الشمال بالشرق والحدود، وهي كذلك تلعب دور المنطقة العازلة مع الجارة السعودية

- نهاية أكتوبر/تشرين الأول وبداية نوفمبر/تشرين الثاني: أعلن الجيش اليمني السيطرة الكاملة على سلسلة جبال حويشيان (شرق الحزم)، وهي خط الدفاع الأول عن المدينة. هذا التقدم يقطع خطوط الإمداد نحو العلم والمزاريق، ويشرف على مواقع حيوية، ويفتح مسارات أعمق نحو معسكر اللبنات. وقد تقدمت القوات 12-15 كيلومترا ووصلت إلى جبال الضهيبان لأول مرة منذ 2021. وقد أعلنت القوات اليمنية الحكومية عن عمليات مكثفة ومقتل أعداد كبيرة من العناصر الحوثية وتدمير عشرات الآليات، والجزء الأكبر تركز في الجوف. كما استُخدمت طائرات حربية ومسيّرات ومدفعية وراجمات.

من جهتهم، أعلن الحوثيون، عبر المتحدث يحيى سريع، صد تحشيدات القوات الشرعية. كما أن المعارك مستمرة شرق الحزم باتجاه المركز، مع سيطرة حكومية أوسع على المناطق الصحراوية الشرقية، بينما يتحصن الحوثيون في الحزم والمراكز السكانية الغربية.

احتمالات هزيمة الحوثيين في الجوف

يقدّر خبراء الحرب اليمنية أن الاحتمالات عالية، رغم أن جماعة الحوثي تزج بأعداد كبيرة من مقاتليها في المحافظة الاستراتيجية. والزخم اليمني الحالي مدعوم بالتفوق الجوي السعودي مع السيطرة على المرتفعات الحاكمة. واستراتيجية الشرعية اليمنية هي قطع الإمدادات العسكرية، مع ضغط عسكري متزامن على جبهات تعز ومأرب والبيضاء والساحل. وهذا يضع الحوثيين أمام استنزاف متعدد المحاور ويصعّب عليهم نقل التعزيزات بحرية. ويمثل الاقتراب من مدينة الحزم تهديداً حقيقياً لخط الدفاع الشرقي عن محافظة صعدة المجاورة، حيث يُعتقد أن عبد الملك الحوثي، زعيم الجماعة، يختبئ في أحد أنفاقها العميقة.

يمتلك الحوثيون خبرة في التضاريس الوعرة، وتحصينات وأنفاقاً تحت الأرض، وقد كشفت تحقيقات عن منشآت في جبال الجوف المتاخمة لصعدة وعمران، يُعتقد أن الإيرانيين ساهموا في بنائها، وهدفها تعزيز قدرتهم على الصمود والهجمات المضادة.

يذكر أن الحوثيين منذ بداية الحرب وهم يحفرون الخنادق ويبنون التحصينات للتمسك بالعاصمة الحزم، التي تعتبر من أبرز أهداف الحرب الحالية.

وفي حال فقد الحوثيون الحزم، ستكون ضربة استراتيجية كبرى ستتسبب في عزل صعدة جزئياً من الشرق وتقلّص عمقهم العملياتي، وتفتح محاور نحو عمران وصنعاء، مع تأثير نفسي وسياسي كبير. وهناك من يتوقع أن تتسبب خسارة الجوف في انهيار الحوثي في محافظات أخرى.

وتؤكد التقارير المتخصصة أن الجوف أصبحت أولوية حكومية لأنها تغير قواعد الاشتباك وتضغط على عمق الحوثيين، بينما يصفها الحوثيون ضمن سياق الردع والدفاع عن معاقلهم. وتعكس الحوارات مع مسؤولي الجوف مثل العواضي تفاؤلاً حكومياً بأن المعركة الفاصلة تقترب، وأن الدعم القبلي والسعودي حاسم.

تجدر الإشارة إلى أن الجوف ليست مجرد محافظة صحراوية؛ بل عقدة استراتيجية تربط الشمال بالشرق والحدود، وهي كذلك تلعب دور المنطقة العازلة مع الجارة السعودية.

وتميل التطورات الأخيرة على الأرض لصالح الضغط الحكومي المتصاعد، مما يزيد احتمالية إنهاء السيطرة الحوثية تدريجياً مع تأثيرات مباشرة على أمن صعدة ومعادلة الحرب الأوسع. فالوضع الميداني متحرك.

font change

مقالات ذات صلة