تحل اليوم الذكرى الخمسون لرحيل الروائية والمستشرقة الإنكليزية أغاثا كريستي (1890-1976)، عملاقة الأدب البوليسي، التي استحقت عن جدارة لقب "سيدة أدب الجريمة" الذي أطلقته عليها أجيال من القراء حول العالم. لم تأت مكانتها من فراغ، بل من أسلوبها السردي الساحر، وقدرتها الفذة على نسج حبكات معقدة ومثيرة، جعلتها علامة فارقة في تاريخ هذا الفن الأدبي.
المولد والنشأة.. بين الكتب والحدائق
ولدت أغاثا ماري كلاريسا ميلر في 15 سبتمبر/ أيلول 1890، في بلدة توركاي الساحلية بجنوب غرب إنكلترا. نشأت في بيئة بورجوازية محبة للأدب، وتلقت تعليمها في المنزل بفضل قرار من والدتها التي علمتها القراءة والكتابة. تزوجت من الطيار أرشيبالد كريستي عام 1914، غير أن مسار حياتها شهد منعطفا مصيريا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، إذ تطوعت كممرضة ومساعدة صيدلانية، وقد أثرت هذه الخبرة لاحقا في وصفها للسموم في ثمان من رواياتها، وشكلت ركيزة خفية في هندسة جرائمها. فاستخدمت معرفتها الدقيقة بالسموم وآثارها وطرق الكشف عنها، في سرد القصص، مما منح جرائمها صدقية علمية مذهلة. كما في روايتي "الجرذان" و"موت فوق النيل"، اللتين ظهرت فيهما السموم أداة قتل أنيقة وغامضة، وعكست براعة كريستي في تحويل تجربة حياتية واقعية إلى عنصر أدبي مثير.
ترعرعت كريستي في وسط محب للأدب، فكانت أختها تكتب القصص، ووالداها ينظمان الشعر. وبعد وفاة والدها، سافرت إلى باريس لدراسة الموسيقى، لكن مسار حياتها تغير بعد عودتها إلى بريطانيا وانطلاقها في مجال الكتابة. وقد تميزت منذ البداية بحكاياتها الفريدة التي جذبت القراء، جامعة بين إحكام الحبكة وبراعة التضليل، معتمدة على التفاصيل الدقيقة والحوار الذكي والاستباق النفسي، مقدمة حلولا تذهل القارئ ببساطتها وتعقيدها في الوقت ذاته.
في روايتها الأولى، "قضية ستايلز الغامضة"، التي نشرت عام 1920، قدمت للقراء شخصية المحقق البلجيكي هيركيول بوارو، بشاربيه المميزين وذكائه الحاد، ليصبح أيقونة أدب الجريمة العالمية. كما ابتكرت شخصية الآنسة ماربل التي تحل الجرائم عبر فهمها العميق للطبيعة البشرية. فلم تكن هذه الشخصيات مجرد أدوات للتحقق في سير رواياتها، إنما كانت عبارة عن مفاتيح تفتح أبواب عوالم نفسية كاملة تجسدت من خلالها فلسفتها في فهم الشر والبراءة والعدالة.
ملكة الأدب البوليسي
تميزت أغاثا كريستي بتطوير ما يعرف بفن "اللغز المغلق" عبر حبكات محكمة وتضليل ذكي. فالجريمة ترتكب في مكان معزول ومحدود، ويكون القاتل غالبا أكثر الشخصيات غير المرجحة، مما يجعل قارئها في حالة من التخمين المستمر حتى الصفحة الأخيرة. وبذلك تفوقت على أسماء بارزة في عالم الأدب البوليسي. فهي، مقارنة بآرثر كونان دويل (1859-1930)، مبتكر شخصية شيرلوك هولمز أشهر شخصية بوليسية في العالم آنذاك، الذي ظهر لأول مرة عام 1887، تميل إلى التركيز على النفس البشرية أكثر من المنطق المجرد، وإلى تنوع مسرح الجرائم (قطار، جزيرة، فندق) مقابل شوارع مدينة الضباب التقليدية عند هولمز.






