السعودية الأولى سياحيا في الشرق الأوسط

خطط لاستثمار 800 مليار دولار في القطاع واستقبال 150 مليون زائر

Shutterstock
Shutterstock
مناظر للطبيعة السعودية.

السعودية الأولى سياحيا في الشرق الأوسط

أصبحت السياحة من أهم المعالم الحيوية للاقتصاد السعودي، التي يمكن ان تعزز قدرات الاقتصاد على التنوع. وعلى الرغم من أن عدد الزوار إلى مختلف المواقع الأثرية والترفيهية وغيرها من مواقع ذات صبغة سياحية، الذي قارب 106 ملايين، بموجب البيانات الحكومية، فإن عددا كبيرا منهم سعوديون، فيما تأمل الحكومة زيادة أعداد الأجانب خلال السنوات المقبلة. السعودية، التي تعتبر عضواً بارزا في مجموعة العشرين، والتي صنفتها منظمة السياحة العالمية كثاني أسرع دولة في جذب السياح، ارتفع لديها عدد السياح بنسبة 156 في المئة خلال عام 2023 مقارنة بعام 2019، أي قبل جائحة "كوفيد-19"، كما ذكر تقرير صدر أخيراً عن المنظمة، وهو نمو متسق مع نمو أعداد الزوار إلى دول الشرق الأوسط، حيث ارتفعت أعدادهم بنسبة 122 في المئة في 2023 مقارنة بعام 2019 في مختلف دول المنطقة، علماً بأن معدل النمو بين العامين المذكورين على المستوى العالمي قدر بـ88 في المئة.

لكن لماذا يحدث هذا التحول الكبير في السعودية وهي من الدول التي عادة تصدر السياح ولا تستوردهم؟

كانت زيارة الحج والعمرة من أهم ما يدفع الناس، المسلمين تحديدا، الى زيارة السعودية. فما سبب هذا التحول النوعي خلال السنوات الأخيرة؟ السلطات السعودية التي انتهجت الانفتاح الثقافي والاقتصادي، مكنت من اكتشاف سمات مهمة في الحياة السعودية، وتم تحديد مواقع جاذبة في البلاد تستحق زيارة السياح والتعرف إلى معالمها.

صنفت منظمة السياحة العالمية السعودية كثاني أسرع دولة في جذب السياح، ارتفع عددهم بنسبة 156 في المئة خلال عام 2023 مقارنة بعام 2019

حددت الـ"يونسكو" ستة مواقع تحمل قيما تاريخية وتراثية، ومنها مواقع جاء ذكرها في الكتب السماوية، مثل مدائن صالح وكذلك حي الطريف في الدرعية الذي تأسس في القرن الـ15 ميلادي والذي يمكن أن يعرف على المعمار النجدي. كذلك، هناك مدينة جدة التاريخية التي يرجع تاريخها إلى ما قبل ظهور الإسلام. وهناك أيضا الرسوم الصخرية في منطقة حائل التي قال المختصون بالآثار بأنها ترجع إلى ما قبل عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، حيث تنتشر هذه الرسوم على الجبال الواقعة في هذه المنطقة.

أما واحة الإحساء فتعتبر من أشهر وأكبر واحات النخيل الطبيعية في العالم وتحوي ما يزيد على ثلاثة ملايين نخلة منتجة للتمور، وهي ترتبط بدول العالم القديم مثل بلاد الشام ومصر الفرعونية وبلاد الرافدين. كما أوردت الـ"يونسكو" آبار حمى في نجران التي تتمثل في طريق يمتد بين 6 آبار صخرية، كانت القوافل التجارية تستخدمها قادمة من جنوب الجزيرة العربية إلى الشمال وتتزود المياه من الآبار في مسيرة السفر. وتشمل هذه المنطقة 13 موقعاً وتتميز برسومها التي تمثل مناظر الرعي والصيد وتشمل أشكالا آدمية.

Shutterstock
جبل الفيل في العلا، السعودية.

وقد أفسحت الحكومة السعودية المجال أمام الزوار المهتمين بالآثار الذين يسعون الى زيارة ومشاهدة هذه الأماكن. وسبق لعلماء الآثار، ومنهم المصري زاهي حواس، أن كتبوا الكثير عن معالم الآثار في الجزيرة العربية، وأكدوا أهميتها التاريخية التي لا تقل أهمية عن الآثار الفرعونية أو البابلية أو السومرية أو الفينيقية.

لا شك أن زيارة الآثار من أهم العناصر التي تتسم بها السياحة في العالم. وتخطط الحكومة السعودية لاستثمار 800 مليار دولار في المنشآت والأعمال المتعلقة بالسياحة خلال السنوات العشر المقبلة، وتشير الأهداف المرسومة إلى استقبال 150 مليون سائح في عام 2030، 70 في المئة منهم من خارج البلاد. هذه أهداف متميزة وطموحة ولا بد من توفير القدرات البشرية الوطنية للعمل في القطاع السياحي وتهيئة البنية التحتية التي تمكن المستثمرين من إقامة المنشآت والفنادق والمنتجعات.

كتب علماء الآثار عن معالم الآثار في الجزيرة العربية، وأكدوا أهميتها التاريخية التي لا تقل أهمية عن الآثار الفرعونية أو البابلية أو السومرية أو الفينيقية

يمثل مشروع "نيوم" تطوراً مهما في التنمية العمرانية والسياحية في السعودية. يقع المشروع في شمال غرب البلاد وعلى مساحة تقدر بـ26,500 كيلومتر مربع، وهو يهدف الى إقامة مدينة متكاملة في أغراضها السكنية والتجارية والسياحية، وجذب رواد الأعمال وعشاق الثقافة والترفيه. يقع المشروع في منطقة تبوك، عند الحدود الأردنية والمصرية تقريبا، وبذلك، يمكن أن يتكامل مع الفاعليات السياحية والتجارية في كلا البلدين. 

كما أن المشروع الذي سيشمل مطاراً، سيكون قريباً للزوار من الدول الأوروبية. يعتمد تصميم المشروع على التقنيات الحديثة والأنظمة الذكية بما يسهل أعمال وإقامة العاملين والزائرين. الأهم من ذلك، أن المشروع سيتعاطى مع متطلبات البيئة النظيفة ويؤكد التزام استخدام وسائط النقل الحديثة التي لا تؤدي إلى تلوث الهواء. معلوم أن هذا المشروع الذي يرتقب أن يشهد تدفقا للسياح من مختلف دول العالم، لا بد أن يساهم بقوة في تشغيل العمالة الوطنية في مختلف الأنشطة.

و"نيوم" جزء من "رؤية 2030" التي تبنتها المملكة، مما يعني مساهمته في تحقيق التنوع الاقتصادي، وإتاحة فرص استثمارية واعدة لرجال الأعمال والشركات الوطنية والأجنبية. ويشير تقرير في شأن المشروع بأن عدد السياح في عام 2030 قد يناهز 5 ملايين.

السياحة الدينية

هذا المشروع، الذي يمكن أن تنتهي مرحلة العمل الأولى منه في عام 2025، قد يساهم بنحو 100 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي. وسيبدأ استقبال الزوار لمعالم "نيوم" اعتباراً من السنة الجارية.

يمكن أن تصبح السعودية أهم الدول الجاذبة للسياح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد أنفق فيها الزوار في الشهور التسعة الأولى من العام المنصرم نحو 103 مليارات ريال (28 مليار دولار)

غني عن البيان أن السياحة الدينية تمثل مرتكزاً مهماً في النشاط الإجمالي للسياحة في السعودية. زوار مكة والمدينة يقدمون من داخل البلاد وخارجها ويمثلون أهمية لاقتصاد كل من المدينتين حيث ينفقون الأموال على السكن والفنادق والمشتريات من الأسواق. قدر عدد  المعتمرين في 2023 بـ13,55 مليونا، علماً أن هذا عدد المعتمرين من الخارج.

أما الحجاج الذين قدموا من 150 دولة، فقد بلغ عددهم 850 ألفاً تقريباً. أدى تطوير المواقع الدينية وإقامة العديد من الفنادق والعمارات السكنية المخصصة للحجاج والمعتمرين إلى زيادة أعداد الزوار إلى مكة والمدينة، بما عزز الإيرادات من السياحة الدينية. ويتوقع المتخصصون في وزارة الحج أن ترتفع الإيرادات في عام 2030 إلى 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار). سيتمكن العديد من الأنشطة الخدمية والتجارية من تحسين حصيلة أعمالها بعد هذه التطورات المهمة في المدينتين. كما أن إمكان توفير فرص عمل جديدة يظل قائما في سياق التحسن والتطوير في مواقع العبادات.

دور الرياضة في السياحة

كما أن ارتفاع أعداد الزوار إلى المملكة لأغراض مختلفة ومنها الزيارات السياحية والترفيهية والرياضية، قد يعزز زيارة المعتمرين، حيث يستغل كثيرون وجودهم في البلاد لأداء العمرة حتى لو كانت الزيارة قصيرة لا تتعدى أياماً قليلة. 

يمكن أن تصبح السعودية أهم الدول الجاذبة للسياح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أنفق فيها الزوار في الشهور التسعة الأولى من العام المنصرم نحو 103 مليارات ريال (28 مليار دولار)، وبذلك فإن إمكان تحسن أداء القطاع السياحي يظل متوقعا بعدما أقدمت الحكومة على تنفيذ خطط لتطوير مختلف مناطق الجذب السياحي ومعالم البلاد وتبني سياحة الانفتاح ودعم أعمال الترفيه وتنظيم المهرجانات والمؤتمرات والدورات الرياضية.

كذلك، تعتبر خطط تطوير الرياضة جزءاً من رؤية 2030، وقد جرى تحويل العديد من الأندية الرياضية لملكية القطاع الخاص والصندوق السيادي بما يعزز حسن الإدارة المناسبة والأداء المتميز. ولا بد لهذه الرياضة، التي بدأت بتطوير أندية كرة القدم وجذب أفضل اللاعبين والمدربين الأجانب، من أن تشكل أهم عوامل الجذب السياحي إلى السعودية، موازاة بدول اشتهرت بتلك اللعبة مثل إنكلترا وإسبانيا وإيطاليا، وساهمت في زيادة أعداد الزوار لمشاهدة المباريات والمسابقات.

font change

مقالات ذات صلة