الدول العربية تعزز ريادتها في سوق الهيدروجين الأخضر العالمي

استثمارات ضخمة وتعاون نشط في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والسعودية والمغرب يتصدران المشهد

المجلة
المجلة

الدول العربية تعزز ريادتها في سوق الهيدروجين الأخضر العالمي

يعد الهيدروجين الأخضر أحد أبرز وقود وطاقة المستقبل، إذ يتركز إنتاجه حاليا في نحو عشرين دولة، يقع ثلثها في الخليج العربي وشمال أفريقيا، حيث تتوافر الموارد الطبيعية المثالية. ويمنح هذا الواقع المنطقة العربية فرصة ريادية في سوق واعدة، تواكب التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات الكربونية.

وتوقعت مؤسسة "برايس ووترهاوس كوبرز" (PWC) للاستشارات المالية نمو الطلب العالمي على الهيدروجين الأخضر بوتيرة متصاعدة حتى عام 2030، مدفوعا بانخفاض التكاليف، واتساع الاستخدامات الصناعية، وتطور وسائل النقل الحديثة وتزايدها، إلى جانب ارتفاع حجم الاستثمار في الطاقات المتجددة، في إطار السعي إلى تحقيق الحياد الكربوني في حلول منتصف القرن. وتشير البيانات إلى أن سوق الهيدروجين في مختلف أنواعه مرشحة لتجاوز 227 مليار دولار في نهاية العقد الحالي، مقارنة بنحو 146 مليار دولار في عام 2024.

سوق الهيدروجين الأخضر

ومن المتوقع أن تقفز سوق الهيدروجين الأخضر من نحو 1,1 مليار دولار في عام 2023 إلى نحو 31 مليار دولار في حلول عام 2030، مستفيدة من انخفاض تكاليف الإنتاج بنحو 50 في المئة، مما يعزز قدرته التنافسية مقارنة بأنواع الوقود الأخرى. ويرتقب أن يتوسع استخدامه بوصفه غازا نظيفا في قطاعات النقل الجوي والبري والبحري والسكك الحديد، إلى جانب الصناعات التحويلية والكيماوية، وتكرير النفط، وإنتاج الإسمنت. وعلى الرغم من وفرة الهيدروجين في الطبيعة، فإنه يعد طاقة نظيفة صعبة الاستخراج، إذ لا يوجد حرا، بل هو مرتبط عادة بالكربون أو الأوكسجين، مما يستلزم تقنيات فصل متقدمة لكسر هذه الروابط.

وتحتاج عملية إزالة الكربون من الطاقة إلى تعاون يشمل التمويل، والخبرة، ونقل التكنولوجيا، وتوافر المقومات الطبيعية مثل الشمس والرياح والمياه. ويتم فصل الهيدروجين عن الماء من طريق التحليل الكهربائي (Electrolysis) لتحويله إلى غاز، وفك جزئيات الماء عن الهيدروجين، على أن يكون مصدر الكهرباء من الطاقات المتجددة لضمان إنتاجه بوصفه وقودا نظيفا. وهو ركيزة أساس في مسار الانتقال الطاقي، نحو اقتصاد منخفض أو منعدم الكربون، كونه مصدرا نظيفا للطاقة، يساهم في تقليص الانبعاث، وتحقيق أهداف الحياد الكربوني وحماية البيئة.

يتوقع أن تكون السعودية والمغرب من بين أقل دول العالم تكلفة في إنتاج الهيدروجين الأخضر، مما يعزز مكانة البلدين كقوتين صاعدتين في سوق الطاقة النظيفة العالمية

وتعتبر سوق الهيدروجين الأخضر ناشئة، سريعة التطور، لكنها تواجه تحديات تكلفة الإنتاج، وضعف الطلب، مما يستدعي استثمارات كبيرة في البنى التحتية للكهرباء النظيفة. وتسهم هذه المتطلبات في حصر الإنتاج حاليا في عدد محدود من الدول والشركات العملاقة العاملة في قطاع الطاقة.

الرياض والرباط قاطرة صناعة الهيدروجين المستقبلية

ووفقا لشركة الاستشارات العالمية، يتوقع أن تكون السعودية والمغرب من بين أقل دول العالم تكلفة في إنتاج الهيدروجين الأخضر، مما يعزز مكانة البلدين كقوتين صاعدتين في سوق الطاقة النظيفة العالمية.

واس
نموذج لتصميم مدينة "أوكساجون" التي ستحتوي على أكبر منشآت لإنتاج الهيدروجين

وبحسب معطيات "الشرق بلومبرغ"، تتراوح تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من الهيدروجين الأخضر في المغرب بين 1 و1,25 يورو فقط، وهو من أدنى المستويات عالميا، مما يرفع تنافسية القدرات التي تتمتع بها كل من الرياض والرباط في مجال الطاقات المتجددة، بفضل موقعهما الجغرافي المثالي ووفرة الموارد الشمسية وطاقة الرياح.

وتعد كل من تشيلي وأوستراليا والبرازيل والسعودية والمغرب ومصر من أبرز الدول المرشحة لقيادة صناعة الهيدروجين الأخضر مستقبلا، إذ ينتظر أن تلعب أدوارا محورية في التحول الطاقي العالمي خلال العقود المقبلة، إلى جانب الصين والولايات المتحدة والهند. في المقابل، تبدو دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما ألمانيا، في حاجة إلى تطوير شراكات تقنية واستثمارية مع جيرانها العرب والأفارقة لتأمين إمدادات الهيدروجين الأخضر والأزرق، في مسعى إلى تقليص تبعيتها الطاقية لروسيا في حلول عام 2030.

ومن المرتقب أن تتضاعف حصة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال السنوات القليلة المقبلة، لتضم عددا متزايدا من الدول من بين تلك الأكثر إنتاجا للهيدروجين والأمونيا عالميا، لتشمل الإمارات وسلطنة عمان وموريتانيا والجزائر وتونس. ووفقا لمنصة "إنرجي ريسرش يونت" (Energy Research Unit) الأميركية، جرى رصد أكثر من 127 مشروعا لإنتاج الهيدروجين الأخضر في المنطقة العربية منذ عام 2021.

تقدر مصادر متخصصة حجم الاستثمارات السعودية في الطاقات المتجددة، من بينها الهيدروجين والأمونيا في مختلف أنواعها، بنحو 266 مليار دولار 

وتراهن هذه الدول، بفضل ما تمتلكه من مؤهلات طبيعية استثنائية، على ترسيخ موقعها كسوق إقليمية لإنتاج الطاقات المتجددة، فضلا عن امتلاكها احتياطيات ضخمة من مصادر الطاقة الأحفورية، لتلعب دورا فاعلا رئيسا في إنتاج مختلف أنواع الطاقة. كما يسعى المغرب الى تعزيز موقعه في سلسلة القيمة للهيدروجين الأخضر وتصديره، في سياق توقعات أن تشهد سوق الهيدروجين العالمية نموا تقدر قيمته بمئات المليارات من الدولارات في حلول منتصف القرن، مع استفادة محتملة لمنطقة شمال أفريقيا من هذا النمو.

السعودية أكبر استثمار في الهيدروجين في العالم

يعد مشروع شركة "نيوم" للهيدروجين الأخضر (NGHC) أحد أكبر مشاريع إنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء في العالم. ومن المقرر أن يبدأ التشغيل خلال عام 2026، معتمدا على محطة طاقة متجددة بقدرة تصل إلى 4 جيغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لإنتاج نحو 600 طن من الهيدروجين الأخضر يوميا، ستحول لاحقا إلى نحو 1,2 مليون طن من الأمونيا الخضراء سنويا.

وتقدر مصادر متخصصة حجم الاستثمارات السعودية في الطاقات المتجددة، من بينها الهيدروجين والأمونيا في مختلف أنواعها، بنحو 266 مليار دولار (نحو تريليون ريال) على المدى المتوسط. وتقود شركة "أرامكو" صناعة توليد الهيدروجين في الشرق الأوسط وغرب آسيا وشمال أفريقيا، وتصنف ضمن شركات عالمية تمتلك حصصا كبيرة في سوق الهيدروجين، إلى جانب "شل" البريطانية، و"ليندي" الإيرلندية، و"إير ليكيد" الفرنسية، وغيرها.

Shutterstock
الهيدروجين النقي الأخضر نوع جديد من الوق المصنع حديثا H2

وبدعم من "رؤية 2030" واستراتيجيا الوصول إلى صافي صفر انبعاثات كربونية في حلول عام 2060، تضع المملكة نفسها قوة عالمية في مجال الهيدروجين، تجسدها مشاريع "نيوم" للهيدروجين الأخضر، ومبادرات "أرامكو" للهيدروجين الأزرق. وفي هذا الإطار، برمجت "أرامكو" مشاريع لإنتاج نحو 11 مليون طن من الأمونيا الزرقاء سنويا في حلول عام 2030، إلى جانب خطة استثمارية استراتيجية لتطوير الهيدروجين الأخضر باستخدام تقنيات التحليل الكهربائي.

وتعتبر السعودية من أكثر دول العالم استثمارا في صناعات الطاقة عبر صندوق الاستثمارات العامة، الذي أنشأ شركة "حلول الطاقة" (Energy Solutions) بالشراكة مع مجموعة "أرامكو"، باستثمار أولي يناهز 10 مليارات دولار لتمويل مشاريع الهيدروجين الأخضر.

تحافظ الصين على مكانتها كأكبر منتج ومستهلك للهيدروجين في العالم، حيث أنتجت 36,5 مليون طن عام 2024

وبحسب بيانات منصة "أرغوس هايدوجين" (Argus Hydrogen)، تمتلك المملكة عددا من المشاريع تستهدف إنتاج نحو 2,9 مليون طن من الهيدروجين الأخضر في حلول عام 2030.

وتطمح الرياض لأن تصبح دولة صناعية رائدة ضمن نادي الكبار في تصنيع وتصدير السيارات الكهربائية، بإنتاج 500 ألف وحدة سنويا في حلول عام 2030. ويرى خبراء أن تطور صناعة الهيدروجين يوازي تقنيا التقدم في صناعة السيارات الكهربائية والهجينة، أو تلك التي تعتمد أنظمة تشغيل غير تقليدية. وفي هذا الإطار، تتعاون الرياض والرباط في تبادل الخبرات في مجالي صناعة السيارات والهيدروجين، في مسعى لتوسيع التكامل مستقبلا ليشمل دولا أخرى في الشرق الأوسط، وتعزيز التعاون العربي في قطاع الطاقات المتجددة وصناعة السيارات الكهربائية.

ريادة مغربية في مستقبل الطاقة النظيفة

وكشفت مصادر في وزارة الانتقال الطاقي لـ"المجلة" عن تفاصيل برنامج استثماري ضخم تقدر تكلفته بنحو 310 مليارات درهم (نحو 33 مليار دولار)، لإنتاج 3 ملايين طن من غاز الهيدروجين الأخضر سنويا في حلول عام 2030، على مساحة نحو مليون هكتار في جنوب المغرب المطل على المحيط الأطلسي. وتشارك في هذه المشاريع شركات عالمية كبرى ضمن تحالفات استثمارية وتقنية (كونسورتيوم)، تضم مؤسسات أميركية وفرنسية وألمانية وصينية وإسبانية وسعودية وإماراتية ومغربية وأوسترالية، لإنتاج الأمونيا والهيدروجين الأخضر والوقود الصناعي والفولاذ الأخضر، بما يعزز موقع المغرب كفاعل رئيس في مستقبل الطاقة النظيفة عالميا.

أ.ف.ب.
مزرعة لتوليد الطاقة في وادي الرمل بالقرب من ميناء طنجة، 7 أغسطس 2025

وتطمح الرباط إلى تصدير نحو 4 في المئة من إجمالي سوق الهيدروجين الأخضر عالميا في حلول عام 2030. ومن المرتقب أن تنتج منصة كلميم–واد نون نحو 10 آلاف طن في مراحلها الأولى، باستخدام تقنية التحليل الكهربائي عبر محطة طاقة هجينة تجمع بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بقدرة تصل إلى 200 ميغاواط. وقد جرى ربط محطة الهيدروجين بمحطة لتحلية مياه البحر في طانطان جنوب البلاد، في إطار تعاون مغربي–ألماني.

الدول الرئيسة المستهلكة للهيدروجين

يتوقع أن تشهد منطقة آسيا والمحيط الهندي أعلى معدل نمو سنوي في تطور سوق الهيدروجين، مدفوعا بالنمو الصناعي السريع، والتوسع العمراني الحضري، والجهود المبذولة لإزالة البصمة الكربونية من أنظمة الطاقة. وتضم الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند اكبر مشاريع الطاقات النظيفة، لإنتاج الهيدروجين الصناعي في منطقة شرق آسيا.

وتحافظ الصين على مكانتها كأكبر منتج ومستهلك للهيدروجين في العالم، حيث أنتجت 36,5 مليون طن عام 2024. وعلى الرغم من أن إنتاجها الحالي يعتمد إلى حد كبير على الوقود الأحفوري، فإن البلاد تستثمر بكثافة في الهيدروجين الأخضر، ولديها أكبر قدرة لتصنيع المحلل الكهربائي. لكن تنافسية التكلفة تميل إلى الدول التي لها قدرات شمسية وطاقات رياح أكبر.

من المتوقع أن تتمكن الدول العربية من إنتاج أكثر من 8 ملايين طن من الأمونيا والهيدروجين المنخفض الكربون (الأخضر والأزرق) خلال السنوات الخمس المقبلة، على أن ترتفع حصتها إلى نحو 27 مليون طن سنويا قبل عام 2040

وتأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية عالميا من حيث الإنتاج والاستهلاك، بما يشكل نحو 13 في المئة من الطلب العالمي. وأطلقت واشنطن مبادرات رئيسة، مثل برنامج "هايدروجين إيرث شوت" (Hydrogen Earthshot)، لخفض تكلفة الهيدروجين النظيف بشكل كبير. لكن إدارة الرئيس دونالد ترمب التي تخلت عن اتفاقية باريس حول المناخ، حدّت من تحفيز مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، علما أنها انخرطت باكرا في برامج الحياد الكربوني وحماية البيئة.

والهند أيضا، هي من أكبر منتجي ومستهلكي الهيدروجين في العالم، لكنها تركز بشكل أكبر على الطاقات المنخفضة التكلفة لحماية صناعتها من المنافسة الصينية ودول جنوب شرق آسيا، مما يفسر إصرارها على استيراد النفط والغاز من روسيا على الرغم من العقوبات الأميركية.

المنطقة العربية مستقبل الهيدروجين الأخضر

تشهد المنطقة العربية زخما متناميا في مشاريع الطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر والأزرق. ومن أبرز المشاريع مشروع "هايبورت دقم" في سلطنة عمان، بالشراكة مع شركة "بريتش بتروليوم"، لإنتاج نحو 57 ألف طن من الهيدروجين الأخضر سنويا. كما وقعت المجموعة الهندية "إيه. سي. إم. إي." (ACME) اتفاقا مع الحكومة العمانية لإنتاج 100 ألف طن من الأمونيا الخضراء، على أن يرتفع الإنتاج لاحقا إلى 1,2 مليون طن سنويا في مراحل متقدمة. ويأتي أيضا مشروع "إنتركونتيننتال إنرجي" (Intercontinental Energy) الذي يخطط لإنتاج الطاقة بقدرة 25 جيغاواط، كإحدى المبادرات الكبرى لتعزيز دور المنطقة في سوق الهيدروجين العالمية.

.أ.ف.ب
محطة عائمة من إنتاج شركة "مصدر" في إقليم جاوا الغربية، إندونيسيا، 9 نوفمبر 2023

وتمتلك الإمارات 14 مشروعا لإنتاج أنواع مختلفة من الهيدروجين الأخضر والأزرق، مما يجعلها من بين الدول العربية المتقدمة في ابتكار حلول النقل المستدام والمستقبلي. ويعد مشروع دبي للهيدروجين الأخضر من أقدم المشاريع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أما في مصر، فتقدر الاستثمارات في قطاع الهيدروجين بنحو 40 مليار دولار، وهي من أكثر دول المنطقة سعيا لتطوير الطاقات المتجددة على الصعيد الإقليمي.

وتتوقع "وحدة أبحاث الطاقة في واشنطن" أن تتمكن الدول العربية من إنتاج أكثر من 8 ملايين طن من الأمونيا والهيدروجين المنخفض الكربون (الأخضر والأزرق) خلال السنوات الخمس المقبلة، على أن ترتفع حصتها إلى نحو 27 مليون طن سنويا قبل عام 2040. وتشمل الإحصاءات لعام 2024 عشر دول عربية هي: السعودية والإمارات وعمان والمغرب ومصر والكويت والأردن والجزائر وتونس وموريتانيا، مما يجعل مستقبل الطاقة في أياد عربية لعقود مقبلة.

وكلما كان التعاون كبيرا بين الدول العربية في قطاع الطاقة، زادت حصتها من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تبحث عن مناطق إنتاج أكثر تنافسية اقتصاديا وفاعلية علمية وتقنية في تطوير طاقات المستقبل. ويظل هامش الاختيار محدودا، نظرا للظروف الطبيعية والمناخية، التي تشكل ميزة في قطاع الطاقة لكنها تمثل تحديات في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في المنطقة.

font change

مقالات ذات صلة