فنانة أميركية تحول النفايات البلاستيكية إلى أعمال فنية

الأميركية ليز لارنر في خط صلب يصعب ثنيه

Installation view of Liz Larner, A hard line to bend at Camden Art Centre, 2026. Photo: Rob Harris
Installation view of Liz Larner, A hard line to bend at Camden Art Centre, 2026. Photo: Rob Harris

فنانة أميركية تحول النفايات البلاستيكية إلى أعمال فنية

تقول الفنانة الأميركية ليز لارنر: "كنت أقيم في لوس أنجليس حين توقفت الصين عن قبول البلاستيك الأميركي وهي الوجهة التي كنا نرسل إليها كل نفاياتنا البلاستيكية لإعادة تدويرها. بدأت حينها بنقل تلك المواد إلى مرسمي، لكن الكميات تضخمت الى درجة أنني اضطررت لتعليقها في السقف".

من تلك الواقعة انطلقت لارنر في رحلتها مع البلاستيك، كونه مادة جديدة على عالمها بعدما عرفت بقدرتها على تحويل مواد غير مألوفة إلى قطع فنية آسرة، بدءا من الشعر البشري والرموش الاصطناعية وصولا إلى الجلد والشاش الطبي.

في معرضها الرئيس الأول في لندن الذي يحمل عنوان "خط صلب يصعب ثنيه" الذي يستمر عرضه حتى بداية السنة المقبلة في "مركز كامدن للفنون" تعكف النحاتة على تحويل البلاستيك المخصص للاستخدام مرة واحدة إلى أعمال فنية تنبض بمزيج من الجاذبية والإثارة، ناهيك بالمتعة التي يتسبب بها غموض الأعمال التي لا تقدم المعنى على الشكل بقدر ما تخلص إلى تفاعلهما. وهو الشيء نفسه الذي تقوم به الفنانة حين تلون منحوتاتها. فاللون ليس صفة خارجية للمنحوتة بل تعمل شخصيته المستقلة على التفاعل مع جسد العمل الفني ليبدو كل شيء جديدا.


ما يثير اهتمامي في شأن ليليث أنها ليست مقاتلة. لقد اكتفت بقول لا، وهذا موقف ينطوي على قوة للجميع، وليس للنساء فحسب

استلهمت الفنانة التي تلقت دروسها على يد رائد الفنون المعاصرة في أميركا جون بلديساري (1931 ــ 2020) المنحوتة التي تحمل اسم المعرض من لوح بابلي من الطين المحروق معروض في المتحف البريطاني يعتقد أنه يصور الشخصية الأسطورية ليليث، الأنثى التي فرت من جنة عدن رافضة قدرها كزوجة لآدم. وهي أساس الأسطورة التي صارت جزءا من أدبيات الحركة النسوية بعدما شكلت العمود الفقري لأعمال أدبية وفنية كثيرة. تقول الفنانة: "ما يثير اهتمامي في شأن ليليث أنها ليست مقاتلة. لقد اكتفت بقول 'لا'. وهذا موقف ينطوي على قوة للجميع، وليس للنساء فحسب".

جماليات النفايات البلاستيكية

على الرغم من أن ليز لارنر (1960) تنتمي إلى جيل مايك كيلي (1954 ــ 2012) زميلها في معهد كاليفورنيا للفنون ووقعت تحت تأثير بالديساري وهو ما قد يشكل دافعا قويا لتبني موقف متطرف في انحيازه لفنون ما بعد الحداثة، غير أنها لا تزال تؤمن بقدرة ابتكار المجسمات والأعمال الفنية على إعادة تشكيل الواقع. تقول: "لهذا السبب أحب فن النحت، إذ يتحتم عليك الدخول إلى الحيز الفني والتحرك في أرجائه بينما تمارس التفكير والمشاهدة. وربما تتحدث إلى شخص ما أيضا أو تراقب شخصا آخر". تهمها الحركة في المكان حول جسد العمل النحتي. ولأنها قد أصيبت بمس الفن الفاهيمي بحكم دراستها، فإن تلك الحركة كانت أساسية في البحث عما يفكر به المشاهدون وهم يتأملون العمل الفني.

Installation view of Liz Larner, A hard line to bend at Camden Art Centre, 2026. Photo: Rob Harris
من أعمال ليز لارنر

تشكل فكرة تحويل المواد المستهلكة المصنفة باعتبارها خردة غير صالحة للاستعمال إلى عناصر فنية تكون أساسا لبناء عمل ثري روحيا وماديا، الأساس الذي تتنقل الفنانة من خلاله بين الأساطير القديمة وعلم الكونيات، وهي في ذلك إنما تشركنا في عملية التحول التي تخضع لها المادة، وتقترح أفكارا مغايرة عن البيئة التي تحيط بنا وتشكل أساس عالمنا المادي الذي لا يمكننا سوى أن نكون جزءا منه على الرغم من أننا لا نفهمه. حينها يمكن الحديث عن فكر ما بعد إنساني. وفي ذلك يكمن البعد الروحي لما يسمى تبسيطا بإعادة التدوير، في حين أنها تشكل واحدة من أهم المفردات التي تغذي فكر ما بعد الحداثة بمصادر قوته.

تصر لارنر على صفة نحاتة على الرغم من أنها لا تخفي تأثرها بالفنانة الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970). فهيسه التي لمع أسمها من خلال فن النسيج حين نجحت في استعمال النفايات لصنع أعمال فنية جعلت منها اسما لا ينسى في عالم الفنون المعاصرة، كانت القدوة بالنسبة للارنر في بحثها عن جماليات النفايات البلاستيكية. لقد انتقلت لارنر من استكشاف الإمكانات الجمالية للمواد الطبيعية إلى استكشاف تلك الخاصة بالمواد البلاستيكية التي تهدد الحياة الطبيعية.

Installation view of Liz Larner, A hard line to bend at Camden Art Centre, 2026. Photo: Rob Harris
تجهيز فني في الفراغ للفنانة ليز لارنر

تجاوز المسافة بين الفنون

ربما يستوقف المشاهد في "خط صلب يصعب ثنيه" أمر قد لا يكون على قدر كبير من الأهمية، ذلك لأنه يدخل في منطقة التباس، يعتقد البعض أن الفنون المعاصرة تجاوزتها بعدما صار تداخل الفنون حدثا مسلما به. فيلاحظ أن غالبية أعمال المعرض، الجدارية منها أوالملقاة على الأرض، نفذت بالطين المفخور ولونت بالمواد الكيماوية التي يستعملها الخزافون لتلوين أعمالهم، بمعنى أنها أعمال خزفية. ما يثير الانتباه أن لا أحد، لا الفنانة ولا من كتبوا عن معرضها، لجأ إلى استعمال مصطلح الخزف في تجنيس تلك الأعمال التي كانت إلى وقت قريب تدخل ضمن فن "النحت الفخاري".

تلتقط لارنر مفردات جاهزة من لغة الواقع بعد الاستغناء عنها لتهبها حياة جديدة بما يشبه عملية إنعاش من خلال تغيير الوظيفة وإلغاء ذاكرة المفردة التي غادرت تاريخها

 لا تختلف أعمال الفنانة اللبنانية ــ الأميركية سيمون فتال (1942) في هذا المنحى عن أعمال لارنر. لذلك، فإن الإصرار على اسستبعاد مفردة الخزف من خلال إغفال ذكرها إلا في ما ندر من قبل الفنانة التي تصر على كونها نحاتة فقط ومن قبل نقاد فنها الذين يلحقونها بظاهرة ما بعد الحداثة مركزين على أعمالها التركيبية أو التجميعية وهي قليلة في هذا المعرض بالمقارنة مع الأعمال الخزفية، انما يهدف إلى تركيز الأنظار على البيئة الفكرية والبصرية التي تعمل الفنانة ضمن محيط دائرتها، وهي بيئة ليست تاريخية ولا تكترث كثيرا بالتصنيف التقليدي للفنون، من حيث توزعها بين فنون تشكيلية وفنون تطبيقية. فالتصميم والخزف والزخرفة هي فنون تطبيقية حسب المفهوم المدرسي القديم الذي كما يبدو لم يعد يحظى باهتمام الفنانين المعاصرين.

Installation view of Liz Larner, A hard line to bend at Camden Art Centre, 2026. Photo: Rob Harris
تكوين نحتي للفنانة ليز لارنر في "مركز كامدن للفنون"

من جهتها فإن ليز لارنر تملك معادلاتها الخاصة التي يجب النظر إليها باحترام. فهي حين تصر على التمسك بصفة نحاتة فإنها تضرب عصفورين بحجر واحد. أولا من خلال نفي صلتها بما تراه عبثا قد تسلل إلى الفن حين وجد قليلو الموهبة في الفنون المعاصرة فرصتهم في تعكير صفو الجمال بحجة تجاوزه مفهوما وهدفا. ذلك ما شهدته في جيلها وفي الأجيال الفنية اللاحقة. وهي من جهة أخرى ترى أنها ليست خزافة على الرغم من أنها فعلت ما يفعله الخزافون المعاصرون حول العالم لا لشيء إلا لأنها حضرت إلى الخزف بمواده وآليات تنفيذه مجهزة بقيم فنية لا تنتمي إليه. ذلك ما يحسب للفنانة، كونها تقدم درسا عمليا للصيغة النظرية التي قدمها فكر ما بعد الحداثة على مستوى تجاوز المسافة بين الفنون.          

علاقات شعرية بين مواد جافة

"عصر البلاستيك" على وزن "عصر البرونز"، وهو عنوان واحدة من أهم أعمال النحات الفرنسي أوغست رودان (1840 ــ 1917). قد لا يستسيغ البعض ذلك التشبيه ويعتبره نوعا من الابتذال والسطحية. غير أن من يشاهد أعمال لارنر لا بد أن يعترف أن الفنانة تمكنت بمهارة من خلق فضاء جمالي مدهش، مادته النفايات البلاستيكية، قد يذكر بذلك الفضاء الذي خلقه التكعيبيون، بيكاسو ورفاقه في العقد الثاني من القرن العشرين، يوم لجأوا إلى تقنية الكولاج (اللصق) في محاولة منهم لاستدراج الواقع إلى سطوح لوحاتهم. يتطلب الأمر دقة في الوصف. تلتقط لارنر مفردات جاهزة من لغة الواقع بعد الاستغناء عنها لتهبها حياة جديدة بما يشبه عملية إنعاش من خلال تغيير الوظيفة وإلغاء ذاكرة المفردة التي غادرت تاريخها.

يشعر المشاهد إذ يقف أمام أعمال لارنر التركيبية بذلك الانسجام الذي تتحرر من خلاله اللغة من وظائفها التقليدية لتمضي وراء إيقاع عاطفتها الموسيقي

إذا ما تعامل المرء مع أعمال لارنر التركيبية بطريقة غير تقليدية، فإنه سيعثر على مواقع كثيرة للجمال. تذكرت أعمال الفنان الفرنسي الأميركي أرمان (1928 ــ 2005) وفي الأخص نصبه "الساعات" القريب من محطة سان لازار بباريس. لكن لارنر لا تصنع أنصابا على غرار أرمان. إنها تكتفي بأعمال صغيرة، تضغط من خلالها الزمن كأنها تسعى إلى أن تضعه في كبسولات صغيرة. من أماكن مختلفة تستعير لارنر نفاياتها البلاستيكية لتبتكر علاقة شعرية في ما بينها. وكما يبدو، فإن كل مفردة وقد تحررت من ماضيها صارت تفكر بجمالها الخاص. تلك حساسية لغة اخترعتها الفنانة لتصيب مفرداتها بعدواها. يشعر المشاهد إذ يقف أمام أعمال لارنر التركيبية بذلك الانسجام الذي تتحرر من خلاله اللغة من وظائفها التقليدية لتمضي وراء إيقاع عاطفتها الموسيقي.   

font change

مقالات ذات صلة