حصاد الشعر العربي 2025...عام يرتب دفاتر الحساسية الجديدة

الشاعر والروائي السوري سليم بركات

حصاد الشعر العربي 2025...عام يرتب دفاتر الحساسية الجديدة

يكتب الشعراء العرب اليوم وهم محملون بقلق الفرد ومكابدة الجماعة، ويؤسسون لمسارات تتجاوز القواعد الكلاسيكية نحو إيقاعات تدار من داخل النص، حيث تنشغل القصيدة بتأويل العالم من زاوية ذات تصوغ وجودها عبر اليوميات والمجازات والعزلة، وتتحرك ضمن فضاء واسع تتعدد فيه النبرات. يظهر هذا التحول في كثافة الإصدارات، وفي قابلية القصيدة المعاصرة على إعادة ترتيب علاقتها بالتاريخ واللغة والمدينة والهامش والأرض.

ومع كل هذا الزخم، تتشكل مسارات جديدة في المشهد الشعري العربي الراهن، تراكم الأعمال بوتيرة تكشف عن رغبة شديدة في إنتاج صورة مغايرة للحساسية العربية، تنبع من تماس مباشر مع التجربة، ومن رغبة في تحويل الوجدان إلى أسلوب يواصل تكوين الذات.

في هذا السياق يأتي حصاد الإصدارات الشعرية للعام 2025 كثيفا واسعا، يقدم تنوعا في الرؤى، ويعبر عن اتجاهات شعرية تشبه طرقا عديدة نحو باب واحد: نص يشعر بالوجود كأنه يعاد من نقطة الصفر.

أحد أبرز ملامح كتب 2025 أنها قدمت أصواتا شعرية تعود بمشاريع جديدة أو تعيد بناء تجربتها من جذورها

في 2025، شهدنا عودة الشاعر والروائي سليم بركات إلى الشعر بديوانه "التحرش بالرعد"، وهو عنوان يشير إلى نبرة عالية تدخل القارئ في رؤيا مشبعة بعناصر الطبيعة، منجذبة إلى العاصفة كأنها شريك في كتابة النص، حيث يواصل بركات بناء لغته المميزة عبر تراكيب تتدفق بعنف رشيق، وتسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين المفردة والمجهول.

"التحرش بالرعد| لسليم بركات

كما صدرت الأعمال الشعرية للشاعر المصري عماد أبو صالح تحت عنوان "أشعار"، ويأتي هذا الإصدار بوصفه محطة تتجمع فيها مسارات شاعر يمتلك قدرة على إنتاج نصوص تستند إلى نبرة داخلية تمشي بخفة على الحدود بين الحكمة والدهشة، وظهرت أيضا "الأعمال الشعرية" لكل من الشاعرين العراقي وليد هرمز والسوري سلام حلوم.

غلاف "أشعار" لعماد أبو صالح

تتجاور مع هذه الأعمال مجموعات تتقدم من أماكن متعددة: ديوان "جريح كالوديان" للشاعر الكردي السوري طه خليل في دمشق، وديوان "صندوق عتاب" للشاعرة الكردية كولالة نوري في بغداد، وديوان "في مطعم الوجود" للشاعر العراقي باسم المرعبي من عمان. جميعها تكتب ضمن حساسية تراكم مفاهيم جديدة عن الألم والهوية والعلاقة مع العالم.

غلاف "جريح كالوديان"

وتتفرع الإصدارات نحو الخليج، حيث صدر للشاعر السعودي حسين آل دهيم ديوان "زند"، وهو عنوان يلمح إلى جسد يلمس الشعور أكثر مما يعبر عنه. بينما يهدي الشاعر العماني سماء عيسى القارئ كتابه "كيف نضحك أمام القتلة؟"، وهو عمل يضع السؤال في مركز القصيدة، وينحاز إلى نبرة تقوم على مواجهة قاسية تفتح بابا واسعا للتأمل. وفي القاهرة يظهر صوت الشاعر السعودي عبدالله العقيبي عبر ديوانه "يهجم يهجم يهجم"، وهو نص يكتب الجسد وهو يتحرك في محيط مضطرب يتكاثر فيه الصراع.

المجلة
غلاف "زند" للشاعر السعودي حسين آل دهيم

وتتسع خريطة الكتب نحو العراق عبر مجموعات مثل "لا يشبه نفسه مع البولنديات" للشاعر هاتف الجنابي، و"حب ما ليس لي" للشاعر إبراهيم البهرزي، و"نشيد الانصراف" للشاعر عبد العظيم فنجان، و"قصائد الثلاثاء الفائت من كل عام" للشاعر عامر الطيب و"أبحث عن الشعر" لمروان ياسين الدليمي، وجميعها تقدم تنويعات مختلفة حول فكرة الحضور والمغادرة الداخلية وكتابة الشعور بصفته تجربة تتجدد.

المجلة
غلاف "لا يشبه نفسه مع البولنديات"

أصوات تتجدد عبر فضاءات متباعدة

أحد أبرز ملامح كتب 2025 أنها قدمت أصواتا شعرية تعود بمشاريع جديدة أو تعيد بناء تجربتها من جذورها، حيث يظهر الشاعر الإماراتي علي المازمي في ديوانه "حيث تجلس أيامي الميتة" بنبرة تعيد صياغة اليومي بمجازات تتنفس من داخل الوحدة وتمنح الفراغ شكلا يتكلم. ويأتي الشاعر الكردي السوري جولان حاجي في قصيدة-ديوان بعنوان "الكلمة المرفوضة"، حيث يتقدم النص بوصفه جسدا واحدا طويلا تكتب فيه الرحلة والمحو والمقاومة كأنها ضوء يحاصر العتمة من الداخل.

شهد عام 2025 موجة شعرية خليجية تزداد اتساعا، تقدمت فيها أصوات من السعودية والإمارات وسلطنة عمان بكتب تتنوع في موضوعاتها وأساليبها.

ويصدر للشاعر علي جازو ديوان "رباعيات" الذي يعيد هذا الشكل الكلاسيكي إلى بنية حديثة، ويقدم نصوصا محكمة تمشي بخطوة خفيفة نحو معنى يتشكل من سكون الصورة. بينما يتجه الشاعر العماني زهران القاسمي إلى فضاء آخر في كتابه "طائر وحيد يغرد في نهاية الغابة"، حيث تتكثف عناصر الطبيعة ويتحول العنوان إلى مشهد يرمز إلى شاعر يتأمل العالم من نقطة قصية.

أما الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار فيظهر عبر مختارات بعنوان "حفنة تراب في قبضة عاشق مخذول"، وهي تجربة تؤكد حضور شاعر يكتب الجرح العاطفي بطريقة تعيد تأليف الفقد، وفي بيروت يصدر ديوان "وقت إضافي يصل فجأة" للشاعرة اللبنانية رنيم ضاهر، وهو نص يستند إلى لحظة مباغتة تأتي كأنها من خارج الزمن. ويتجاور هذا الإصدار مع كتاب "أيام خديجة" للشاعر المصري علي منصور من القاهرة، وكتاب الشاعرة السورية فاتن حمودي "طائر في الجهة الأخرى"، وديوان الشاعر السوري المثنى الشيخ عطية "معراج المعصية".

وتتوالى أصوات أخرى. فمن بيروت تظهر الشاعرة ماجدة داغر في "الناجيات من جمع تكسير"، ومن الكويت الشاعرة أفراح مبارك الصباح في "صندوق"، ومن الرياض الشاعرة عبير العلي في "مدائن الغواية"، ومن الإمارات الشاعر خالد البدور في "في هدير عاصفة تقترب"، وعادل خزام في "أرض الآلات السائبة"، ومن الأردن يظهر الشاعر عمر أبو الهيجاء عبر "على مرأى الحالمين" بكتابة تستند إلى يقظة شعرية، ومن مصر تعود رنا التونسي بديوان "ورق ملون"، إضافة إلى أعمال كتاب تونسيين وتشاديين ومغاربة، مثل مجموعة "جماجم غاضبة بسبب الطقس البارد" للشاعر المغربي مبارك الوساط، وديوان "كفراغ واضح" للشاعر التشادي حمزة بشير، و"رمية نرد حرة" للشاعر التونسي سامي المسلماني.

تظهر هذه الإصدارات ضمن حركة واسعة تعيد توزيع الأدوار داخل المشهد العربي، إذ لم يعد هناك مركز واحد، ولم تعد القصيدة تعتمد على مدينة دون أخرى. تتقدم الرياض وبيروت وبغداد وميلانو ومسقط والدار البيضاء ودمشق والاسكندرية كمدن تمارس دورا متساويا في احتضان التجارب.

موجة خليجية تتقدم بثقة نحو مركز المشهد

شهد عام 2025 موجة شعرية خليجية تزداد اتساعا، تقدمت فيها أصوات من السعودية والإمارات وسلطنة عمان والكويت بكتب تتنوع في موضوعاتها وأساليبها. ففي السعودية يعود الشاعر والناقد محمد الحرز بديوان "مشاؤون بأنفاس الغزلان"، الذي يواصل فيه حفر لغته الخاصة في شعرية قصيدة النثر السعودية والعربية، ويبرز ديوان حسين آل دهيم "زند" بنبرة شخصية تستكشف بنية الجسد وهو يعاد إنتاجه شعريا. ويأتي ديوان عبدالله العقيبي "يهجم يهجم يهجم" بكتابة حادة تقوم على إيقاع يتقدم بقوة، وتستند إلى لغة تستحضر التوتر بوصفه طاقة.

غلاف "يهجم يهجم يهجم"

ويظهر الشاعر حامد بن عقيل في ديوان "الوحدة حرية حزينة"، وهو عنوان يختصر مسارا كاملا من الترحال والانكسار والتصالح. ويصدر للشاعر إبراهيم الحسين ديوان "على بعد قميص"، وهو كتاب يستند إلى استعارات جسدية، بينما يتقدم الشاعر محمد الدميني في "طائر تخطئة الطلقات" بإيقاع تحريضي يواجه المصير، بالإضافة إلى ديوان "من أين يأتي هذا الموت كله؟" للشاعر حاتم الشهري.

تكشف هذه الموجة الخليجية عن تطور لافت في الكتابة الشعرية، وتنتج نصوصا تتجاوز المدار المحلي نحو مساحة عربية أوسع.

الشاعرة الكردية كولاله نوري

حضور متجدد للشعر الكردي والسوري

يمثل عام 2025 مساحة لافتة لظهور أصوات كردية وسورية في واجهة المشهد، حيث تتقدم الأعمال بعناوين تتجاوز محليتها نحو رؤية إنسانية أوسع، تظهر الأعمال الشعرية للشاعر سلام حلوم في الإسكندرية، في ما يأتي ديوان الشاعر ماهر جمو "زوار الليل" كإعلان عن صوت شعري جديد يتقدم بثقة نحو تجربة تعيد بناء العلاقة بين الذات والآخر.

وتظهر الشاعرة هنادي زرقة عبر ديوان "مثل قلب على مدخل البيت"، والشاعرة أفين حمو في "ظل يتيم في حقيبة يدي"؛ بكتابة تنحاز إلى الهشاشة، وتقدم قصيدة مكونة من صور قصيرة تنزاح نحو المعنى من دون ضجيج. أما الشاعر جولان حاجي فيقدم نصا طويلا في "الكلمة المرفوضة"، وهو كتاب يتقدم كأنه سيرة شعرية تدرك هشاشة العالم وترسم عبر الجملة الطويلة مسارا يتقدم خطوة بعد خطوة نحو هاوية محمولة بالرجاء.

تقدم هذه الإصدارات صورة متعددة الألوان للشعر السوري ومنه الكردي الذي يواصل تثبيت حضوره في دور النشر العربية والدولية.

font change