أتى البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، بخصوص نتائج المفاوضات السورية-الإسرائيلية، التي جرت مؤخرا في باريس برعاية أميركية، مفاجئا وملتبسا ومثيرا لتساؤلات عديدة، وبخاصة مع غياب موقف سوري رسمي يبيّن أو يوضّح ما حصل.
قبل ذلك كان من المفهوم أن المفاوضات ستتركز على الجانب الأمني، لوقف اعتداءات إسرائيل، والتزامها باتفاق وقف إطلاق النار (1974)، وانسحابها من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط نظام الأسد، ووقف تدخّلاتها في الشأن السوري.
بيد أن ذلك البيان أتى بحمولات أخرى أثقل وأعمق، بتضمنه تفاهمات بشأن "إنشاء آلية تنسيق مشتركة"، لا تقتصر على المشكلات الأمنية فقط، إذ تشمل أيضا "الانخراط الدبلوماسي والتجاري"، مع حديث عن إنشاء منطقة اقتصادية، تمتد على طول الشريط المنزوع السلاح الحالي، ومشاريع طاقة رياح، وخط أنابيب نفط، ومصانع أدوية، ومنطقة سياحية، علما بأن ذلك يشبه المشاريع التي تسعى إدارة ترمب لإقامتها جنوبي لبنان، وفي قطاع غزة، بجهود وسطاء أميركيين عقاريين مثل ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوم باراك.
وبغض النظر عن صحة تلك التفاهمات من عدمها، فإن أية مفاوضات في هذا الظرف، ستكون متأثّرة بموازين القوى المختلة لصالح إسرائيل، سيما في ظل حكومة متطرفة، تؤكد أنها ستفرض السلام بالقوة، وتعتبر نفسها في أوج قوتها، بعد تقويضها أطراف محور "المقاومة والممانعة"، بدعم من الإدارة الأميركية التي تبدو الأكثر تماهيا مع حكومة نتنياهو.
في المقابل، تعاني القيادة الجديدة في سوريا من شروط ومحددات المرحلة الانتقالية، بما في ذلك إعادة الثقة للسوريين كشعب، وبناء مؤسسات الدولة، واستنهاض الوضع الاقتصادي، وتأهيل البنى التحتية، وفرض السيادة على الجغرافيا السورية، والتخلص من آثار العقوبات المفروضة على سوريا، بعد رفعها.
على ذلك، يفترض ملاحظة أن سوريا اليوم، لا تملك خيارا عسكريا ضد إسرائيل، ليس فقط لأن إسرائيل دمرت كل البنى التحتية، والقدرات العسكرية للجيش السوري، في الأيام القليلة التي تلت انهيار نظام الأسد، وإنما لأن هذا الخيار في ظل التغول الإسرائيلي، المدعوم أميركياً تم تجريبه، ولم يؤد إلا إلى كوارث ونكبات. أيضا، لأن زمن الحديث عن انتصارات لم يعد مقبولا، وبات يدل على انفصام عن الواقع، واستخفاف بالكوارث التي حلت بالفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعراقيين واليمنيين، وحتى بالإيرانيين.
أيضا، يفترض إدراك أن الظروف والمعطيات الراهنة لا تنتج مفاوضات متكافئة ولو بالشكل النسبي، وربما الأجدى في هذه الحال التركيز على تقليل المخاطر في البعد الأمني، وترك القضايا الاستراتيجية لفرص أو ظروف أخرى أكثر مواءمة، أو إحالة ذلك إلى توافقات عربية، ما يشكل للحقوق السورية نوعا من تغطية عربية ودولية.
مشكلة سوريا اليوم، بغض النظر عما تريده أو تعتقده قيادتها، عدم امتلاكها وسائل القوة التي تمكنها من التملص من ضغوطات إسرائيل والولايات المتحدة
الواقع أن مشكلة سوريا اليوم، بغض النظر عما تريده أو تعتقده قيادتها، عدم امتلاكها وسائل القوة التي تمكنها من التملص من ضغوطات إسرائيل والولايات المتحدة، التي باتت بمثابة عوامل داخلية بتأثيرها على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني.
المشكلة الأخرى، التي تضغط على الوضع السوري في هذا المجال، تنبع من غياب السياسة، وافتقاد الشعب السوري لكيانات سياسية، والتعود على تحويل السياسة إلى لعبة شعارات، طوال ستة عقود من الزمن، وضمن ذلك يأتي حصر الصراع مع إسرائيل في الميدان العسكري، وفي ميدان الصراع على الأرض، بغض النظر عن الإمكانيات، وعن حالة الاجتماع والاقتصاد.
لنلاحظ مثلا أنه ورغم أن الصراع العربي-الإسرائيلي انتهى عمليا منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، التي اعتبرت آخر الحروب العربية-الإسرائيلية، وتاليا الانتقال من الصراع ضد وجود إسرائيل إلى الاعتراف بها، وأن كل الدول العربية وافقت في مؤتمر قمة بيروت (2002) على مبادرة السلام العربية، إلا أن نظام الأسد (الأب والابن) ظل يتلاعب بالقضية الفلسطينية، وقضية الصراع ضد إسرائيل، ويستخدمها في تغطية سياساته الاستبدادية ضد شعبه، وفي ابتزاز الأنظمة العربية، علما أنه فعل كل شيء لإضعاف شعبه وإفقاره.
الآن، في مثل هذه الظروف، وبعد كل تلك التجارب الكارثية، وبناء على دروسها المكلفة، ربما آن الأوان لإضفاء نوع من العقلانية والواقعية على السياسة العربية، بعيدا عن الروح العاطفية والاستهلاكية والشعبوية.
ولعل ذلك يتطلب أولا، الاعتراف الواضح بأن الهزيمة اسمها هزيمة، وليس لها اسم آخر. ثانيا، أن إسرائيل استطاعت تحقيق الغلبة على الأطراف التي واجهتها طوال ثمانية عقود تقريبا، بواسطة الميدان العسكري الذي تتفوق فيه، بدعم من الولايات المتحدة الأميركية. ثالثا، أن الأطراف التي ادعت مواجهة إسرائيل عسكريا افتقرت لكل مقومات القوة المجتمعية والاقتصادية والتكنولوجية، التي أكدت فيها إسرائيل أيضا تفوقها.
بيد أن ما يجب إدراكه هنا أن الاعتراف بواقع الهزيمة، ليس دعوة لـ"وهن عزيمة الأمة"، بقدر ما هو تحريض على عودة الوعي للواقع وللإمكانيات ولشروط السياسة، إلى درجة أن المفكر السياسي السوري ياسين الحافظ اعتبر نفسه أمام كشف كبير بإدراكه أن ثمة شيئا اسمه "موازين القوى" في كتابه "اللاعقلانية في السياسة العربية".
في التجربة التاريخية العالمية، اعترفت دولتان كبيرتان وقويتان، هما ألمانيا واليابان بالهزيمة في الحرب العالمية الثانية (1945)، لكن هذا الاعتراف الذي أتى مصحوبا بمشاعر الانكسار والألم، منحا الفرصة لهاتين الدولتين لإعادة بناء ذاتهما، بحيث أصبحتا بعد (10-15) عاما، بمرتبة الدول الخمس الأولى الأقوى في العالم، من كل النواحي.
وربما أن العالم العربي كله وليس سوريا فقط، بحاجة لمقاربة تلك اللحظة الألمانية-اليابانية، لكن ذلك لا يعني الاستسلام، وإنما الانطلاق للنهوض بالاستفادة من التجربة، التي دفع ثمنها باهظا، ولعل أولى الأولويات في ذلك النهوض هو أن يتأسس على إعادة بناء الدولة كدولة مؤسسات وقانون، وعلى قيام المواطن في دولة مواطنين أحرار ومتساوين، فهذان هما أكثر ما يحتاجه الشعب السوري، بوجود التحدي الإسرائيلي أو بعدم وجوده.
وفيما يخص إسرائيل فهي ستبقى ظاهرة مصطنعة، بحكم تاريخها وطبيعتها، كدولة استعمارية وعنصرية وعدوانية في المنطقة، بانتظار تغير المعطيات الدولية والإقليمية والعربية التي أسهمت في إقامتها، ومكنتها من عوامل الاستقرار والقوة والغلبة.