الدليل السياحي في لبنان بين فوضى "العمل الحر" وتدمير الآثار الممنهجhttps://www.majalla.com/node/329003/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AD%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%88%D8%B6%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1-%D9%88%D8%AA%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC
أول ما يخطر في البال عند ذكر اسم لبنان هو السياحة، القطاع الذي اشتهر به هذا البلد، وفق ما روج له بعد انتهاء الحرب الأهلية وإعادة الإعمار في تسعينات القرن الماضي، إذ اعتمد في المقام الأول على اقتصاد السياحة، لتتركز غالبية المشاريع الاستثمارية فيه خلال تلك الفترة على المطاعم والمقاهي والملاهي الليلية.
في ظل هذا الزخم، برزت مهنة الدليل السياحي، المنتشرة عالميا وأوروبيا، فما هي تحديات هذه المهنة في القطاع السياحي والثقافي في لبنان، خاصة مع ما يعانيه هذا البلد من تدمير ممنهج لتاريخه وآثاره المتبقية، منذ ما بعد إعادة الإعمار إلى وقتنا هذا، لا سيما أن غياب الاستقرار الأمني والحروب المتلاحقة، يشكلان هاجسا أساسيا يحول دون تطور هذا القطاع الحيوي.
الدليل السياحي "عمل حر"
"نعم يمكن العيش من العمل كدليل سياحي ولكن..."، تقول سميرة عزو التي تعمل في هذا المجال منذ 4 سنوات، في حديث مع "المجلة"، وتضيف أن هناك أمورا عدة تتطلب المعالجة كي يستطيع الدليل السياحي أن يعتاش من هذه الوظيفة التي لا تزال إلى اليوم تعتبر عملا حرا في لبنان، "العمل اليومي هو من أبرز شروط هذه المهنة، لأن أجر الدليل السياحي هو أجر يومي وليس راتبا ثابتا في نهاية كل شهر".
تتكلم سميرة عن صعوبات المهنة وإيجابياتها، فـ"العمل وحدك يتطلب جهدا لبناء اسم في السوق السياحية، والعمل الحر يتطلب جهدا مضاعفا، خاصة أن العامل في هذا المجال لا يحصل على الحقوق الأساسية مثل الضمان الاجتماعي والتقاعد".
العمل وحدك يتطلب جهدا لبناء اسم في السوق السياحية، والعمل الحر يتطلب جهدا مضاعفا، خاصة أن العامل في هذا المجال لا يحصل على الحقوق الأساسية مثل الضمان الاجتماعي والتقاعد
بدأت سميرة تشق طريقها في هذه المهنة عام 2021، بعدما درست تخصص الإرشاد السياحي في الجامعة اللبنانية، وهو الاختصاص الوحيد الذي يسمح لحامله بإذن مزاولة المهنة مباشرة من وزارة السياحة، دون القيام بدورة الدليل السياحي التي تقيمها الوزارة بين فترة وأخرى لإعطاء رخص لمن يرغب في الانضمام إلى هذه المهنة.
احتياجات تنظيمية
تعتبر سميرة عزو أن على وزارة السياحة لعب دور أكبر في هذا المجال، مثل أن تقوم بدورات أكثر كثافة، وذلك كي تمنح التراخيص لمن يرغب في الانضمام إلى هذا القطاع، فهناك العديد من المرشدين السياحيين غير الشرعيين، ممن لا يملكون رفاهية الدراسة لثلاث سنوات، ولديهم الخبرة الكافية، وتنقصهم هذه الدورات كي يصبح عملهم قانونيا.
أهمية الترخيص أنه يمنح الدليل السياحي بعض الامتيازات مثل الدخول مجانا إلى جميع المواقع السياحية، ومنع الشرطة السياحية من ملاحقته، لأن عمله يصبح شرعيا، ويصبح في إمكانه العمل مع شركات سياحية مرخصة.
تكمن المشكلة الرئيسة في السوق غير الشرعية وفي المنافسة السعرية غير العادلة. فالمنافسون غير الشرعيين يستطيعون تقديم أسعار أقل بكثير من نظرائهم المرخص لهم لأسباب عدة، أهمها أنه قد لا يكون هذا العمل مصدر دخلهم الوحيد أو الأساس، مما يمنحهم مرونة أكبر في تقليل هامش الربح إلى مستويات لا يستطيع المرشد السياحي المرخص له تحملها، كما تقول عزو.
الدليل السياحي والسوشال ميديا
"هدفي الأساس من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي هو استقطاب حجوزات مباشرة للجولات السياحية التي أنظمها، فأنا لا أعمل كـ'فود بلوغر' ولا أقوم بإعلانات مدفوعة للآخرين"، تقول سميرة عزو عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في مساندة هذه المهنة.
ساهمت هذه المنصات بشكل كبير في الوصول إلى عدد واسع من السياح والزبائن، مما عزز استقلالية الدليل السياحي وقدرته على العمل دون الحاجة للارتباط الحصري بشركات سياحية. كذلك يستطيع الدليل السياحي المستقل تغطية جميع المناطق اللبنانية، أو التخصص في مدينة أو منطقة محددة، وبناء على ذلك يقوم بالترويج لخبراته وأعماله. ولكن ماذا عن الجيل القديم في هذه المهنة وما هي تحديات التطور لديهم؟
علي رعد، دليل سياحي يبلغ من العمر 78 عاما، يشير بيده قرب معبد باخوس في أطلال بعلبك الرومانية القديمة في لبنان، 14 أكتوبر 2021
تقول سميرة عزو إن الجيل الأقدم من الأدلة السياحيين يواجه صعوبة في مواكبة هذا التطور وهم في حاجة ماسة إلى دورات تدريبية وتطوير مهني في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ويقع على عاتق وزارة السياحة اللبنانية توفير هذا التدريب لتمكين هذا الجيل ومنحه فرصا متساوية للمنافسة في السوق.
وتعتبر عزو أنه من الضروري التفريق بين الأدلة السياحيين المرخص لهم وصناع المحتوى (البلوغرز وغيرهم) الذين يقدمون جولات سياحية دون ترخيص، "هؤلاء كثر جدا، وغالبا ما يقدمون معلومات مضللة، ويفتقرون إلى المؤهلات والمعرفة الثقافية والتاريخية الدقيقة بالأماكن التي يزورونها، ولا يتحققون من معلوماتهم قبل النشر". وقد تطرقت نقابة الأدلة السياحيين مرارا إلى هذه المشكلة مع وزارة السياحة، ولكن دون اتخاذ إجراءات فعالة لمعالجتها.
عمّال يضعون اللمسات الأخيرة على الحمّامات الرومانية في بيروت
وعن دور الوزارة والنقابة تقول عزو إنه يجب أن يكون لوزارة السياحة دور كبير في تنظيم هذا القطاع من خلال التطوير المهني الذي يوفر التدريب المستمر للأدلة الحاليين، والترخيص والتثبت من أن جميع من يقدمون جولات سياحية يمتلكون التراخيص اللازمة والمؤهلات المطلوبة.
من الضروري التفريق بين الأدلة السياحيين المرخص لهم وصناع المحتوى الذين يقدمون جولات سياحية دون ترخيص... هؤلاء كثر جدا، وغالبا ما يقدمون معلومات مضللة
تتحدث الأستاذة الجامعية في الإدارة السياحية والثقافية رباب طوق عن وسائل التواصل الاجتماعي التي لعبت في رأيها دورا مهما في الترويج للمناطق المنسية داخليا وخارجيا، "فهناك من يعمل باحترافية ودقة، في مقابل آخرين يقدمون محتوى سطحيا ومعلومات غير دقيقة". وتقول طوق إن "الإشكالية الأساس أن بعض المؤثرين ينظمون جولات سياحية غير مرخص لها، تحت شعار العيش مثل السكان المحليين"، وغالبا ما تكون هذه التجارب دون توقعات السائح، خاصة عندما يتم اصطحابه إلى أماكن غير مجهزة لاستقباله. "هذا النوع من النشاط يضر بالمرشدين المرخص لهم وبالشركات السياحية، رغم أن هناك مؤثرين يعملون بشكل قانوني ومهني ونؤيدهم بالكامل".
الدليل السياحي روني شطح (36 عاما) يشرح للزوار أمام مبنى تراثي قديم في بيروت، لبنان، 28 يناير 2018
وتضيف طوق: "اليوم نضيع في فوضى التسميات، مثل مرافق سياحي ومندوب مكتب، بينما الجميع يقوم بعمل المرشد. تلجأ المكاتب إلى هؤلاء لتخفيف التكلفة، لأن للمرشد المرخص له تسعيرة واضحة. مع أن السائح يرى الوجهة من خلال المرشد، الذي لا يقتصر دوره على إعطاء المعلومة فقط، بل على طريقة السرد، وإدارة الوقت، وتنظيم الجولة، وإدارة توقعات المجموعة. ومع ذلك، لا تحمي الدولة السوق الشرعية ولا تراقب المخالفات".
بيروت الأثرية: أكثر من مجرد مكان للسهر
يفاجأ البعض، خاصة ممن يعرفون بيروت عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، أن بيروت أثرية، وفيها معالم تاريخية، فالسهر واللهو هو الطاغي على صورة بيروت، حتى وزارة السياحة تصورها على هذا النحو، وتؤكد سميرة عزو أن هذه الصورة مغلوطة، وهو ما يدفع غالبية الشركات السياحية عندما تريد القيام بجولات في بيروت، إلى إضافة مناطق أخرى للجولة، مثل بيت الدين، ودير القمر، "وهكذا تمر بيروت مرور الكرام في جولات الشركات... يختزلون بيروت في جامع الأمين وصخرة الروشة فقط والطعام، ولكن بيروت أكثر من ذلك بكثير". تتحدث عزو عما تمتلكه بيروت من أماكن مهمة مثل بقايا قلعة بيروت في وسط المدينة، والمدينة القديمة والتل الأثري والجوامع الأثرية، والكنائس التاريخية والكنيس اليهودي، "ولكن للأسف، هذه المواقع مهملة، تأكلها الأعشاب وغير نظيفة، مهملة من قبل المديرية العامة للآثار، على سبيل المثل، يمر مجرى للصرف الصحي داخل موقع بقايا قلعة بيروت الأثري، ويكون مرور الزوار مرهونا بكون المجرى مفتوحا أو مغلقا".
تواصل سميرة تعداد المواقع الأثرية في بيروت ومعاناتها مع الإهمال، مثل موقع التل الأثري الذي يقع قبالة مبنى جريدة "النهار" في وسط بيروت، فهناك أقدم موضع في بيروت يلتهمه العشب ويخفي معالمه، فيضطر الدليل السياحي للجوء إلى صور قديمة للموقع كي يشرح أهميته للزوار.
بعيدا من وسط بيروت، تعدد عزو شوارع يجب زيارتها مثل الحمرا وراس بيروت، والجميزة والعمارة التراثية فيها، ومار مخايل وسكة الحديد القديمة، والبسطة والمزرعة، حيث سوق الصاغة وسوق الحرف، وسوق البهارات والعطارين.
لماذا لا نجد هذه الأسواق بسهولة؟ تجيب سميرة أنه يمكنك أن ترى هذه الأماكن في طرابلس بوضوح ولكن للأسف في بيروت، عليك الخروج من وسط المدينة لرؤيتها، وهذا طبعا بسبب الحرب الأهلية وإعادة الإعمار وسيطرة شركة "سوليدير" على وسط المدينة.
الحرب وتأثيرها على السياحة
السياحة دائما ما تكون المتأثر الأول بالأزمات السياسية والاقتصادية والحروب وهي آخر قطاع يتعافى من هذه الأزمات، وهنا تقول عزو إن استعادة الثقة في لبنان تحتاج وقتا، خاصة مع تحذير السفارات لمواطنيها بعدم التوجه إلى لبنان في الفترة الأخيرة، وحتى الأجانب الذين يعملون في لبنان، هناك "مناطق حمراء"، تمنعهم بلادهم من زيارتها وهذا ما يحد من حركتهم داخل لبنان خصوصا في حالة الحرب والنزاعات الداخلية.
وعن الوضع السياحي بعد أحداث السابع من أكتوبر، تقول سميرة إن "كل الجولات السياحية توقفت تقريبا منذ ذلك الوقت، حتى إعلان وقف إطلاق النار عام 2024، وهذا الصيف عادت الحركة خاصة الخليجية الى الظهور مجددا، رغم التخوف أيضا من حرب جديدة والتحذير منها".
تُظهر هذه الصورة الملتقطة في 12 يوليو 2023 مشهدا عاما لشاطئ البحر قبالة قرية كفرعبيدا الساحلية شمال لبنان.
لذلك كله، تقول سميرة إن غالبية الأدلة السياحيين يعتبرون أنه لا يمكن الاتكال ماديا على العمل في هذا القطاع فقط، إذ أنه دائم التأرجح بسبب عوامل عدة في بلد غير مستقر مثل لبنان، ولذلك يعمل الأدلة السياحيون في وظائف أخرى مثل التعليم.
صعوبات المهنة
تتحدث الأستاذة الجامعية رباب طوق عن وضع المهنة وتعتبر أنها مثل معظم المهن المرتبطة بالقطاع السياحي، تتأثر مباشرة بالتوترات الأمنية والأزمات، إذ يتوقف العمل كليا مع أي تراجع في عدد السياح. كما تعاني المهنة من غياب قوانين واضحة وحديثة وملزمة، فالقانون الحالي لتنظيم الإرشاد السياحي يركز فقط على المواقع الثقافية، دون أن يلحظ الإرشاد في القرى، أو "الهايكينغ"، أو الجبال، وهي مساحات تشهد نشاطا سياحيا واسعا اليوم. هذه الثغرات القانونية تخلق فوضى في جميع المناطق، مع منافسة أشد في المدن الكبرى مثل بيروت وطرابلس.
هذه المواقع مهملة، تأكلها الأعشاب وغير نظيفة، على سبيل المثل، يمر مجرى للصرف الصحي داخل موقع بقايا قلعة بيروت الأثرية
وتقول طوق إنه رغم إنتاجية هذا القطاع وأهميته الاقتصادية، تغيب الدولة عن تنظيم السياحة في لبنان، باستثناء الدور المحدود لوزارة السياحة الذي يقتصر غالبا على الترويج، فيما يفترض أن يكون دورها تشريعيا ورقابيا كما هو الحال في الدول السياحية الكبرى، "القوانين المعتمدة قديمة ولا تواكب تطور السوق السياحية عالميا، والدولة غائبة عن التخطيط والتطوير الذي يفرض نفسه اليوم".
لقطة جوية تُظهر معبدي جوبيتر وباخوس في أطلال بعلبك الرومانية القديمة في لبنان، 14 أكتوبر 2021
أما التنمية السياحية، فهي تنفذ بشكل عشوائي عبر القطاع الخاص فقط، من دون أي حوكمة مبنية على دراسة الحاجات. فعندما أصبحت بيوت الضيافة شائعة، أنشأ الجميع بيوت ضيافة من دون دراسة فعلية لحاجات السوق، والأمر نفسه ينطبق على المطاعم وتسلق الجبال، مما أدى إلى منافسة عالية ترافقها جودة أقل، في ظل غياب أي تخطيط أو تنظيم.
العمل الموسمي وغياب الضمانات
تقول رباب طوق إن مهنة المرشد السياحي في الظروف المثالية، جميلة ومليئة بالفرص للتعلم والتطور والاختلاط بالثقافات. دخلها جيد إذا كان العمل مستمرا طوال الشهر، لكن في لبنان هي مهنة موسمية مرتبطة بالوضع الأمني. منذ عام 2023 مثلا، السياحة شبه متوقفة بالنسبة للمرشدين، مما دفع بغالبيتهم إلى البحث عن مصادر دخل أخرى. لا يوجد ضمان اجتماعي، والنقابة رغم كل جهودها لم تستطع تأمين تنسيبهم إلى صندوق الضمان، لأن الانتساب إليها اختياري. وهذه المشكلة لا تخص المرشدين وحدهم، بل تطول معظم اللبنانيين الذين باتوا يعملون في أكثر من مهنة لتأمين رزقهم.
ولكن ما المطلوب للتطوير؟
تعتبر الأستاذة الجامعية رباب طوق أن هناك أمورا عدة يمكن أن تساعد في تطوير هذا القطاع، مثل وضع إطار قانوني واضح ومحدث، كذلك تطبيق القوانين الموجودة ومراقبة الوكالات السياحية ومنظمي الرحلات ومنعهم من التلاعب بالتسميات الوظيفية لتوفير توظيف مرشد سياحي مرخص له، كذلك تأمين ضمان اجتماعي وصندوق تعاضد، أسوة بباقي النقابات.
تُظهر هذه الصورة الملتقطة في 21 سبتمبر 2018 زوّارا يسيرون في ممر داخل فندق صوفر الكبير في قرية صوفر اللبنانية، على بعد نحو 30 كيلومترا شرق بيروت، خلال معرض للفنان البريطاني توم يونغ.
يذكر ان اختصاص الإرشاد السياحي بدأ عام 1997 مع تأسيس كلية السياحة وإدارة الفنادق، والإقبال عليه لا يزال منخفضا بسبب قلة المعرفة بوجوده أساسا وبأهميته. تقول رباب طوق إن "كثيرين يعتقدون أن مهنة المرشد السياحي سهلة، في حين أنها تتطلب دراسة معمقة وتدريبا طويلا في التاريخ والحضارات والدين والجغرافيا والطبيعة. لبنان بلد غني بالتنوع، من الفينيقيين إلى الرومان، ومن طرابلس المملوكية إلى صور الرومانية، ومن الجبال إلى الغابات، ولا يمكن نقل هذا الإرث بمعلومات سطحية".
المشكلة الأساس في الجامعة اللبنانية اليوم هي عدم تحديث المناهج رغم تغير السياحة عالميا، ورغم توفر أساتذة كفوئين وموارد بشرية ممتازة. أما عن سبب عدم إقبال الشباب كثيرا على دراسة هذا الاختصاص فتقول إن المهنة تعتمد على المهارات الشخصية، كالقدرة على القيادة والتواصل مع المجموعات، وهي مهارات يمكن صقلها لكن لا يمتلكها الجميع.
وتضيف أن اختصاص الإرشاد السياحي لا يفتح الباب فقط للعمل كمرشد سياحي، بل أيضا للعمل في التنظيم والتخطيط السياحي، وفي إنتاج تجارب سياحية خاصة، وهو اتجاه يتطور عالميا اليوم.
طرابلس مدينة تاريخية مهملة
تنشط المرشدة السياحية مريم باشات في مدينة طرابلس بشكل خاص، ولهذه المدينة تاريخ عريق، وهي ثاني أكبر مدينة في لبنان بعد بيروت، ولكن كما حال جميع المدن خارج العاصمة، تعاني من تهميش واسع على مر السنين، بسبب النظام المركزي المعتمد في لبنان، فما الصعوبات السياحية التي تواجه المرشدين السياحيين هناك؟
تقول باشات في حديث مع "المجلة" إنها حصلت على رخصة مرشدة سياحية، في أواخر عام 2018، وبعدها بدأت الأزمة الاقتصادية التي انفجرت عام 2019 مع "انتفاضة 17 تشرين"، ثم جاءت جائحة كوفيد19، فأقفل المطار وتوقفت السياحة، وبعدها وقع انفجار بيروت الذي دمر الحركة الاقتصادية في البلاد.
كل هذه الأحداث أثرت على المهنة بشكل عام، بغض النظر عن المدينة. أما في ما يتعلق بطرابلس، فتقول باشات إن لها خصوصية أخرى لناحية الصعوبات. فهي تعاني تهميشا من الدولة، خصوصا في ما يتعلق بالبنى التحتية، كما شهدت أحداثا أمنية عديدة على مر السنوات، مما دفع سفارات دول أجنبية إلى تصنيفها ضمن نطاق المناطق الحمراء، ومنع مواطنيها من زيارتها. وحتى القلة التي كانت تزورها في تلك الفترة، كانت تعتبر نفسها تخوض مغامرة محفوفة بالاخطار.
وإذا سألت جيل الشباب، فستجد أن الغالبية الساحقة لم تزر طرابلس يوما، باعتبارها "بعيدة" و"خطرة"، وهي صورة نمطية مغلوطة متداولة عنها. فأبناء المناطق الأخرى يخافون من طرابلس إلى حد ما بسبب الصورة التي قدمها بعض الإعلام عنها، على أنها مدينة متطرفة، متعصبة، غير آمنة وغير جميلة.
أما العلاقة مع الدولة ووزارة السياحة، فحدث ولا حرج. تقول باشات: "بقينا لسنوات من دون رخص، ومن دون إمكان لطباعة بطاقات جديدة. وإذا أقيم أي حدث أو فعالية، لا يدعى المرشدون السياحيون، بل توجه الدعوات إلى الوزراء والنواب. العلاقة بيننا وبين الوزارة ليست مثالية، ولا توجد خدمات حقيقية تقدم لنا".
لبنانيون يدخّنون الأركيلة في مطعم بمدينة البترون الساحلية شمال بيروت، 22 مايو 2019
وفي ما يخص التضارب بين دور المرشد السياحي وصانع المحتوى، تقول مريم باشات إنها تجمع بين الاثنين، فهي صانعة محتوى ومرشدة سياحية "لكن هناك كثيرا من صناع المحتوى يقدمون معلومات مغلوطة في السياحة والتاريخ، رغم أن نيتهم غالبا ما تكون جيدة، إلا أن الوعي مطلوب أكثر كي لا نروج لروايات غير دقيقة عن تاريخنا".
طرابلس تعاني تهميشا من الدولة، خصوصا في ما يتعلق بالبنى التحتية، كما شهدت أحداثا أمنية عديدة على مر السنوات، مما دفع سفارات دول أجنبية إلى تصنيفها ضمن نطاق المناطق الحمراء
أما عن مستقبل هذه المهنة، فترى باشات أنه في حال كان الوضع السياسي هادئا ومستقرا، يستطيع المرشد السياحي أن يعتاش منها، لأن لبنان بلد سياحي صيفا وشتاء. كما أن التنوع الطائفي فيه يشكل عامل جذب سياحيا، حيث تنشط السياحة خلال مختلف الأعياد. لكن في ظل الوضع الحالي في لبنان، ومع القصف اليومي في جنوب البلاد وخوف الناس من زيارة لبنان، يصبح الوضع بالغ الصعوبة، ولا يعود ممكنا الاعتماد على هذه المهنة كمصدر للعيش.
أما صعوبات مزاولة المهنة في طرابلس فهي كثيرة، أبرزها الحاجة إلى ترميم المباني التاريخية، وتحسين النظافة في الطرق والشوارع، وإنشاء حمامات عامة. فطرابلس تحتاج إلى ورشة كبرى للنهوض بالسياحة فيها، بعد الإهمال الذي طالها ولا يزال من الحكومات المتعاقبة.