"النجم الساطع" بين مصر وأميركا... اختبار جديد لميزان العلاقات

هل سينجح البلدان في بلوغ التوازن الدقيق بينهما في الشهور والسنوات المقبلة؟

أ ف ب
أ ف ب
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يمين) يصافح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في وزارة الخارجية في واشنطن العاصمة، في 30 يوليو 2025

"النجم الساطع" بين مصر وأميركا... اختبار جديد لميزان العلاقات

ترتبط العلاقات بين مصر والولايات المتحدة بطيف واسع من الأنشطة ذات الأهمية البالغة. ومع ذلك، نادرا ما يضاهي أي منها أهمية مناورة "النجم الساطع"، التي انطلقت في 28 أغسطس/آب في قاعدة عسكرية مترامية الأطراف في الصحراء الغربية المصرية، قرب الحدود الليبية.

بدأت هذه المناورة السنوية المشتركة عام 1980، بعد عام واحد فقط من توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. غير أنّها تعقد هذا العام في سياق توتر غير مسبوق يشوب العلاقات المصرية–الأميركية، توتر تتمحور أسبابه حول تباين المواقف بين العاصمتين بشأن الحرب في غزة، وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، فضلا عن الترتيبات السياسية الجديدة التي تعيد تشكيل ملامح المنطقة.

ازدادت مصر صراحة في انتقادها للحملة الإسرائيلية على غزة، وسعت بحزم للحصول على اعتراف دولي بدولة فلسطينية على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، محذرة من مخاطر نظام إقليمي جديد تهيمن عليه إسرائيل الساعية إلى تحقيق ما تعتبره حقها التوراتي في إقامة دولة تفوق في حجمها الدولة الحالية بكثير.

وفي وقت سابق، رفضت مصر اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإعادة توطين لاجئي غزة على أراضيها، في إطار رؤيته لتحويل القطاع المدمر بفعل الحرب إلى "ريفييرا الشرق الأوسط".

ورغم ذلك، فإن إرسال واشنطن وحدات عسكرية للمشاركة في المناورة، التي تستمر حتى 10 سبتمبر/أيلول، يوحي بأن الرئيس ترمب يرى حدودا لتصعيد التوترات الثنائية، ويبدو مصمما على تأكيد أن هذه الخلافات لا تقلل من أهمية مصر الاستراتيجية كحجر زاوية في استراتيجية الأمن الأميركية في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، تبقى هذه اللحظة محاطة بأسئلة معلقة بشأن مستقبل العلاقات المصرية–الأميركية، ولا سيما إذا واصل الطرفان انتهاج سياسات متصلبة تتعارض مع مصالح أحدهما الآخر.

تحقق مصر، التي تمتلك أقوى جيش في العالم العربي، من تمرين "النجم الساطع" جملة من المكاسب الاستراتيجية والعسكرية والسياسية والاقتصادية

حجر الزاوية

شكلت مناورات "النجم الساطع" دوما مقياسا دقيقا لحالة العلاقات بين مصر والولايات المتحدة. ففي عام 2013، ألغى الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما التمرين المقرر احتجاجا على أسلوب تعامل السلطات المصرية مع الاحتجاجات المؤيدة للرئيس الراحل محمد مرسي. وسبق ذلك تعليق آخر في عام 2011، في ظل الاضطرابات الأمنية التي أعقبت سقوط الرئيس المصري السابق حسني مبارك في فبراير/شباط من تلك السنة.

ولم يستأنف التمرين إلا في عام 2017، بعد نحو ثمانية أشهر من تولي دونالد ترمب الرئاسة، واستمر في السنوات التالية على الرغم من التوترات المتكررة في العلاقات الثنائية، ولا سيما اعتراضات واشنطن في عهد الرئيس السابق جو بايدن على سجل مصر في مجال حقوق الإنسان.

ويجمع تمرين "النجم الساطع" هذا العام نحو 8.000 جندي من 14 دولة، فيما تشارك قرابة 29 دولة أخرى، من بينها دول عربية، بصفة مراقب. ويتضمن التمرين تدريبات ميدانية تكتيكية تشارك فيها القوات الجوية والبرية والبحرية ووحدات العمليات الخاصة، بهدف تعزيز التعاون العسكري، وتعميق الالتزام الجماعي بالاستقرار الإقليمي، وتحسين الجاهزية والتكامل بين القوات المشاركة.

أ ف ب
مقاتلة مصرية تقوم بدورية على شاطئ العلمين في 22 أكتوبر 1999 خلال العرض البرمائي في بداية مناورات "النجم الساطع" العسكرية التي استمرت ثلاثة أسابيع

تحقق مصر، التي تمتلك أقوى جيش في العالم العربي، من تمرين "النجم الساطع" جملة من المكاسب الاستراتيجية والعسكرية والسياسية والاقتصادية. إذ يوفر للجيش المصري فرصا محورية للتدريب على الحروب الحديثة، ورفع جاهزيته، وتحسين قدرته على العمل المشترك مع القوات الأميركية والحليفة، فضلا عن تطوير استعداده لمواجهة التهديدات الإقليمية، وعلى رأسها الإرهاب. كما يعزز التمرين الروابط العسكرية والدبلوماسية الراسخة مع واشنطن، التي تقدم للقاهرة مساعدات عسكرية سنوية تبلغ نحو 1.3 مليار دولار منذ عام 1979.

يوفر تمرين "النجم الساطع" للقوات الأميركية فرصة لتحسين التكامل مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مما يعزز قدرتها على تنفيذ عمليات متعددة الجنسيات لمواجهة تحديات أمنية مشتركة

ويكرس التمرين مكانة مصر كقوة إقليمية، حيث يبرز قدرات جيشها ودوره الحيوي في استقرار المنطقة. كما يتيح لها الوصول إلى تكنولوجيا عسكرية متقدمة وتدريبات نوعية ومعدات استراتيجية تعد ركائز أساسية في جهود التحديث العسكري التي تقودها القاهرة وسط تحديات أمنية داخلية وإقليمية متنامية.

وبينما تحيط بمصر بؤر صراع متعددة– الحرب الأهلية في السودان جنوبا، والاضطرابات في ليبيا غربا، وحرب غزة شمال شرقي البلاد– ترى القاهرة في "النجم الساطع" فرصة لاختبار قدراتها في سيناريوهات محاكية للواقع، ترتبط مباشرة بهذه التهديدات.

إلى جانب ذلك، يبرز التمرين انسجام مصر مع القوى الغربية، ما يعزز موقعها الجيوسياسي ويزيد من جاذبيتها أمام المستثمرين الأجانب، وهو أمر بالغ الأهمية في وقت تسعى فيه البلاد جاهدة لتوفير فرص عمل للقوى العاملة المتنامية باستمرار، وزيادة الإنتاج لمواكبة النمو السكاني المتسارع.

ف م س
تتبع طائرات مقاتلة قاذفة قنابل من طراز B-1B تابعة للقوات الجوية الأميركية فوق أحد الأهرامات الثلاثة العظيمة في الجيزة، مصر، في 25 أكتوبر 1999، خلال رحلة استعراضية تعد جزءًا من مناورات "النجم الساطع" 99 العسكرية

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن التمرين يعزز شراكتها الاستراتيجية مع مصر، ويعمق الثقة المتبادلة، ويؤكد متانة العلاقات الثنائية التي تسهم مباشرة في استقرار المنطقة. كما يدعم أهداف واشنطن في مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات الاستراتيجية المحورية، مثل قناة السويس والبحر الأحمر، التي تعد شرايين رئيسة للتجارة العالمية.

ويوفر تمرين "النجم الساطع" للقوات الأميركية فرصة لتحسين التكامل مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مما يعزز قدرتها على تنفيذ عمليات متعددة الجنسيات لمواجهة تحديات أمنية مشتركة. كما يمنحها تدريبا عمليا في بيئات تشغيلية متنوعة تشمل حروب المدن ومكافحة الإرهاب وتقديم المساعدات الإنسانية، ما يضمن جاهزيتها الكاملة لأي انتشار في منطقة الشرق الأوسط.

والأهم أن واشنطن تؤكد، من خلال قيادة هذا التمرين، دورها كمحور للأمن في المنطقة، وتمنح نفسها موقعا أقوى في مواجهة نفوذ متصاعد لقوى منافسة مثل روسيا والصين، اللتين تسعيان بشكل متزايد إلى ترسيخ حضورهما في أفريقيا والشرق الأوسط.

استقرار العلاقات المصرية–الأميركية على المدى الطويل سيبقى رهنا بقدرة الطرفين على التوفيق بين أهدافهما الاستراتيجية ومصالحهما المتبادلة في المنطقة

كلّ الأمور على ما يرام.. حتى الآن

على الرغم من أنّ تمرين "النجم الساطع" يعكس بوضوح الأهمية التي توليها واشنطن لعلاقاتها مع القاهرة، فإنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذه العلاقة.

تنظر الولايات المتحدة إلى مصر باعتبارها حليفا إقليميا محوريا، استنادا إلى التزام القاهرة بمعاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، ودورها الفاعل في مكافحة الإرهاب، ومسؤوليتها في تأمين الملاحة عبر قناة السويس. وقد أسهمت وساطة مصر في مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بين إسرائيل و"حماس" في تعزيز هذه الصورة داخل الأوساط السياسية الأميركية.

ولعل هذا الإطار الاستراتيجي هو ما دفع الرئيس دونالد ترمب إلى تجنب اتخاذ خطوات قد تلحق ضررا بالعلاقات مع القاهرة، مثل خفض المساعدات العسكرية السنوية، على الرغم من تلويحه بذلك عقب رفض مصر اقتراحه بإعادة توطين لاجئي غزة. وفي الوقت الراهن، يبدو مرجحا أن تستمر هذه المساعدات بالتدفق، في ظل سعي واشنطن لضمان بقاء مصر ركنا أساسيا في منظومة الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على وصولها الدائم إلى الممرات الجوية والبحرية الحيوية.

غير أنّ عوامل عدة قد تهدد استقرار هذه العلاقة. فتعاظم التعاون العسكري بين مصر وكل من الصين وروسيا– وهو نتيجة جزئية للإحباط من القيود الأميركية المفروضة على تصدير السلاح– يطرح توترا محتملا في الأفق. وبالقدر ذاته من الحساسية، يتمثل موقف القاهرة الرافض بشكل قاطع لاستقبال لاجئي غزة، وهو موقف يتعارض مع رؤية ترمب لتحويل القطاع إلى "ريفييرا الشرق الأوسط". وإذا ما مضى الرئيس الأميركي في الضغط لتنفيذ هذه الخطة، مستفيدا من هشاشة الاقتصاد المصري واعتماد القاهرة على الدعم الأميركي، فقد تتفاقم الخلافات بين الجانبين.

وتبرز كذلك مبادرة إعادة إعمار غزة، التي أطلقتها مصر وحظيت بتأييد عربي وإسلامي واسع في مارس/آذار الماضي. إذ تسعى هذه المبادرة إلى إعادة بناء القطاع المدمر من أجل شعبه، في تناقض جوهري مع التصور الذي يروّج له ترمب.

وعليه، فإن استقرار العلاقات المصرية–الأميركية على المدى الطويل سيبقى رهنا بقدرة الطرفين على التوفيق بين أهدافهما الاستراتيجية ومصالحهما المتبادلة في المنطقة. ويبقى السؤال مفتوحا: هل سينجح البلدان في بلوغ هذا التوازن الدقيق في الشهور والسنوات المقبلة؟

font change