لطالما وصفت روايات اللغز والتشويق بأنها روايات للتسلية والإمتاع، ولكن ظهر أخيرا عدد من الروائيين الذين حملوا على عاتقهم تغيير الفكرة الشائعة، والانطلاق من خلال هذا النوع إلى استقراء المجتمع الذي يعيشون فيه بطرق مختلفة، بل واستخدام كل تقنيات الكتابة الروائية وتجريب أنماط مختلفة من السرد لتقديم عوالمهم، وظهر عند الكثير منهم عدد من الموتيفات/العناصر الثابتة مثل الجريمة الغامضة والتحقيق من أجل كشف لغز، أو المخطوطة التاريخية التي تحوي كشفا لعدد من الأسرار، ورغم ثبات هذه العناصر إلا أن كل روائي استطاع أن يخلق في روايته عالما مغايرا عن الآخر. نتوقف هنا عند أمثلة من هذه الروايات من المغرب ومصر والعراق.
"في متاهات الأستاذ ف.ن"
تبدأ رواية المغربي عبد المجيد سباطة، "في متاهات الأستاذ ف. ن"، بحادثة انتحار واتهام بالتحرش، لكن التحقيقات في القضية تقودنا إلى دهاليز التاريخ. يتنقل بنا سباطة عبر فصول روايته بين الماضي القريب والبعيد، بين العالم الذي يحمل رسالة يود أن يوصلها الى تلاميذه والكاتب الذي يرى أن الكتابة ستكون وسيلته للخلاص، وبين البسطاء والحالمين من هؤلاء جميعا.
نجد أنفسنا بين أروقة الأندلس وحكايات الموريسكيين حينا وبين ضحايا الحرب العالمية الثانية في روسيا حينا آخر، بين تقارير مخابرات عسكرية ومخطوطات متروكة منذ سنوات يسعى البعض للوصول إليها، وربما اضطرهم ذلك للسرقة والقتل.
عالم غريب تدور فيه الرواية، ومتاهة حقيقية يغوص فيها القارئ عبر 14 فصلا بين حكايات مختلفة، تحمل كل منها تفاصيل ثرية ومختلفة لا تفتقر إلى التشويق،
يربط سباطة بين حكايات رواياته باستخدام رابط ذكي وهو أستاذ الأدب المقارن الذي حل محل الأستاذ الذي مات منتحرا، وذلك من خلال محاضراته التي يناقش فيها نصوصا أدبية عربية وأجنبية تشير بطريقة أو بأخرى إلى المغزى من كل هذه الرحلة داخل المتاهة على اختلاف شخصياتها وعوالمها، ليتمحور النقاش حول الحقيقة وكيف تدون، ومن يمتلك القدرة على توثيقها والحفاظ عليها، والصراع بين السلطة والعلماء والعامة، وكذلك الحديث عن الحرية والنضال السياسي وما يفرضه من واجبات وما يحتمه على أصحابه من التزامات، وما إذا كانت الأجيال التالية للثوار والمناضلين قادرين على الاحتفاظ بسمات آبائهم وأجدادهم أم أنهم يستغلون ذلك للحصول على مكاسب ومناصب.


