الأيديولوجيا والسياسة في مقاربة إدارة ترمب لحقوق الإنسان في أوروبا

يتعمق التباعد الأميركي-الأوروبي حول الكثير من الملفات الدولية

أ ف ب
أ ف ب
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، مع مسؤولين أوروبيين خلال اجتماع غير رسمي لوزراء خارجية حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا، في أنطاليا، في 15 مايو 2025

الأيديولوجيا والسياسة في مقاربة إدارة ترمب لحقوق الإنسان في أوروبا

يطغى التوتر على العلاقات بين ضفتي الأطلسي في زمن دونالد ترمب. ويتعمق التباعد الأميركي-الأوروبي حول الكثير من الملفات الدولية والحرب التجارية وصولا إلى ملف حقوق الإنسان. وهذه المرة، انتهزت إدارة ترمب فرصة إصدار التقرير الأميركي السنوي عن انتهاكات حقوق الإنسان في العالم، لكي تسطر مضبطة إدانة بحق الكثير من أبرز الدول الحليفة في أوروبا: ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، تحت عنوان استنكار "تدهور" حقوق الإنسان وفرض "قيود خطيرة على حرية التعبير".

ومما لا شك فيه أن البعد الأيديولوجي كان حاضرا بقوة في كيفية الصياغة وسرد التبريرات. ويبدو أن الانتقادات الأوروبية لهذا الأسلوب حدت بوزير الخارجية ماركو روبيو لتقليص أقسام من هذا التقرير (الأول الصادر في حقبته) في محاولة للملمة تداعياته على صلات "القارة القديمة" مع "العالم الجديد".

"الأستاذ الأميركي" و"التلامذة الأوروبيون"

تسود في ظل ولاية دونالد ترمب الثانية (2025-2028)، جملة من الديناميكيات المؤثرة والسلبية غالبا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. يشمل ذلك التوترات التجارية، والأسواق الرقمية وقضايا المناخ، والأمن الدولي، مما يشير إلى علاقة عبر أطلسية غير متوازنة، هشة وحذرة... لكنها لا تزال أساسية وملزمة إزاء متغيرات وفوضى عالم متعدد الأقطاب.

يأتي في هذا السياق التقرير الأميركي السنوي عن انتهاكات حقوق الإنسان ليزيد من عوامل التباعد بين الشريكين الأطلسيين، حيث تلعب الولايات المتحدة دور الأستاذ الملقن، والدول الأوروبية أدوار التلامذة المندهشين. والتقرير الذي تم الكشف عنه أواسط أغسطس/آب الحالي كانت إدارة جو بايدن قد بدأت بإعداده في عام 2024، وأكملت إدارة دونالد ترمب صياغته. ولوحظ تركيز التقرير الأميركي على أوروبا، وتقليل الانتقاد لإسرائيل وروسيا، ومراعاة شركاء ترمب أمثال السلفادور والتصويب على الخصوم أمثال البرازيل وجنوب أفريقيا.

على سبيل المثال، القسم المتعلق بإسرائيل أقصر بكثير من إصدار العام الماضي، ولا يتضمن أي ذكر لكارثة غزة. وكان من اللافت عدم وجود أي ذكر لانتهاكات حرية التجمع في الصين.

تجلى انحياز التقرير بشكل خاص في أوروبا الغربية، "حيث ورد أن وضع حقوق الإنسان قد تدهور في عام 2024"

ولطالما قدّم تقرير الخارجية الأميركية الصادر بتكليف من الكونغرس تقارير مستفيضة عن سجلات جميع الدول، موثقا بتفاصيل دقيقة لقضايا من الاعتقال الجائر مرورا بالقتل خارج نطاق القضاء وصولا إلى الحريات الشخصية. وكأن الولايات المتحدة القوة العظمى الأولى في العالم تمارس دور المدعي العام الكوني في مجال تعتبره واشنطن في صلب منظومة القيم التي تحمل لواءها، علما أنه مع إدارة ترمب بالذات تغيرت المعايير وأصبح كل ما هو ليبرالي وكوني محل تشكيك. 

يعتمد الكونغرس إذن على هذه التقييمات لتوجيه قراراته بشأن "المساعدات الخارجية ومبيعات الأسلحة". ويشير أحد السياسيين الديمقراطيين في واشنطن إلى أن "هذا التقرير، الذي ينتظره الدبلوماسيون والناشطون والصحافيون، كان يتمتع بسمعة طيبة لكونه محايدا وشاملا". لكن المدافعين عن حقوق الإنسان أعربوا عن خشيتهم من تسييس التقرير، لأن التغييرات التي أدخلتها إدارة ترمب أبرزت طابعه الأيديولوجي وأزاحته عن هدفه الأساسي.

وحسب مصادر متابعة، يمكن القول إن تقرير هذا العام بصيغته النهائية، والذي كان "أقصر بكثير وأقل تفصيلا" من السنوات السابقة، يحمل لمسات صموئيل سامسون، "المستشار الأول" الشاب لإدارة ترامب لشؤون حقوق الإنسان، والذي أتم تعديل التقرير بشكل جذري ليتماشى مع السياسة الخارجية للبيت الأبيض. وسامسون كاثوليكي أصولي ومؤيد لسياسة "الاختراق والسيطرة"، ومن المتشددين أنصار تدمير المؤسسات الليبرالية.

أ ف ب
ضباط الشرطة يراقبون المتظاهرين الذين يحملون لافتة خلال احتجاج دعماً لمجموعة "فلسطين أكشن" المؤيدة للفلسطينيين، في ميدان ترافالغار، وسط لندن، في 23 يونيو 2025

المقاربة الأيديولوجية والمنحازة 

تجلى انحياز التقرير بشكل خاص في أوروبا الغربية، "حيث ورد أن وضع حقوق الإنسان قد تدهور في عام 2024". وفي فرنسا، يُؤكد التقرير وجود "روايات موثوقة عن قيود خطيرة على حرية التعبير، بما في ذلك تطبيق قوانين أو التهديد بقوانين جنائية أو مدنية للحد من التعبير، وكذلك الجرائم والعنف أو التهديد بالعنف بدافع معاداة السامية". لكن جرى التغاضي في أوروبا عامة عن تغطية قضايا مثل الفساد الحكومي واضطهاد "مجتمع الميم". وبشكل عام يمكننا القول إن إدارة ترمب ابتعدت عن الترويج الأميركي التقليدي للديمقراطية وحقوق الإنسان، معتبرة إياه "تدخلا في شؤون الدول الأخرى"، في حين سمحت لنفسها بانتقاد "انتقائي" بناء على سياستها الخارجية.

اتهم تقرير الخارجية الأميركية المسؤولين البريطانيين بـ"التدخل مرارا للثني عن التعبير عن الرأي"

ينطبق هذا النهج إزاء تقييم وضع حقوق الإنسان في ألمانيا العام الماضي، مع الإشارة إلى قيود على حرية التعبير، وعنف مرتبط بمعاداة السامية والإسلام. وقال التقرير، إنه استند في استنتاجاته إلى تقارير عن جرائم ذات دوافع معادية للسامية أو عنف أو تهديدات بالعنف.

وكانت الإدارة الأميركية الحالية قد انتقدت ألمانيا قبل أشهر، حيث اتهم نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس في خطاب ألقاه في مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن في فبراير/شباط الماضي الحلفاء الأوروبيين بتقييد حرية التعبير وتعريض الديمقراطية للخطر، كما انتقد- من بين أمور أخرى- استبعاد حزب "البديل من أجل ألمانيا" وحزب "تحالف" الألماني الشعبوي من المؤتمر. وبرزت انتقادات أميركية حول تعامل الدول الأوروبية حيال الهجرة، مما يؤكّد على أولوية البعد الأيديولوجي وأممية اليمين الشعبوي المتطرف الملتفة حول ترمب وأقصى اليمين الأوروبي والعالمي. 

وركز التقرير على أن حقوق الإنسان تدهورت في بريطانيا وفرنسا وألمانيا نتيجة القيود على خطاب الكراهية على الإنترنت. وأسهب التقرير في وصف الوضع البريطاني انطلاقا من عملية طعن استهدفت ثلاث فتيات، وحينها تحرّكت السلطات ضد مستخدمي الإنترنت الذين زعموا خطأ بأن القاتل كان مهاجرا ودعوا إلى الانتقام.

واتهم تقرير الخارجية الأميركية المسؤولين البريطانيين بـ"التدخل مرارا للثني عن التعبير عن الرأي".

أعرب نواب المعارضة الديمقراطيون، وكذلك المنظمات غير الحكومية، عن قلقهم من تماشي التقرير مع سياسات ترامب بحيث لا يعكس صورة حقيقية لانتهاكات حقوق الإنسان حول العالم

وقالت الناطقة باسم الخارجية الأميركية تامي بروس، من دون أن تأتي على ذكر بريطانيا تحديدا، إن القيود استهدفت "الأصوات غير المرغوب فيها على أسس سياسية أو دينية".

وتأتي هذه الانتقادات رغم تحرك روبيو بقوة لرفض منح تأشيرات دخول للمواطنين الأجانب أو تجريدهم منها على خلفية تصريحات ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، في إجراءات استهدفت خصوصا الطلاب الناشطين الذين انتقدوا إسرائيل.

مقابل كل هذا التركيز النقدي على أوروبا الغربية، تم التغاضي عن شركاء ترمب خاصة المجر تحت حجة غياب "الأدلة الوافرة على فساد الحكومة في بودابست".

أ ف ب
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يمين)، محاطًا بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، يتحدث في مؤتمر صحفي خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في لاهاي في 25 يونيو 2025

وهكذا أتت صياغة التقرير تلائم أولويات إدارة دونالد ترمب. وفي هذا الصدد، أعرب نواب المعارضة الديمقراطيون، وكذلك المنظمات غير الحكومية، عن قلقهم من تماشي التقرير مع سياسات ترامب بحيث لا يعكس صورة حقيقية لانتهاكات حقوق الإنسان حول العالم.

من جهتها، حذرت أماندا كليسنغ من منظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة من أن التقرير يبعث "رسالة مخيفة مفادها أن الولايات المتحدة ستتغاضى عن الانتهاكات إذا كان الأمر يناسب أجندتها السياسية".

والمثير للانتباه في سياق آخر، إعلان الولايات المتحدة الأميركية في العشرين من أغسطس الحالي عن فرض عقوبات جديدة على قاضيين أحدهما فرنسي والأخرى كندية واثنين من المدعين في المحكمة الجنائية الدولية التي تحولت خصما لإدارة الرئيس دونالد ترمب. ومسوغ الإعلان الأميركي هو كون المعاقبين "شاركوا مباشرة في جهود المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في شأن مواطنين من الولايات المتحدة وإسرائيل، أو توقيفهم، أو اعتقالهم، أو ملاحقتهم، من دون موافقة أي من هذين البلدين".

وقد أرادت واشنطن هذه العقوبات على الجنائية الدولية للوقوف ضد حملة التشهير بحق إسرائيل.

وهذا المعيار في ضرب مؤسسة بارزة تعنى بتطبيق القانون الدولي، يعني أن واشنطن تولي الأهمية للاعتبارات الأيديولوجية والسياسية وأن مسألة " المثال الأميركي" في الدفاع عن حقوق الإنسان تشهد كسوفا... موسميا.

font change