في ذكرى رحيلها الخمسين... أغاثا كريستي سيدة الجريمة التي سحرها الشرق

طوّرت "اللغز المغلق" ولا تزال أعمالها مصدر إلهام ومتابعة

AFP / PLANET NEWS LTD
AFP / PLANET NEWS LTD
مارس 1946، الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي في منزلها "غرينواي هاوس" بمقاطعة ديفون

في ذكرى رحيلها الخمسين... أغاثا كريستي سيدة الجريمة التي سحرها الشرق

تحل اليوم الذكرى الخمسون لرحيل الروائية والمستشرقة الإنكليزية أغاثا كريستي (1890-1976)، عملاقة الأدب البوليسي، التي استحقت عن جدارة لقب "سيدة أدب الجريمة" الذي أطلقته عليها أجيال من القراء حول العالم. لم تأت مكانتها من فراغ، بل من أسلوبها السردي الساحر، وقدرتها الفذة على نسج حبكات معقدة ومثيرة، جعلتها علامة فارقة في تاريخ هذا الفن الأدبي.

المولد والنشأة.. بين الكتب والحدائق

ولدت أغاثا ماري كلاريسا ميلر في 15 سبتمبر/ أيلول 1890، في بلدة توركاي الساحلية بجنوب غرب إنكلترا. نشأت في بيئة بورجوازية محبة للأدب، وتلقت تعليمها في المنزل بفضل قرار من والدتها التي علمتها القراءة والكتابة. تزوجت من الطيار أرشيبالد كريستي عام 1914، غير أن مسار حياتها شهد منعطفا مصيريا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، إذ تطوعت كممرضة ومساعدة صيدلانية، وقد أثرت هذه الخبرة لاحقا في وصفها للسموم في ثمان من رواياتها، وشكلت ركيزة خفية في هندسة جرائمها. فاستخدمت معرفتها الدقيقة بالسموم وآثارها وطرق الكشف عنها، في سرد القصص، مما منح جرائمها صدقية علمية مذهلة. كما في روايتي "الجرذان" و"موت فوق النيل"، اللتين ظهرت فيهما السموم أداة قتل أنيقة وغامضة، وعكست براعة كريستي في تحويل تجربة حياتية واقعية إلى عنصر أدبي مثير.

ترعرعت كريستي في وسط محب للأدب، فكانت أختها تكتب القصص، ووالداها ينظمان الشعر. وبعد وفاة والدها، سافرت إلى باريس لدراسة الموسيقى، لكن مسار حياتها تغير بعد عودتها إلى بريطانيا وانطلاقها في مجال الكتابة. وقد تميزت منذ البداية بحكاياتها الفريدة التي جذبت القراء، جامعة بين إحكام الحبكة وبراعة التضليل، معتمدة على التفاصيل الدقيقة والحوار الذكي والاستباق النفسي، مقدمة حلولا تذهل القارئ ببساطتها وتعقيدها في الوقت ذاته.

في روايتها الأولى، "قضية ستايلز الغامضة"، التي نشرت عام 1920، قدمت للقراء شخصية المحقق البلجيكي هيركيول بوارو، بشاربيه المميزين وذكائه الحاد، ليصبح أيقونة أدب الجريمة العالمية. كما ابتكرت شخصية الآنسة ماربل التي تحل الجرائم عبر فهمها العميق للطبيعة البشرية. فلم تكن هذه الشخصيات مجرد أدوات للتحقق في سير رواياتها، إنما كانت عبارة عن مفاتيح تفتح أبواب عوالم نفسية كاملة تجسدت من خلالها فلسفتها في فهم الشر والبراءة والعدالة.

ملكة الأدب البوليسي

تميزت أغاثا كريستي بتطوير ما يعرف بفن "اللغز المغلق" عبر حبكات محكمة وتضليل ذكي. فالجريمة ترتكب في مكان معزول ومحدود، ويكون القاتل غالبا أكثر الشخصيات غير المرجحة، مما يجعل قارئها في حالة من التخمين المستمر حتى الصفحة الأخيرة. وبذلك تفوقت على أسماء بارزة في عالم الأدب البوليسي. فهي، مقارنة بآرثر كونان دويل (1859-1930)، مبتكر شخصية شيرلوك هولمز أشهر شخصية بوليسية في العالم آنذاك، الذي ظهر لأول مرة عام 1887، تميل إلى التركيز على النفس البشرية أكثر من المنطق المجرد، وإلى تنوع مسرح الجرائم (قطار، جزيرة، فندق) مقابل شوارع مدينة الضباب التقليدية عند هولمز.

في روايتها الأولى، "قضية ستايلز الغامضة"، 1920، قدمت للقراء شخصية المحقق البلجيكي هيركيول بوارو، بشاربيه المميزين وذكائه الحاد، ليصبح أيقونة أدب الجريمة العالمية

أما بالنسبة إلى إدغار آلان بو، الذي يعتبر الأب المؤسس للقصة البوليسية، فقد طورت كريستي هذا النوع ووسعته، وحولته من قصة قصيرة مكثفة إلى رواية لغز معقدة.

بالتالي تفوقت كريستي من حيث الكم والإرث الجماهيري، فبيعت رواياتها بأرقام قياسية تجاوزت ملياري نسخة، وترجمت إلى أكثر من 100 لغة. وبذلك أصبحت الاسم الأبرز في هذا النوع من الأدب منذ بداية القرن العشرين حتى الآن.

AFP / Jack Taylor
روايات بوليسية للكاتبة البريطانية أغاثا كريستي معروضة للبيع خلال مهرجان أُقيم احتفاء بالذكرى الـ125 لميلادها في مدينة توركاي، مسقط رأسها، 15 سبتمبر 2015

يرى المؤرخ العراقي زيد خلدون جميل أن أغاثا كريستي "استفادت من كون الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى، امتازت بالانتشار الواسع للقصص البوليسية، التي أصبحت من وسائل التسلية الرئيسة، فلم يكن التلفزيون قد وجد بعد".

ويرجع البعض استمرار الإقبال على قراءة رواياتها إلى الحنين إلى الماضي، وإلى العصر السابق للثورة التكنولوجية الذي تدور فيه أحداثها، كما تعكس صورا للحياة الريفية الأريستقراطية والعادات والتقاليد التي اندثرت في الحياة المعاصرة.

الاختفاء الغامض... أزمة نفسية أم حيلة دعائية؟

في شتاء عام 1926، وعلى خلفية خيانة زوجها لها ووفاة أمها، اختفت أغاثا كريستي، بشكل غامض لمدة أحد عشر يوما، حتى عثر عليها أخيرا في أحد فنادق منطقة يوركشاير البريطانية ليكتمل أحد أكثر فصول حياتها غموضا وإثارة للجدل.

أثار الحدث ضجة إعلامية هائلة في بريطانيا ولا يزال محل جدل بين المؤرخين والنقاد. فيرى بعضهم، كالمؤرخ الدكتور زيد خلدون جميل، المقيم في ألمانيا، أن حادثة اختفاء كريستي "تعد مثالا بارزا في عالم الدعاية الأدبية"، وأن الأمر برمته لم يكن سوى "حيلة للدعاية لأغاثا وقصصها، ولكنها كانت حيلة غير محبوكة جيدا مثل قصص أغاثا نفسها".

بينما يرجح كتاب آخرون، أن الاختفاء كان نتيجة أزمة نفسية حقيقية مرت بها الكاتبة، وليس مجرد حيلة مخطط لها. ولكن بالرغم من ذلك، تحول الاختفاء إلى قصة صحافية جعلت كريستي نفسها لغزا حيا، يعيد الإعلام استحضاره بين الحين والآخر لتجديد اهتمام العالم بأعمالها. 

ويؤكد زيد خلدون جميل في حديثه الى "المجلة" أن "الإعلام البريطاني يكرر بين الحين والآخر قضية اختفاء كريستي تلك، مثيرا اهتماما عالميا متجددا بها، مما يضمن إبقاء شعبية الأعمال الأدبية لهذه الكاتبة الشهيرة حية ومتداولة".

الرحيل إلى الشرق... مصدر إلهام أدبي وجدل استشراقي

حين سافرت أغاثا كريستي عبر قطار الشرق السريع الذي تعج سيرته بحكايات فنانين وجواسيس وموسيقيين وكتاب ومستشرقين، رابطا بين عالمين وقارتين، أصبحت هذه الرحلة نقطة التحول في حياتها، فقد ألغت بموجبها تذكرتها إلى الهند الغربية واشترت واحدة جديدة الى بغداد وانطلقت إليها مباشرة. وكانت تلك الرحلة عنوانا للمغامرة نحو بوابات الشرق بما يمثله من عوالم سحرية وأسطورية وآفاق بعيدة، تقول أغاثا كريستي: "فيكتوريا... أيتها العزيزة.. أيتها البوابة المفضية من إنكلترا إلى العالم الرحيب، كم أعشق رصيفك الأوروبي وكم أحب القطارات وهي تنفث بوجد وانجذاب الروائح الكبريتية. تلك الروائح التي تصيب أعصابي بالقنوط والخور، وتوحي لي بمقدم أيام اليأس المقرفة".

بيعت رواياتها بأرقام قياسية تجاوزت ملياري نسخة، وترجمت إلى أكثر من 100 لغة

تجسد مشاعر كريستي لدى توجهها إلى "ساحة فيكتوريا" هذا الانجذاب والقلق معا. حيث تبدأ رحلتها برفقة زوجها ماكس مالوان، عام 1937، من ميناء دوفر البريطاني في اتجاه ميناء كاليه الفرنسي، ومن هناك ستنطلق في قطار الشرق السريع إلى إسطنبول ثم سوريا والعراق. مثلت رحلات كريستي إلى الشرق منعطفا محوريا في حياتها وأدبها، حيث أعجبت بتاريخ المنطقة العميق وثرائها الأثري، واستمدت منها إلهاما لعدد من أبرز رواياتها.

AFP / Justin Tallis
آلة كاتبة تعود لأغاثا كريستي

فمن وحي زيارتها للبتراء الأردنية كتبت "لؤلؤة الشمس"، كما تناولت روعة المسجد الأقصى في "موعد مع الموت". ومن بين أعمالها الشهيرة التي تأثرت بالشرق، "جريمة على النيل" و"موعد في بغداد" و"جريمة في العراق"، التي جسدت فيها انبهارها بالطبيعة الخلابة والعمق الحضاري للمنطقة، فنسجت خيوط جرائمها في أروقة الشرق الساحر بدلا من الصالونات اللندنية.

الشرق... قطار الحكايات المنسية

يحضر الشرق بمختلف تفاصيله في أعمال كريستي الأدبية، طارحا إشكاليات تبحث عن إجابات في أعين القراء، ويبين الروائي السوري المقيم في النمسا ثائر الناشف، أن "حنينها إلى الشرق تجلى بوضوح في مذكراتها، وقد وظفت المكان والشخصيات المشرقية، ثم أسقطتها بطريقة رمزية على رواياتها البوليسية". في المقابل، يرى المؤرخ زيد خلدون جميل أن جميع الشخصيات الرئيسة في روايات كريستي "بريطانية وحتى رجال الشرطة كانوا بريطانيين، وأما السكان المحليون فلا وجود لهم". ويشير المؤرخ في حديثه الى "المجلة" إلى أن رواياتها كانت "بريطانية بحتة في جميع جوانبها"، ومع ذلك، غذت مخيلتها أجواء العزلة في الصحراء، حيث الغموض والخفاء يغلف القطع الأثرية والتاريخ المدفون برداء الحبكة الروائية المثيرة للخيال، والشخصيات المتناقضة التي التقتها في مواقع التنقيب، فظهرت روعتها في حبكات وشخصيات العديد من رواياتها الأخرى، حتى تلك التي لم يكن إطارها شرقيا. ويؤكد أن الوجود الحقيقي للشرق الأوسط فيها "انحصر في أسماء الأمكنة التي وقعت فيها الأحداث فقط".

 

استشراق أم تعاطف حقيقي؟

أثارت علاقة كريستي بالشرق جدلا نقديا حول طبيعة نظرتها. فمن ناحية عبرت دائما عن افتتانها بالشرق، واصفة إياه بأنه عالم "خصب ومسالم"، وحلمت دائما بالعودة إليه. لم تكن رحلاتها مجرد زيارات عابرة، بل تحولت إلى نبع ثري أضفى على أدب الرحلات لديها بعدا جغرافيا وتاريخيا فريدا، وساهم في تنوع مسرح جرائمها وغنى عوالمها الروائية. وعلى عكس بعض الرحالة الغربيين في ذلك العصر، أظهرت فضولا حقيقيا واحتراما للسكان المحليين في سوريا والعراق.

كثيرا ما ينظر إلى علاقة كريستي بالشرق من منظور الاستشراق، فهل كانت نظرتها منسجمة مع المستشرقين الأوروبيين الذين نظروا إلى الشرق من خلال نظرة استعلائية، متأثرة بنزعة مركزية؟

AFP / Mustafa Ozer
الغرفة التي أقامت فيها أغاثا كريستي في فندق بيرا بالاس التاريخي بإسطنبول

هذه النظرة تبقى محل نقاش. فمن جهته، يرى الروائي ثائر الناشف، أن زيارة كريستي للجزيرة السورية وبعض مدن الشرق جاءت "في سياق رحلتها الاستشراقية ضمن البعثات الأثرية". ويؤكد المؤرخ زيد خلدون جميل أن "ما قامت به الكاتبة من ذكر أسماء مناطق أجنبية وبعيدة كان لزيادة عنصر الإثارة في تلك الأعمال الأدبية فحسب. وهي خدعة نجدها في الكثير من الأعمال الأدبية والسينمائية".

من وحي زيارتها للبتراء الأردنية كتبت "لؤلؤة الشمس" ومن بين أعمالها الشهيرة التي تأثرت بالشرق "جريمة على النيل" و"موعد في بغداد" و"جريمة في العراق"

ولكن تجدر الإشارة إلى أن أغاثا كريستي تجاوزت النظرة الاستشراقية التقليدية، من خلال توثيق تفاصيل حياة السكان بعين التعاطف لا التعالي. لكن خلدون جميل يوضح أن "كريستي سكنت في العراق وسوريا، لكننا لا نجد تأثيرا حقيقيا لهذا في إنتاجها الأدبي الذي كان عن أحداث من المفروض أنها وقعت في المناطق التي زارتها".

عين الروائية على أرض الحضارات

لم تكن زيارات أغاثا كريستي إلى سوريا خلال ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، تزامنا مع فترة الانتداب الفرنسي (1920-1946)، زيارات سياحية فحسب، بل تأثرا بالحياة اليومية وعالم التنقيب، حيث رافقت زوجها مالوان الخبير بخفايا الشرق، في بعثاته التنقيبية لمنطقة الجغجغ والخابور، في موقع تل براك وتل الحمدي وشاغربازار في الحسكة. حيث تصفها بأنها "مهد حضارة ومدنية". تقول كريستي على لسان زوجها عن منطقة الجزيرة: "كانت هذه المنطقة الأكثر تأهلا بالسكان قبل ثلاثة آلاف وخمسمائة عام".

كما أظهرت كريستي احتراما تجاه المجتمع السوري المتنوع. فقد سجلت ملاحظات دقيقة عن الحياة والعادات، ورصدت التباين بين نظرة الشرقيين والغربيين إلى الحياة والموت والمرأة والعمل. كانت تزور خيام البدو، حيث كانت تستضاف في منازل بسيطة، وتتعلم عبارات من العربية الدارجة.

وجدت كريستي في مدن الشرق الفقيرة التفاصيل التي تميز الحياة العادية، وفي هذا الصدد تقول عن مدينة تدمر: "يخيل إليّ أن فتنة تدمر تتجسد في انتصابها الرائع كقطعة من الزبدة الجميلة الهيفاء بين الرمال الحارة، كل شيء فيها جذاب وساحر، الردهات والمعابد والأعمدة التي صارت أطلالا". كما صورت علاقتها الطيبة مع عمال التنقيب المحليين واحتفاء شيوخ المنطقة بهم، وتذكر عند زيارتها لتل براك:" دعانا شيخ المنطقة ورحب بنا ترحيبا حارا... وقدم لنا طبقا كبيرا مثقلا بالأرز ولحم الضأن".

سجلت كريستي في مذكراتها، بتناغم بشري فريد، التنوع الإثني في الجزيرة السورية، فوصفت حياة العرب المستقرين في قراهم والبدو الرحل وعاداتهم وكرمهم، وتحدثت عن الكرد وأوضاعهم الاجتماعية حيث "المرأة مسيطرة على الرجل"، كما لاحظت وجودا للأرمن والمسيحيين الآخرين. وفي تقييم عمق تفاعل كريستي مع المحيط السوري. يرى الروائي السوري ثائر الناشف أن إقامتها في الجزيرة السورية (أرياف الحسكة والرقة ودير الزور) "أكسبتها معرفة إنسانية عميقة بالعادات والتقاليد، وعززت لديها حالة التخيل الدرامي"، مشيرا إلى أنها عبرت عن "شاعرية صادقة ودفء عظيم" لم تجده في بلدها. ويؤكد أن تلك المنطقة "شكلت مصدر إلهام إبداعي ساعدها في رصد الأبعاد النفسية والسلوكية للجريمة".

تبقى شهادتها وثيقة إنسانية نادرة تقدم صورة حية لسوريا الثلاثينات، أرضا غنية بتاريخها، وشعبا كريما متنوعا، وطبيعة خلابة شكلت محورا أساسيا في كتاباتها.

AFP / PLANET NEWS LTD
الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي وزوجها ماكس إي. إل. مالوان، مارس 1946، في حديقة منزلهما "غرينواي هاوس" بمقاطعة ديفون

لقاء مصيري في أرض الرافدين

مثلت إقامة أغاثا كريستي في العراق قصة حب متبادل مع أرض الرافدين، وكانت نقطة تحول في مسارها الإبداعي والشخصي. زارت المنطقة بدعوة من أصدقائها، حيث سحرها جمال صحراء العراق وعمق تاريخها. في موقع نينوى قرب الموصل عام 1930، التقت عالم الآثار الشاب ماكس مالوان (1904-1978)، الذي أصبح زوجها الثاني، مما فتح لها نافذة على عالم الآثار الشرقية.

حنينها إلى الشرق تجلى بوضوح في مذكراتها، وقد وظفت المكان والشخصيات المشرقية، ثم أسقطتها بطريقة رمزية على رواياتها البوليسية

ثائر الناشف

ولم تكن كريستي، مجرد زوجة مرافقة، بل شاركت بنشاط في معسكرات التنقيب في مواقع مثل مدينة أور الأثرية عاصمة الدولة السومرية، والنمرود، ويذكر مالوان في تقاريره عن التنقيب في المواقع الأثرية أن زوجته "تولت مهام التصنيف والتوثيق الفوتوغرافي وإدارة المخيم".

من هنا تحول العراق إلى عنصر حيوي في نسيج رواياتها، ومنحت الصحراء ومواقع الآثار عمقا مكانيا فريدا، وقدمت شخصيات شرقية متعددة الأبعاد لأبرز أعمالها، وبالرغم من وجود آراء لمؤرخين وكتاب تشكك في عمق اختلاطها بالمجتمع المحلي، وترى إقامتها كزيارات سياحية في أجواء بريطانية، حيث يرى زيد خلدون جميل أن كريستي "لم تكن مهتمة على الإطلاق بالمجتمع العربي"، ولكن من خلال الاطلاع على محتوى كتاباتها فإنها تظهر تفاعلا نادرا وتقدم صورة إنسانية معقدة عن الشرق، متجاوزة الصورة النمطية للرحالة والمستشرقين الغربيين.

بين رمال أور... سحر التاريخ والصحراء

ومن أبرز مشاهدات كريستي، وصفها لرحلاتها البرية عبر الصحراء العراقية، والحياة اليومية في المعسكرات الأثرية، فكان الشغف الكبير الذي نقلته هو انبهارها العميق بالحضارات العراقية القديمة. وشكلت مشاهدتها للكنوز تخرج من تحت الرمال، والألواح الطينية المسمارية، والتماثيل، والمجوهرات الذهبية الدقيقة، والمنحوتات الحجرية الضخمة، مثل الثيران المجنحة في نمرود. حدثا بالغ الأثر في نضج رواياتها وحبكات جرائمها الماتعة.

لم تغفل كريستي في حكاياتها الحديث عن الإيزيديين موضحة معتقداتهم وطقوسهم بفضول أدبي. فتقول: "اليزيديون قوم غريبو الأطوار، لهم معبدهم المقدس معبد الشيخ عدي... إنهم مهذبون وعبادتهم للشيطان هي بمثابة كفارة أو زلفى واسترضاء". حيث "يجلبون في الاحتفالات والمراسيم الدينية تمثال الطاووس إلى المعبد"، ويقول البعض إن الطاووس اختير ممثلا من الشيطان. ويقول البعض الآخر إن الطاووس اختير معبودا لأن لاسمه جرسا صوتيا يخالف الجرس الذي يحدثه اسم الشيطان.

وكانت كريستي زارت بغداد ووصفتها كمدينة ساحرة تجمع بين التقليدي والحديث. وقد أقامت في العاصمة العراقية، في بيت شعبي، في منطقة كرادة مريم، وكتبت فيه بعض رواياتها. كما كتبت عن نهر دجلة والأسواق المغطاة، مثل سوق الشورجة.

شكلت البيئة العراقية لأغاثا كريستي أكثر من مجرد خلفية غريبة، إذ كانت ملهما إبداعيا ومختبرا بشريا فريدا، وبالتالي تركت إرثا أدبيا يحمل بصمة أرض الرافدين.

سيدة أدب الجريمة والإبداع الخالد

تأثرت كتابات أغاثا كريستي بتجربتها في الشرق الأوسط، مستخدمة الأساطير والمواقع الأثرية كخلفيات غامضة ولم تقتصر على أدب الجريمة، بل كتبت أيضا روايات جاسوسية، مثل: "الرحلة المجهولة" (Destination Unknown) 1954، التي تدور حول مجموعة من الأشخاص يختطفون إلى مكان مجهول في مهمة خطيرة تتعلق بصراع الاستخبارات العالمية والتحقيقات في حقبة الحرب الباردة (1945-1989).

AFP / Khaled Desouki
مشهد لمدينة أسوان من فندق "أولد كاتاراكت" المطلّ على نهر النيل في جنوب مصر، حيث يُعتقد أن الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي أقامت أثناء كتابتها رواية "جريمة على ضفاف النيل" عام 1937،مع ظهور ضريح الآغا خان الثالث في الخلفية

ورواية "لغز القطار الأزرق" (The Mystery of the Blue Train) 1928، التي تجمع بين عناصر الجريمة والجاسوسية، والصراعات الدولية، حيث نجد تورط شخصيات عدة في شبكات مغلفة بالأسرار والمؤامرات.

سكنت كريستي في العراق وسوريا، لكننا لا نجد تأثيرا حقيقيا لهذا في إنتاجها الأدبي الذي كان عن أحداث من المفروض أنها وقعت في المناطق التي زارتها

زيد خلدون جميل

استقبلت رواياتها في العالم العربي بحماسة كبيرة منذ منتصف القرن العشرين، حيث وجد القراء في ألغازها وسردها المشوق هروبا من الواقع، ونافذة على عوالم غريبة، وتحولت أعمالها إلى علامات مألوفة في المكتبات العربية، وترسخت كرموز للأدب البوليسي الراقي. ومن أبرز أعمالها:

"مقتل روجر أكرويد" (1926) توصف بأنها من أهم أعمال الأدب البوليسي على الإطلاق، حيث يحقق بوارو المتقاعد في جريمة قتل يشتبه فيها بابن الضحية بالتبني، في قالب سردي مبدع.

"جريمة في قطار الشرق السريع" (1934)، كتبت جزءا كبيرا منها في موقع حسونة الأثري بالعراق، وتدور أحداثها في قطار فاخر يتوقف بسبب الثلوج، حيث قتل أحد الركاب، طعنا في مقصورته المغلقة. وهنا يحل المحقق بوارو، لغز جريمة قتل بين مجموعة من الركاب المنعزلين، في حل يتحدى المفاهيم التقليدية للعدالة.

AFP / Khaled Desouki
جناح يُعتقد أن الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي أقامت فيه أثناء كتابتها رواية "جريمة على ضفاف النيل" عام 1937، في فندق "أولد كاتاراكت" بمدينة أسوان جنوب مصر

"موت على النيل" (1937) التي وصفتها كريستي بأنها من "أفضل أعمالها في "روايات الأسفار الأجنبية"، حيث "تمنح القارئ الهروب إلى عالم مشوق تحت الشمس والمياه الزرقاء".

يضم إرثها 66 رواية بوليسية و14 مجموعة قصصية و20 مسرحية، أبرزها "مصيدة الفئران" التي حطمت الرقم القياسي لكونها أطول مسرحية عرضا في التاريخ

"ثم لم يبق أحد" (1939) نشرت لاحقا بعنوان "عشرة عبيد صغار"، تعتبر تحفتها المطلقة وأعظم مثال على "اللغز المطلق"، حيث يدعى عشرة غرباء إلى جزيرة معزولة ويموتون واحدا تلو الآخر وفقا لأغنية أطفال شريرة.

AFP / PLANET NEWS LTD
الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي تعمل على آلة كاتبة في منزلها "غرينواي هاوس" بمقاطعة ديفون، مارس 1946

إرث يتحدى النسيان

رغم رحيلها في 12 يناير/ كانون الثاني 1976، لا تزال كتابات أغاثا كريستي تشكل نافذة فريدة على الشرق في حقبة تاريخية مهمة. خلفت إرثا أدبيا خالدا يتجاوز الروايات البوليسية، وبحثا عميقا في أغوار النفس البشرية، ومرجعا تاريخيا لا يمكن إنكاره.

يضم إرثها 66 رواية بوليسية و14 مجموعة قصصية و20 مسرحية، أبرزها "مصيدة الفئران"  التي حطمت الرقم القياسي لكونها أطول مسرحية عرضا في التاريخ، إذ استمر عرضها من عام 1952 إلى 2019، إضافة إلى تحويل عشرات أعمالها إلى أفلام ومسلسلات.

font change