حاكم إقليم دارفور لـ"المجلة": تقسيم السودان أمر واقع... وأجانب في غرف قيادة "الدعم السريع" ( 2 من 2)

مني أركو مناوي قال إنّ 120 ألفا من قوات "حميدتي" اقتحموا الخرطوم... واتفاق إقامة قاعدة روسية في بورتسودان "مات"

حاكم إقليم دارفور لـ"المجلة": تقسيم السودان أمر واقع... وأجانب في غرف قيادة "الدعم السريع" ( 2 من 2)

حذر مني أركو مناوي حاكم إقليم دارفور، في الحلقة الثانية من حواره مع "المجلة"، من وجود صراع دولي وإقليمي على السودان، ومخطط خارجي لتقسيمه، قائلا: "يريدون تقسيم السودان أو يجعلون التقسيم أمرا واقعا".

وبعدما تحدث في الحلقة الاولى عن مشاهداته في الخرطوم في 15 ابريل/نيسان، قال حاكم إقليم دارفور إن "قوات الدعم السريع" برئاسة محمد حمدان دقلو (حميدتي) كانت تضم بالأصل نحو 25 ألف مقاتل، لكن 120 ألفا من "الدعم السريع" دخلوا إلى الخرطوم قبل بدء الحرب. وزاد: "أكثر من 70 في المئة منهم لم يكونوا مدربين ولم يكونوا من النخبة التابعة لهذه القوات التي لها سجلات حقيقية. لذلك فإن عدد الذين جاؤوا (الى العاصمة) كبير جدا وأن عددا من الدول الكبيرة جدا، هاجر شبابها من أجل النهب واستباحة السودان".

كما أشار إلى أن سيطرة "الدعم السريع" على ولايات في إقليم دارفور هي عسكرية وليست سيطرة كاملة، مشيرا إلى وجود دور لقوات "فاغنر" الروسية مع هذه القوات. وقال: "فوق الخمسين في المئة (من قوات الدعم السريع)، ليسوا سودانيين" وان الذين يجلسون في الغرف القيادية هم أجانب و "ليسوا سوادنيين".

وأشار الى أن الاتفاق مع روسيا لإقامة قاعدة عسكرية في بورتسودان "مات"، لكنه لم يستبعد حصول تعاون بين الجيش وطهران يتضمن تسلم مسيرات ايرانية مقابل تعاون عسكري.

وهنا نص الجزء الثاني والأخير من الحوار الذي أجري عبر تطبيق "زووم":

* هناك من يقول إن هذه الحرب، "حرب الجنرالين"، هي امتداد لحرب دارفور وأن حرب دارفور لم تنته وعندما انفلتت الحرب الحالية أصبحت حقيقة امتدادا لتلك الحرب في دارفور. ما تعليقك على ذلك؟

- هذا صحيح. هي طبعا امتداد لحرب دارفور وامتداد لحرب توريت 1955 وحرب جنوب السودان وحرب جبال النوبة وحرب النيل الأزرق وامتداد لكل القضايا المتراكمة. لماذا أقول ذلك. أولا، طبيعة تكوين "قوات الدعم السريع" قبلية وتم تكوينها من أجل الحركات التي قامت في دارفور في وقتها وأنا أولها. فقامت هذه القوة بأعمال إلى أن ورطت رئيسها في حينه عمر حسن البشير أمام محكمة الجنايات الدولية ومعه عدد من جنرالاته وأعوانه.

ومعروف أن الإبادة الجماعية حصلت في دارفور والتطهير العرقي حصل في دارفور في 2003 واستمر إلى 2006 و2007، ومعروف أن الصراع في دارفور أدخل العالم كله في مأزق لدرجة أن الاتحاد الأفريقي فوّض بعثة اسمها "أميس"، وعندما اشتد الحال تم نقل (مهمات) البعثة الأفريقية إلى بعثة أممية، البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي سميت "يوناميد" كانت في حينه أكبر بعثة على الإطلاق في العالم.

رويترز
ميني أركو ميناوي وإلى جانبه جبريل إبراهيم محمد زعيم "حركة العدل والمساواة" إثر توقيع اتفاق سلام بين الحكومة السودانية والحركات الخمس الرئيسة المتمردة، 31 أغسطس 2020

في كل ذلك كان الصراع بين المركز والهامش ينتقل من وقت إلى آخر ومن شكل إلى آخر إلى أن استدعاني المركز، وفي حينه كان حكومة المؤتمر الوطني، حكومة الإسلاميين، استعانوا بتجييش قبلي مع أن التجييش القبلي بدأته حكومة الصادق المهدي في فترة الديمقراطية، والجنرال الذي بدأه، يرأس الآن أحد الأحزاب السياسية حتى هذه اللحظة (حزب الأمة القومي).

كان الامتداد طبيعيا بالنسبة للحروب وتطور "الدعم السريع" من جيش مساند للجيش إلى جيش موازٍ بحكم الإمكانات التي وفرتها له الدولة، وبحكم العلاقات الدولية التي امتدت وبسطت أجنحة إلى دول ربما لها أهداف وبالتالي استغلت هذه الفرصة من أجل الاستيلاء على السلطة.

"الدعم السريع" تطور من جيش مساند للجيش إلى جيش موازٍ بحكم الإمكانات التي وفرتها له الدولة

* "قوات الدعم السريع" لعبت دورا كبيرا كما ذكرت في حرب دارفور السابقة ويبدو أنها استأنفت هذه الحرب وهناك حديث عن انتهاكات ووضع ميداني وإنساني. كيف ترسم خريطة الواقع العسكري في دارفور حاليا؟

- هذه القوات عند إنشائها في 2003- 2004 أُنشئت لهذه الثقافة لأن "كل إناء بما فيه ينضح" كما يُقال. أي أنها منظومة وضعت مانيفستو لتطبيقه إلى آخر لحظة. فآخر رصاصة سوف يطلقها في رأس العدو الذي استهدفه، وبالتالي الثقافة التي تم تكوينها لهذه القوى هي ثقافة وتكوين وتوجيه بأن كل ما تجدونه أمامكم يجب الاستيلاء عليه. كل ما تجدونه من النساء أمامكم يجب اغتصابهن فذلك كان التوجه الحقيقي لتكوين هذه القوى بواسطة عناصر الاستخبارات التي كوّنتها في وقتها.
عندما أقول "كل إناء بما فيه ينضح"، فهذا محتوى ذلك الإناء. لذلك عندما قرروا الاستيلاء على السلطة بشكل من الأشكال قرروا أن يجلبوا عددا كبيرا جدا من المرتزقة ومن هواة الحرب وهواة المال وكذلك هواة الفوضى من دول الجوار ومن الذين لم يتدربوا أصلا ومن الذين ليس لهم ضمير ومن البادية التي لا تعرف الإنسانية. فكلهم جمعوا في ساحة السودان وساحة القتال، وبالتالي أصبح كل واحد في إطار هذه التجمعات وهذا الجمع يمارس ما يريده، والآن هناك في الجزيرة استباحة كاملة. سواء كان ذلك الاغتصاب أو النهب أو قهر الناس أو غيرها من الأشياء، وتم في الخرطوم الاستيلاء على البيوت. والذين جاءوا من خارج الحدود لا يهتمون بالشعب السوداني ولا يهتمون بالروح السودانية لأنهم جاءوا من أجل الاستيلاء، فهذا هو التوجه وهذه هي الرسالة التي جاءت بهم، وبالتالي هم يطبقون رسالتهم.

الذين يجلسون في الغرف القيادية ليسوا سوادنيين

* بالمعنى العسكري هل سيطروا على الإقليم؟

- في درافور نعم، دارفور مكونة من أربع ولايات: خلال الصراع، شكلت حكومة المؤتمر الوطني خمس ولايات: ولاية غرب دارفور، وسط دارفور، جنوب دارفور، شرق دارفور، شمال دافور. "قوات الدعم السريع" تسيطر على أربع ولايات، ولكن ما هي السيطرة؟ السيطرة تحتاج إلى السلطة ولكن هناك في الحقيقة فوضى عارمة وهروب المواطنين من هذه الولايات، فهذا هو الأمر الواقعي.

* هناك كلام بأن قوات "فاغنر" ساعدت قوات "قوات الدعم السريع" في عملياتها في دارفور. هل لديك معلومات عن ذلك؟

- ليس لدي معلومات كافية أو دقيقة عن ذلك، ولكن من خلال ما أسمع وما أجد، حتى قبل الحرب، لا أستبعد ذلك. ولكن الذين دعموا هذه الحرب والذين يقودون هذه الحرب بنسبة كبيرة جدا، فوق الخمسين في المئة، هم ليسوا سودانيين سواء كان ذلك الدبل أو السولانكا... الذين يجلسون في الغرف القيادية ليسوا سوادنيين.

أ.ف.ب
(من اليسار إلى اليمين) الفريق أول محمد حمدان دقلو "حميدتي"، والفريق أول عبدالفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك خلال حفل استقبال في العاصمة الخرطوم، 8 أكتوبر 2020

* كما قلت هناك أشخاص غير سودانيين، تقصد "فاغنر" وغير "فاغنر"؟

- هناك فاغنر"، وغير "فاغنر".

* غير "فاغنر" يعني أفارقة. كما تعلم حصلت محاولة انقلابية في تشاد. وبسبب التداخل القبائلي مع إقليم دارفور، هناك من يربط تداعيات الحرب في دارفور بما حصل في تشاد وفي أفريقيا الوسطى. ما تعليقك؟

- لم أسمِ دولة ولا أريد التمادي، ولكن لا أدري ما نسَبْتَهُ إلى تشاد هل حصلت محاولة انقلابية أو غيرها، ولكن حصلت توترات ربما كانت سياسية إلى أن أصبحت أمنية وتم حسمها وهذا ما علمناه من تشاد لكن الدور الذي ذكرته، الدور الملعوب في السودان في إدارة الحرب لا أعني به دولة تشاد.

هناك تهريب للذهب واستغلال لأرض السودان وهو استغلال بشع

* إذا عدنا إلى موضوع "فاغنر" وهناك تقارير صحافية كثيرة بأن "فاغنر" تدعم "قوات الدعم السريع"، وهناك كلام عن انخراطها في استثمار الذهب. هل هذه التقارير صحيحة؟ هل لديك أي معلومات عن هذا الأمر؟

- نحن نتلقى هذه التقارير من ذوي الخبرات ومن ذوي الإمكانات العالية مثل الذين يستندون إلى المخابرات الدقيقة والمخابرات المدربة بطريقة حديثة، وكذلك من الذين يمتلكون الأقمار الاصطناعية لرصد مثل هذه الأشياء، فنحن نتلقى هذه المعلومات من هناك. ليس لدي تأكيدات على ذلك ولكن من الواضح أن هناك تهريبا للذهب واستغلالا لأرض السودان، وهو استغلال بطريقة بشعة جدا وهناك استغلال لموارد السودان وهناك استغلال لأشياء كثيرة جدا. لذلك تتوفر من خلال ذلك الاستغلال الآن الإمكانات الهائلة لهذه الحرب.

* في الحديث عن الميليشيات و"قوات الدعم السريع" إلى أي حد تعتقد، وأنت كنت على تواصل مع الجنرال حميدتي، إلى أي حد تعتقد أنه يسيطر بشكل كامل على هيكلية تنظيمه، وما عدد "قوات الدعم السريع"؟

- طبعا هذه القوات مكونة من القبيلة أو القبائل وحتى القبائل في داخل هذه القوات لديها طبعا فئات، هي مرتبة على حسب قربهم من القائد ونائب القائد الشقيقين، فلذلك القوات بأعداد كبيرة لكن من ناحية النخبة والصفوة التي تقود هذه القوات فالنخبة واحدة والصفوة واحدة والقبيلة واحدة ومعروفة وحتى في داخل القبيلة الأسر تندرج من الأعلى إلى الأدنى.

* هل تعتقد أن هناك سيطرة كاملة وهيكلية واضحة؟

- طبعا لا، فبطبيعة تكوينها لا يمكن أن تكون السيطرة كاملة، وحتى قيل ذلك على لسان حميدتي نفسه، فقد قال إن الذي يجري هو من "المنفلتين"، وهذا ما يقولونه. وقد ناقشت مع نائبه السيد عبد الرحيم وهو أيضا كان يرى أن ما جرى في الجنينة هو من "المنفلتين"، أي الذين هم خارج سيطرتهم. ربما هم يستفيدون من المعارك ويستفيدون من حركاتهم ولكن ليسوا ممن يمتثلون بالأوامر والتعليمات الدقيقة العسكرية المعروفة. لذلك بالتأكيد هناك "منفلتون" وهناك أيضا من كانوا من داخل النظام كالنخبة ولكنهم يميلون إلى كسب الذات. هذه الأشياء موجودة لأن طريقة التكوين ليست طريقة تكوين جيش نظامي.

* في تقديرك كم عدد "قوات الدعم السريع"؟

- لا أعرف العدد ولكن ما علمته من جنرالات الجيش قبل الحرب أن حوالي 120 ألف مقاتل دخلوا الخرطوم، عدا الذين كانوا في الخارج. ربما فوق الـ70 في المئة منهم لم يكونوا مدربين ولم يكونوا نخبة تابعة لـ"الدعم السريع" التي لها سجلات حقيقية، فلذلك عدد الذين جاءوا كبير جدا لأن عددا من الدول الكبيرة جدا هاجر شبابها من أجل النهب واستباحة السودان.

"الوثيقة الدستورية" التي بنت هذه الشراكة كان هناك ثلاث نسخ منها كل نسخة فيها بنود مختلفة

* هل يمكن القول إن حوالي 120 ألف عنصر من "قوات الدعم السريع" دخلت الخرطوم؟

- هذا ما قيل في تلك الفترة، ولكن ذلك العدد كان في الخرطوم لأنه قبل الحرب بأقل من ستة أشهر قالوا إن عدد "الدعم السريع" كان حوالي 25 إلى 30 ألفا، لكن قبل ساعات من الحرب قالوا إنه تم حشد أكثر من 120 ألفا، وهذا يعني أن العدد كان كبيرا جدا وتضاعف في فترات قليلة جدا وبطريقة دراماتيكية، فمن وراء ذلك التضاعف كان هناك حصار وكان هناك هدف وراء ذلك.

* في بداية الحديث تحدثت عن دور "الحرية والتغيير". كنت ولا تزال شخصية رئيسة، ما رأيك في الانقلاب على حكومة عبدالله حمدوك في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021؟

- الانقلاب على حكومة حمدوك هو الانقلاب الثالث، هذا إذا أسميناه انقلابا، مع أني لا أجده انقلابا لأن الذين استولوا على السلطة من البشير هم البرهان وحميدتي وليس حمدوك، وحمدوك أحضِر من أجل أن يكون الرجل الثالث في الحكومة في ذلك الوقت.
حسب أحد الشهود الموجودين فإن ما قبل 25 أكتوبر لم يكن حمدوك فاعلا لأن الحكم كان في يد الجنرالات ذاتهم. هو لم يكن الآمر الناهي، وحمدوك كان يستعين بهم في أشياء كثيرة جدا كان من المفترض أن تكون من صلاحيات رئيس الوزراء. لكن التحالف الذي حصل بين "المجلس المركزي"، و"الحرية والتغيير"، والجيش، و"قوات الدعم السريع"، هذا التحالف أطاح بحمدوك. فهو لم يكن انقلابا، كان عبارة عن فض شراكة، لأن هناك "الوثيقة الدستورية" التي بنت هذه الشراكة وكان هناك ثلاث نسخ موقعة من هذه الوثيقة وكل نسخة في الحقيقة لديها بنود مختلفة، وبالتالي لم يكن هناك دولة ولم تكن هناك حكومة فلذلك كانت تلك بداية الفوضى.

الفوضى بدأت عند توقيع "الوثيقة الدستورية"

* ماذا تقصد بالفوضى؟

- الفوضى بدأت عند توقيع "الوثيقة الدستورية"، إذ كنا نعتقد أن انقلابا حصل داخل "الحرية والتغيير" من قبل مجموعة "المجلس المركزي" ومجموعات أخرى بما فيها مجموعة أخرى كنت أنا فيها لأن "الحرية والتغيير" بنيناها بالدماء، بنيناها بالحركات المسلحة. ولكن بعد سقوط (الرئيس عمر) البشير تم تحالف سري بين الجيش و"الدعم السريع" من جهة، وبين الذين انقلبوا على "الحرية والتغيير" الأصلية. وانضم عدد من الأفراد إلى "قوات الدعم السريع" ووجدوا في الحقيقة العون الدولي من الدول التي لديها أهداف لصالحها وليس لصالح السودان. هذا ما تم إلى أن أوصل هذا الخلل البنيوي إلى 25 أكتوبر.

الرئاسة السودانية
الفريق أول عبدالفتاح البرهان وعبد الله حمدوك يوقعان اتفاقا سياسيا في الخرطوم، 21 نوفمبر 2021

* أنت تقول إن الانقلاب لم يكن بين البرهان وحميدتي ضد حمدوك، لكن في الواقع هو خلاف داخل قوى "الحرية والتغيير" و"المجلس المركزي" ضد حميدتي؟

- حصل انقلاب داخل قوى "الحرية والتغيير"، الانقلاب الذي قاد بعض الشباب من قوى "الحرية والتغيير" إلى أن يتحالفوا مع حميدتي ومع البرهان يوم 18 أغسطس/آب 2019 بعد سقوط البشير تحت غطاء ما سمي "الحكومة الانتقالية" وغيرها، فكان ذلك بداية الانقلاب وقبل ذلك كان هناك انقلاب على البشير من قبل حميدتي والبرهان. هذا الأمر تحرك فكان إخواننا في "المجلس العسكري" يستظلون بالجيش لقتل مراكز الانقلابات. مثلا يستعينون بالبرهان لإضعاف الذين يمكن أن تأتي بهم الفرص إلى انقلاب ويستعينون بحميدتي لإضعاف الحركات المسلحة التي يمكن أن تأتي في يوم من الأيام إلى السلطة بواسطة العمل العسكري. فهذا كان الغرض الغامض الذي يقولونه.

* أنت توجه اللوم أكثر إلى المجلس المركزي لقوى "الحرية والتغيير"؟

- طبعا لأنه وصلهم بالقوى السياسية وأدخلهم في جيب الجيش في الفترة قبل 25 أكتوبر.

العناصر الموجودة هي ذاتها التي زوّرت "الوثيقة الدستورية" لذلك لا أرى جديدا

* ما رأيك في الاتفاق الأخير بين حميدتي وحمدوك؟

- حمدوك رئيس "التقدم" وحميدتي قائد "قوات الدعم السريع" التي تلعب دورا عسكريا، و"تقدم" تلعب دورا سياسيا فأعتقد أنهما جناحان لحزب واحد أو لتنظيم واحد. هذا "استهبال"، و"مضحكة" أخرى على الشعب السوداني ولا أجد مثل هذه السيناريوهات والتمثيليات والمسرحيات تنطلي علينا.

* هل ترى أن هذا مقدمة لحل أوسع في السودان أم هو تكريس للواقع الانقسامي الموجود؟

- لا عنصر جديدا حتى الآن. العناصر الموجودة هي ذاتها التي زوّرت "الوثيقة الدستورية" لذلك لا أرى شيئا جديدا.
 
* أعتقد أنك على تواصل مع الجنرال البرهان؟

- أنا على تواصل مع الجميع ولكن أنا موجود في الحكومة التي شكلت بواسطة اتفاق جوبا، وهذه الحكومة ما زال يرأسها البرهان.

الدول التي تقود هذه الحرب تقف وراء مخطط لتقسيم السودان ووضع خارطة جديدة للمنطقة

* واقع الحال أن البرهان مقيم في بورتسودان، وواضح أن مركز القوة للجيش في بورتسودان، وقوات "حميدتي" في الخرطوم وهي تقاتل في درافور. سؤال أتمنى إجابة صريحة عليه: هل تعتقد أن السودان ماضٍ باتجاه المزيد من التقسيم الجغرافي كأمر واقع؟

- الدول هي من تقود هذه المعركة وليس المواطنون أو الوطنيون السودانيون الذين هم في صفوف الحرب سواء كان ذلك في الجيش أو "الدعم السريع". لكن الدول التي تقود هذه الحرب تقف وراء مخطط لتقسيم السودان ووضع خارطة جديدة للمنطقة كلها وليس للسودان وحده. هذه الكارثة ستنتقل إذا نجحت في السودان، إذا نجحت في تقسيم السودان. عندما عادت "قوات الدعم السريع" من الخرطوم وركزت على العمليات في دارفور من نهاية نوفمبر/تشرين الثاني إلى بداية ديسمبر/كانون الأول، كان الغرض الاستيلاء على درافور وفرض الأمر الواقع. وفرض هذا الأمر الواقع يجب أن يشكل ما تم تشكيله في يوم من الأيام في دول جوار السودان.
هذا الأمر بطبيعة الحال وبالوقائع التي نعرفها ليس وراءه "الدعم السريع "بالضرورة بل دول لها أجندة، وهذه الأجندة يجب أن تنفذ ولديها عناصر داخلية.

أ.ب
الدخان يتصاعد فوق الخرطوم في 8 يونيو 2023، مع استمرار القتال بين الجيش السوداني و"قوات الدعم السريع"

* من هذه الدول؟

- لا أريد تخديش أي دولة بذكرها.

* هل ترى أن تقسيم السودان أمر واقع أم أنك قلق على تقسيم السودان؟

- يريدون تقسيم السودان أو يجعلون التقسيم أمرا واقعا. كانوا يريدون أن يبدأوا من دارفور باستيلاء "الدعم السريع" على دارفور ومن ثم إدخاله تحت مظلة المعونات الإنسانية ليخلقوا شيئا من الفرض. ومع مرور الزمن وبدعم الذين استولوا على دارفور سيكون أمرا واقعا. هذا بعد أن أحبِط سيناريو الخرطوم.

* نحن بالتالي نتحدث عن تقسيم والجيش يسيطر على بورتسودان فقط؟

- الجيش يسيطر على بورتسودان والجيش موجود داخل الخرطوم والجيش موجود حتى في دارفور وفي الفاشر والجيش موجود في مناطق كثيرة وليس فقط في بورتسودان. ولكن عندما اختار مثلا قيادة الحكومة التنفيذية في بورتسودان فهذا لا يعني أنها المنطقة الوحيدة المتبقية تحت سيطرة الجيش.

* في الأيام الأخيرة كانت هناك جولة لبرهان إلى مصر وجولة لحميدتي إلى ليبيا. هل هذا صحيح؟

- لم أسمع بعد بزيارة حميدتي إلى ليبيا ولكني شاهدت وتابعت زيارة البرهان إلى مصر.

مصر دولة محورية ودولة جارة ولديها مصالح في استقرار السودان وللسودان مصلحة في استقرار مصر

* كيف تقرأ هذه الزيارة؟

- هذه زيارة طبيعية، ومصر دولة محورية ودولة جارة ولديها مصالح في استقرار السودان وللسودان مصلحة في استقرار مصر وأعتقد من الطبيعي جدا أن يتبادل القادة الزيارات.

* كانت لك علاقة شخصية ومباشرة مع الرئيس الأميركي جورج بوش الابن...

- حتى الآن لدي علاقات شخصية مع كثير من الأميركيين ولدي علاقات شخصية خاصة مع الكثير من الفاعلين في "الحزب الجمهوري".

* قبل أيام عيّن الأميركيون مبعوثا إلى السودان. ما رأيك بالتوجهات الأميركية تجاه السودان؟

- رحبنا بالمبعوث الجديد ولكن التوجهات الأميركية هي دائما توجهات المؤسسات فهم لا يعتمدون على العلاقات الشخصية بقدر ما يعتمدون على ما خططته مؤسساتهم والتوجهات والمناهج التي تديرها مؤسساتهم ودواوينهم. أما (بخصوص) الذي يجري فأنا راسلتهم وناشدتهم أنه يجب أن يغيروا سياستهم تجاه السودان عما كان يفعله المبعوثون السابقون أو السفراء السابقون في حينه. لأن السودان دولة كبيرة جدا وأمم متنوعة في الثقاقات والديانات، وأرض شاسعة فكلهم يحب السودان وكل شبر في السودان ولا يقبلون أن يكون هناك أخيار وأشرار في السودان. والذي يوصف بأنه من الأخيار من الخارج سيكون ذلك أزمة له داخل السودان، ولذلك ناشدتهم أن يتعاملوا مع كل القوى المدنية والسياسية من أجل استقرار السودان ومن أجل كسب محبة الشعب السوداني.

* وكأنك لا ترى ذلك حاصلا؟

- لا أدري، لأن الشخص الذي تم تعيينه لم يمارس مهماته حتى الآن ولكن لدينا تجارب خلال السنتين الماضيتين مع الذين أداروا ملف السودان بالشكل الذي أوصلنا إلى الحرب وبالتأكيد معهم آخرون وربما كانت تقديراتهم خاطئة.

* أنت تعتبر أن السياسة الأميركية ساهمت بوصول السودان إلى الحرب؟

- ربما هي سياسة الأفراد الذين أداروا الملفات وليس السياسة الأميركية، لأن أميركا كان اهتمامها بمشاكل أخرى ربما كانت بالنسبة لهم أكبر من السودان. مشاكلهم مع الدول الأخرى ومع المحاور الأخرى ومع الحروب، مثلا في أوكرانيا كانت هناك مشاكل كبيرة بالإضافة إلى الكوارث الإنسانية التي تدفعها أميركا، هذه كانت مأساة داخلية للأميركيين، وربما الأشخاص الذين أداروا الملفات أخطأوا في التقديرات.

لا أجد أي مؤشرات من قبل الحكومة الموجودة على علاقات خاصة مع أميركا

* ربما تشير بمعنى أو بآخر إلى الاتفاق بين الحكومة السودانية وروسيا على إقامة قاعدة عسكرية بحرية في بورتسودان، ربما كان هناك اهتمام أميركي بمنع حصول هذا الاتفاق. هل لك أن تعطينا فكرة أكثر عن هذا الاتفاق؟

- هذا الاتفاق قديم وليس جديدا، وبالتأكيد هو لم يكن اتفاقا بل كان مشروع اتفاق ولكن لم ينفذ بعد وأنا لا أجد أي مؤشرات من قبل الحكومة الموجودة على علاقات خاصة مع أميركا وخاصة موضوع تأسيس القواعد، هذا موضوع لم يثره أحد.

* أقصد القاعدة الروسية إذ كان هناك مسودة اتفاق بين الجيش على ما أظن وروسيا لإقامة قاعدة عسكرية في بورتسودان...

- الآن ليس هناك مثل هذا الاتفاق ولم يُناقش بعد، فأنا من الذين يرون أن هذا الاتفاق ربما مات في مهده.

رويترز
لاجئون سودانيون يتجمعون بينما تساعد فرق "أطباء بلا حدود" جرحى الحرب في غرب دارفور، في مستشفى أدري بتشاد، 16 يونيو 2023

* لا بد أنك قرأت تقارير عن أن إيران عرضت على الجيش السوداني تزويده بالمسيّرات العسكرية مقابل حصول إيران على قاعدة بحرية تطل على البحر الأحمر؟

- كل هذا يمكن أن يكون شائعات تخرج إلى الإعلام أكثر مما تكون واقعية. حتى هذه اللحظة أنا لم أسمع بذلك بل قرأت كما قرأت أنت، ولكن لم أعلم بذلك من مصدر حكومي رسمي لأني موجود في الحكومة ويمكن أن أجد صحة هذا الخبر من عدم صحته من أي مصدر في أي وقت إذا كان ذلك الأمر صحيحا، ولكن كل الذين سألتهم، لم يؤكد لي أحد منهم أن هذا الأمر صحيح. أما فيما يخص موضوع التعاون مع إيران أو غيرها فكل هذه الأشياء متروكة لعلاقات الدول وتقييم الدول وسياستها الخارجية وخاصة دولة مثل السودان والوضع الجاري الآن. إذا شعرت الدولة، وليس الجيش، وهنا يجب أن نفرّق بين الدولة والجيش، لأن الجيش آلة من آليات الدولة ولكن الدولة "حاجة" كبيرة جدا. إذا شعرت الدولة أن هناك حصارا أو انغلاقا أو مؤامرة حولها ستستعين بأي أحد يمكن أن يفك الحصار.

* روسيا حاولت إقامة قاعدة عسكرية في بورتسودان وهناك حديث عن محاولة إيرانية، وهناك دول إقليمية، هل تشعر أن هناك صراعا إقليميا دوليا على السودان؟

- هذه الحرب ملمح من ملامح الصراع الإقليمي الدولي على السودان.

الدورس التي شهد عليها الشعب السوداني ليست سهلة

* هل ترى أي نهاية قريبة لهذه الحرب وما الطريقة المثلى برأيك لنهاية هذه الحرب؟

- بالتأكيد هذه الحرب ستقف لأن الحرب ليست أمرا طبيعيا في السودان ولا في العالم ولا في أي مكان، بل هي أمر شاذ وربما تأتي في ظروف ما وتنتهي. لذلك الظروف تلك التي قادت هذه الحرب الآن يجب أن نجد طريقة لإطفائها. وهذه الحرب ستنتهي بموافقة القوى السياسية والمدنية السودانية وباعتراف بعضها ببعضها الآخر وبحوار وطني وبتراضي كل الأطراف، فإذا وصل الشعب السوداني إلى هذا الأمر وهذه القناعة، ستنتهي الحرب إلى الأبد.

أ.ف.ب
متمردو "جيش تحرير السودان" الموالي لميناوي، في الفاشر عاصمة غرب دارفور، 19 سبتمبر 2008

* أنت تعتقد أن هذا سيحصل؟

- بالتأكيد هذا سيحصل لأن الدورس التي شهد عليها الشعب السوداني ليست سهلة، عبر التاريخ، عبر 70 عاما من الاستقلال وليس عبر حرب 15 أبريل وحسب.

* سؤال شخصي، لماذا لغتك العربية ثقيلة قليلا؟

- أنا ابن قبيلة لا تتحدث العربية، لدي لغة في قبيلتي. ودخلت المدرسة عندما كان عمري عشر سنوات وتعلمت اللغة العربية... في المرة الأولى التي سمعت فيها كلمة عربية كان عمري عشر سنوات ودرستها، لذلك لساني ثقيل باللغة العربية لأن لديّ لسان آخر.

* كنت مدرسا وكنت في إقليم دارفور ثم التحقت بـ"حركة تحرير السودان"؟

- هذا صحيح.

* سألتك هذه الأسئلة الشخصية من باب التعريف بخلفيتك.

- أهلا وسهلا بكم وشكرا جزيلا.

font change

مقالات ذات صلة