في كتاب "حياة الصورة وموتها" (1992)، أطلق الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه فكرتين لم ينتبه لهما كثر: كثرة الصور تؤدي إلى العمى البصري، ووفرة الصور تقود إلى ضرب من الوثنية الجديدة. والفكرتان متواشجتان في مدلولهما، إذ أن الصور في وفرتها تحجب عنا رؤية الواقع، تماما كما تحجب الصور والأصنام عن المؤمن الإيمان بالإله اللامرئي الخفي لكي تعوضه بالاعتقاد في الوسيط الرمزي.
نحن هنا في مطالع تسعينات القرن الماضي، في وقت كان فيه الافتراضي والرقمي لا يزال أشبه بالمشروع، وكان الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي إرهاصات لم تبسط بعد أجنحتها على الناس، صغارا وكبارا. في تلك الفترة أيضا كان الاهتمام بالصورة وبالتحولات التي جاءت بها ما بعد الحداثة ينبئ بتحولات ثقافية وفكرية طاولت مفاهيم ظلت مترسخة في مدلولاتها لوقت طويل، من قبيل الواقع، والافتراضي، والأنا والآخر، والوجود والمحتمل وغيرها.
لهذا لم يكن من الغريب، في تلك الفترة، أن يتحدث بعض المفكرين صراحة عن "الاعتقاد في الصورة" (ستيفن بيرناس، 2006)، الذي بدأ بالاستعمال الأداتي للصور لتصبح هذه تدريجيا هي التي تتلاعب بالمستعمل. لقد أضحت الصور مكونا فعالا في صوغ العالم الافتراضي الجديد في مجمل مكوناته. وهي بذلك اندمجت أكثر، بواسطة الرقمنة، في الاستراتيجيات الجديدة التي أنتجتها الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، لتغدو صيغة للوجود في العالم.
أبتنا نعيش عصر ميتافيزيقا الافتراضي؟
اعتدنا على أن نعتبر الميتافيزيقا المعرفة التي تنتج مما يجاوز الظواهر المحسوسة، الطبيعية والمرئية. إنها فلسفة الجواهر والعلل التي تتحكم في الوجود. وهي الرؤية للعالم التي تحكمت في الفكر كما في الديانات حتى مطالع القرن العشرين، حين تصدى نيتشه ثم هوسرل وهايدغر وسارتر ودريدا وغيرهم لتفكيكها واقتراح مسالك جديدة للفكر والوجود. ولم تكن هذه المجاوزة ممكنة من غير التصدي للثنائيات الميتافيزيقية التليدة التي حكمت الفلسفة والفكر من قبيل الجسد والنفس والواقع والمتخيل والحق والخلق والخير والشر وغيرها.




