من "البازار" إلى الشارع... إيران على المحك

العقوبات الدولية والاقتصاد المنهك والاحتجاجات الشعبية تضع إيران أمام منعطف حاسم

المجلة
المجلة

من "البازار" إلى الشارع... إيران على المحك

لم تعد آثار العقوبات الدولية المفروضة على إيران محصورة في دوائر صنع القرار أو النخبة الحاكمة، بل امتدت على مراحل لتطال البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة برمّتها، محدثةً اختلالات عميقة دفعت البلاد نحو نموذج اقتصادي مغلق تغلب عليه الاعتبارات الأمنية. وبات أي تصعيد داخلي أو إقليمي أكثر كلفة وتعقيدا، في وقت أوهنت العقوبات مؤسسات الدولة الرسمية، في مقابل تعزيز نفوذ الجهات التي استطاعت التكيّف مع القيود والالتفاف عليها.

مع تجدد التوتر الاجتماعي على وقع موجات احتجاج متكررة، عكست اتساع فجوة الثقة بين الشارع الإيراني والسلطة، كما الغضب الشعبي من إنفاق الدولة على النفوذ الإقليمي المتداعي بدل تلبية احتياجات المواطنين الإيرانيين اليومية. وفي ظل تمويل أقل انتظاما وأكثر تكلفة لحلفائها في لبنان والعراق، شهدت إيران تراجعا نسبيا في قدرتها على فرض النفوذ، مع ضغوط إضافية على حلفائها، لا سيما "حزب الله" وبيئته الحاضنة في لبنان، فب لحظة إقليمية حسّاسة.

أكثر الجهات التي تمكنت من تعزيز نفوذها داخل إيران، كان الحرس الثوري والشركات الأمنية-الاقتصادية التابعة له. إذ فقد الريال الإيراني أكثر من 90 في المئة من قيمته خلال عقد، وتآكلت الطبقة الوسطى، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة، مع هجرة الكفاءات والعقول. وتوسع الاقتصاد "الرمادي" المرتبط بالحرس الثوري، مع شبكات تهريب ووسطاء متنامية، في ظل فصل المصارف الإيرانية بالكامل عن النظام المالي العالمي "سويفت" (Swift) ونقص حاد في الدولار. وأسفرت العقوبات الأميركية بشكل خاص عن تراجع صادرات النفط من أكثر من 2,5 مليون برميل يوميا إلى أقل من 500 ألف برميل أحيانا، مع بيع النفط غالبا بطرق تهريبية عبر الصين وفنزويلا، واعتماد المقايضة أو الوسطاء بدل البيع في مقابل الدولار الأميركي.

وتاليا، لعبت العقوبات دورا محوريا في إعادة تشكيل الوضع الإيراني الحالي، حيث أصبح النظام مهددا من الداخل أكثر منه من الخارج. وربما كان هذا أحد الرهانات التي شكلت السياسات الأميركية والإسرائيلية تجاه إيران، مستهدفة إضعافها وربما الإطاحة بها.

دخلت التهديدات الأميركية للنظام الإيراني مرحلة الحسم، على الرغم من استعداد إيران للتفاوض، حيث يمكن أن تتنازل عن معظم برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي في مقابل إبقاء رأس النظام

جاءت الاحتجاجات في إيران بعد أن سجل الريال الإيراني أدنى مستوياته، إذ وصل إلى 1,46 مليون ريال في مقابل الدولار في الأسواق غير الرسمية، وفقا لـ"أسوشييتد برس"، مما أثر سلبا على أسعار السلع الأساسية من غذاء ودواء ووقود. ويعيش أكثر من 30 في المئة من الإيرانيين تحت خط الفقر، بحسب خبراء اقتصاديين، مما يعكس أزمة أعمق قد تؤدي إلى تفاقم أزمات الصحة والتعليم وتصاعد الغضب الاجتماعي. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، انخفض إنتاج النفط الإيراني نحو 100 ألف برميل يوميا بسبب العقوبات، وفق "رويترز"، مما قلل عائدات الدولة، مع العلم أن النفط يشكل عادة نحو 80 في المئة من صادراتها. هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اقتصادي أوسع يتحول إلى كارثة اجتماعية إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه.

كيف عزلت القرارات الدولية إيران؟

فرض مجلس الأمن الدولي سلسلة من العقوبات على إيران عبر قرارات متتابعة هدفت الى الحد من برنامجها النووي والصاروخي وفرض ضغوط اقتصادية وسياسية عليها. فقد طالب القرار 1696 بتعليق تخصيب اليورانيوم، بينما بدأ القرار 1737 تجميد أرصدة وكيانات وحظر تصدير التكنولوجيا النووية والصاروخية. وفي القرار 1747، حظر تصدير السلاح إلى إيران مع معاقبة كيانات وأشخاص وفرض قيود على التعاملات المالية الدولية، فيما وسع القرار 1803 العقوبات المالية والمصرفية، وأتاح تفتيش الشحنات الإيرانية المشتبه بها وقيد سفر الشخصيات الإيرانية. وأعاد القرار 1835 تأكيد القرارات السابقة، مع ضغوط سياسية إضافية، قبل أن يفرض القرار 1929 حظرا على شراء الأسلحة الثقيلة، ويستهدف المصارف والحرس الثوري، ويسمح بتفتيش السفن والطائرات الإيرانية.

رويترز
محتجون إيرانيون يشعلون النار بالسيارات وسط شوارع طهران، 8 يناير 2026

أُعيدت هذه العقوبات في سبتمبر/أيلول الماضي بعد أن ألغيت بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، نتيجة عدم امتثال إيران لبنود الاتفاق، عبر آلية "سناب باك" المنصوص عليها في القرار 2231، لتستأنف بذلك الضغوط الدولية على طهران من جديد.

إلى جانب عقوبات مجلس الأمن، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات انفرادية على إيران، شملت حظر التعامل التجاري والتبادلي معها، بحيث تخضع أي دولة تتعامل مع طهران للقيود المفروضة على إيران. ومع تصاعد الاحتجاجات، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قيودا أشد، مهددا بفرض رسوم جمركية تصل إلى 25 في المئة على التجارة مع الولايات المتحدة لأي دولة تتجاوز هذه العقوبات.

الحكم في مقابل النفوذ

ودخلت التهديدات الأميركية للنظام الإيراني مرحلة الحسم، على الرغم من استعداد إيران للتفاوض، حيث يمكن أن تتنازل عن معظم برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي في مقابل إبقاء رأس النظام، وفق مصدر ديبلوماسي غربي لـ"المجلة". وهذه المرة الأولى التي يتقاطع فيها الغضب الشعبي الإيراني، المرتبط بالأزمة الاقتصادية، مع المواقف الأميركية-الإسرائيلية المستعدة لكل الاحتمالات.

يواجه الوضع الإيراني اختناقا سياسيا واقتصاديا، خصوصا بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي الذي كان يسهل لإيران تحويل الأموال وتجارة النفط، مما أسقط أحد أبرز الأعمدة التي تعتمد عليها طهران للتهريب وتمويل أذرعتها الإقليمية

بالإضافة إلى العقوبات، لعب دعم إيران لحلفائها ونفوذها الإقليمي دورا في تفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية، مؤديا إلى الفقر والهلاك الاقتصادي. فقد دعم المعهد الدولي للدراسات الإيرانية الحوثيين بنحو 34 مليار دولار، بينما قدر "معهد ولسون" دعم إيران للنظام السوري السابق بنحو 16 مليار دولار، مع خسائر تجاوزت 140 مليار دولار نتيجة عقود استثمارية ضخمة. كما تراكمت ديون سوريا على إيران بقيمة 30 مليار دولار، بينما خصصت طهران مليار دولار لدعم العمليات العسكرية في الأراضي السورية، نال منها "حزب الله" نصيبه، إلى جانب موازنته في لبنان التي تقدر بمليارات الدولارات.

.أ.ب
اضراب أسواق البازار الإيراني، في طهران 6 يناير 2026

كما خسرت إيران في سوريا نحو 50 مليار دولار لدعم النظام السوري مباشرة، وهي مليارات كانت كفيلة رفع مستوى التطور والرخاء المعيشي داخل الاقتصاد الإيراني لو استهلكت محليا.

"البازار" في قلب الثورة

إلا ان السؤال الأساس، هل سيؤدي تفاقم الاحتجاجات إلى هذا الحد إلى اسقاط النظام الإيراني؟

يؤكد مصدر ديبلوماسي واسع الاطلاع على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لـ"المجلة" أن الاتصالات الإيرانية بالرئيس الأميركي دونالد ترمب أو بإدارته تشير إلى أن طهران بدأت تفضل اللجوء إلى المسار الديبلوماسي مع واشنطن، بدل مواجهة خطر إسقاط نظامها. ووفق المصدر، جرت مباحثات بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومستشار ترمب لشؤون الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، بهدف احتواء احتمال أي ضربة عسكرية تهدد النظام.

ويواجه الوضع الإيراني اختناقا اقتصاديا، خصوصا بعد سقوط الرئيس الفنزويلي الذي كان يسهل لإيران تحويل الأموال وتجارة النفط، مما أسقط أحد أبرز الأعمدة التي تعتمد عليها طهران للتهريب وتمويل أذرعتها الإقليمية.

والإسئلة الملحة اليوم: في ظل هذه الاحتجاجات وقوتها، هل لا يزال الوضع الداخلي تحت السيطرة المخابراتية، وهل تمتنع الصحافة عن التجنيد للثورة الكبرى؟ هل أصبح التوقيت مناسبا لإسقاط النظام؟ وأين تقع قيادة الثورة، ومن يدعمها، وما التنازلات التي قد تقدمها إيران في مفاوضاتها مع واشنطن؟ وهل لدى دول المنطقة مصلحة في سقوط النظام، وإحلال نظام مكانه يعيد الى إيران مركز ثقلها الإقليمي، وفي الوقت نفسه يخدم مصالح واشنطن؟ وهل يشكل الدعم الغربي للثورة عامل ضغط إيجابيا عليها، أم أنه قد يدفع إيران للتضامن الداخلي ومواجهة ما تعتبره "تدخلا خارجيا"؟

الاضطرابات التي تشهدها إيران اليوم جدية وخطيرة أكثر من أي وقت مضى، وضع إيران يذكرني إلى حد كبير بوضع الاتحاد السوفياتي قبيل انهياره

شوقي بونصار، السفير اللبناني السابق لدى روسيا

أصبح العديد من تجار "البازار" في إيران، وهو شبكة ضخمة من الأسواق التقليدية الرئيسة في كل المدن الإيرانية، في قلب الحركة الاحتجاجية، وهذا تحول كبير. وفي تحقيق ميداني أجرته صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية، نقلت عن أحد التجار: "كيف يمكن أن يكونوا بهذا القدر من الجشع وانعدام الكفاءة، حتى جففوا الأنهار والمستنقعات والبحيرات؟ لقد قتلوا مستقبلنا وأحلامنا. وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها لا النبات، ولا الماء، ولا الإنسان قادرا على الحياة". وأضاف أن "زميلة له في العمل في بازار إيران، كانت تضع في منزلها صور الخامنئي، وقاسم سليماني، وصور قادة إيران، لا سيما أعنفهم. لكنها عندما اندلعت الثورة، مزقت هذه الصور ونزلت إلى الشارع".

إيران ونموذج الاتحاد السوفياتي

يرى السفير اللبناني السابق لدى روسيا وعميد السلك العربي هناك لنحو 13 عاما، شوقي بونصار، أن "الاضطرابات التي تشهدها إيران اليوم جدية وخطيرة أكثر من أي وقت مضى، وتتفاقم يوما بعد يوم، وتتزايد أعداد الضحايا والإصابات، في ظل لجوء السلطات بشكل متزايد إلى العنف لقمع هذه التظاهرات، بما في ذلك استخدام الرصاص الحي واعتقال آلاف المحتجين". وأضاف: "هذا يؤشر إلى رغبة الشعب الإيراني في تحقيق تغيير أساسي يضمن له الاستقرار والرفاهية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة العودة إلى نظام الشاه الذي عانى منه الإيرانيون كثيرا، ومن الصعب عليهم الانتقال من تطرف إلى آخر".

وأشار بونصار  إلى أنه "بالإضافة إلى المآخذ الشعبية على نظام الحكم، وفي مقدمها الأوضاع المعيشية والاقتصادية الصعبة جدا، جاءت العقوبات الدولية، لا سيما الأميركية، لتلعب دورا فعليا في الانهيار الحاصل، على المستوى الاقتصادي بشكل عام، مع فقدان الريال الإيراني أكثر من 95 في المئة من قيمته".

رويترز
محتجون إيرانيون يشعلون النار بالسيارات وسط شوارع طهران، 8 يناير 2026

وأضاف "أن وضع إيران يذكرني إلى حد كبير بوضع الاتحاد السوفياتي قبيل انهياره، إذ كان من أغنى دول العالم من حيث الطاقة والمعادن والذهب والغاز، في حين كان المواطن السوفياتي يقف في طوابير طويلة لتأمين لقمة العيش، بينما كانت السلطة تنفق المليارات لدعم دول أوروبا الشرقية وحلف وارسو في مواجهة حلف 'الناتو'". ويرى أن أحد أبرز أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي تمثل في الرفض الشعبي للواقع الاقتصادي والمعيشي، بعد إدراك الناس أن أموالهم تنفق على دول أخرى فيما يعيشون أسوأ ظروف حياتية.

ويشير إلى أن إيران قد تكون اليوم على أعتاب تغيير جذري، غير أن إسقاط النظام لا يمكن الاستهانة به، نظرا إلى عمق تجذره العقائدي القائم على الشرعية الدينية والفتاوى، إضافة إلى الذهنية السائدة لدى شريحة من المجتمع المرتبطة بمفاهيم الواجب الديني والاستشهاد. ووفق بونصار، قد يدفع ذلك بالوضع الإيراني نحو سيناريو أقرب إلى الحالة السورية قبل سقوط نظام الأسد، مع احتمال الانزلاق إلى الفوضى.

النظام متمرس في إضاعة الوقت والمناورة داخل المتاهات السياسية، واستغلال الوقت، غير أن ذلك أدى في المحصلة إلى زيادة هشاشة المجتمع وضعفه تحت وطأة العقوبات

الدكتور محيي الدين الشحيمي، أستاذ العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية في جامعات باريس

ويرى بونصار أن "تدخلات إيران في الدول العربية، ومحاولاتها تصدير الثورة إلى عدد من دول المنطقة، ولا سيما لبنان وسوريا والعراق واليمن، وما رافق ذلك من أعباء مالية ضخمة لتسليح الجماعات التابعة لها ودعمها، شكلت عامل ضغط إضافيا على الاقتصاد الإيراني، وانعكست بقسوة على الشعب الإيراني". ويؤكد أن هذه السياسات كانت ولا تزال من أبرز دوافع المتظاهرين لرفع شعارات تطالب بتحسين الظروف المعيشية ووقف إنفاق الأموال خارج البلاد، وهي أموال لا يجني المواطن الإيراني منها أي فائدة، بل يتحمل في المقابل تداعياتها العربية والدولية.

رويترز
شرطي إيراني يقف ضمن مسيرة مؤيدة للحكومة الإيرانية، طهران 12 يناير 2025

وفي اعتقاده، أن "البديل من الانزلاق إلى حل عنفي بين المتدينين والمتطرفين وغير المتطرفين، قد يكون عبر تغيير من داخل النظام نفسه، من خلال تحرك تقوده قيادات عسكرية لإعادة ضبط الأوضاع بما يراعي المطالب الشعبية، أو ربما من خلال تدخل أميركي مباشر، كما يلوح به علنا الرئيس ترمب، قد يستهدف قيادات الصف الأول ويفتح الباب أمام تغيير جذري في بنية النظام، مع الأخذ في الاعتبار محدودية الدعم الروسي والصيني لإيران، لاعتبارات متعددة تتصل باختلاف الأولويات والمصالح".

ويقول أستاذ العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية في جامعات باريس، الدكتور محيي الدين الشحيمي، لـ"المجلة"، "إن العقوبات على إيران برزت نتيجة سلوك نظام الملالي الذي اتسم بمخالفة قواعد الشراكة الدولية، والتلاعب بالاستقرارين الإقليمي والدولي، وعدم احترام القوانين الدولية ومبادئ حسن الجوار، فضلا عن السعي إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيته الخاصة". وأوضح أن "هذا السلوك جعل من إيران نظاما منبوذا دوليا، غير جدير بالتعامل معه كشريك، مما أدى إلى التعاطي معه بصورة انتقائية". وأضاف أن العقوبات استخدمت كأداة لـ"تهذيب" سلوكه والضغط عليه بالوسائل القانونية، سواء الاقتصادية أو المالية أو الإدارية أو السياسية، إلى جانب طابعها العقابي الواضح.

وأوضح الشحيمي أن "النظام الإيراني عمل على تشكيل المجتمع على مفاهيم الحرب والعيش القاسي، وإبعاده عن الرفاهية والحقوق ومفهوم العيش الكريم والتنمية والحوكمة الرشيدة"، معتبرا أن هذه القيم ليست أصلا جوهريا في بنيته، بل أدوات ضمن "عدة العمل" السياسي لديه. وأضاف "مع تراكم المعاناة الإنسانية والمعيشية، من تجميد الأرصدة والحسابات إلى اللوائح العقابية والملاحقات المالية والإرهابية الدولية، جرى بناء المجتمع على قدر عال من التحمل لمواجهة العقوبات على المدى الطويل".

وأشار إلى أن النظام متمرس في إضاعة الوقت والمناورة داخل المتاهات السياسية، واستغلال الوقت لمحاولة تغيير السياسات والقوانين المفروضة عليه. غير أن ذلك أدى في المحصلة إلى زيادة هشاشة المجتمع وضعفه تحت وطأة العقوبات، في ظل غياب قراءة واقعية للتحولات الجيوسياسية الجديدة إقليميا ودوليا، مما قلص فرص التوصل إلى تسوية. ونتيجة هذا الواقع، تعرض النظام لسلسلة من الإخفاقات والضغوط في مختلف المجالات، طالت مراكز نفوذ الثورة داخل طهران وخارجها، لتندلع احتجاجات قد تقترب من مرحلة إسقاط النظام، بفعل اتساعها والتعامل العنيف معها.

تجار البازار كانوا يدفعون خمس أرباحهم للامام علي الرضا، وأن الثورة الإيرانية عام 1979 قامت إلى حد كبير على أموال هؤلاء التجار

سفير عربي سابق في طهران

وأكد أن "هذه التطورات تمثل النتيجة المباشرة لتراكم آثار العقوبات، التي تصاعدت انعكاساتها خلال السنوات الخمس المنصرمة، وبدأ معها الشعب الإيراني يدرك أن بلاده ليست دولة عظمى نووية، بل دولة تحرم مواطنيها من الأموال وتوظفها في مشاريع النفوذ والسياسة في المنطقة، مما فاقم النقمة الشعبية على الحكم". وفي رأيه، يقف النظام اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، "إما تسوية كبرى، أو نظام بات على المحك. فما تشهده إيران هو حراك تراكمي لا عودة عنه إلى الوراء، يتطلب متابعة دقيقة ومراقبة مستمرة، في وقت يدرك فيه النظام تماما خطورة هذا الحراك، بفعل عوامل متعددة في مقدمتها العقوبات".

تبرعات الإيرانيين غذت الأذرع

ويقول سفير عربي سابق في طهران لـ"المجلة" إن "البازار في إيران يعد سوقا ضخما للغاية، ويتمتع تجاره بثروات كبيرة، وتجار البازار كانوا يدفعون خمس أرباحهم للامام علي الرضا، وأن الثورة الإيرانية عام 1979 قامت إلى حد كبير على أموال هؤلاء التجار، وهو أمر متجذر في الوعي الديني والاجتماعي الإيراني". ويضيف أن "إيران، في الأساس، دولة غنية بثرواتها من النفط والمعادن والصخور الصناعية، إضافة إلى امتلاكها قاعدة صناعية واسعة، إلا أن العقوبات حالت دون التعامل معها وجمدت عمليا قدرتها على التصدير، ليس إلى الصين فقط بل إلى دول أخرى أيضا، مع تهديد أي دولة تتعامل معها بفرض العقوبات نفسها".

.أ.ف.ب
متظاهرون مناهضون للنظام الإيراني يرفعون العلم الإيراني الذي يحمل شعاري الأسد والشمس، قبل ثورة 1979، خلال تجمع أمام السفارة الإيرانية في وسط لندن، في 9 يناير 2026

ويرى السفير أن "توقف الإيرادات أدى إلى تفشي الفقر والجوع في إيران، والشعب الإيراني لا يقبل بالضيم بعدما بلغ مستويات غير مسبوقة من الفقر المدقع"، مشيرا إلى أن "هذه التظاهرات لا تحتاج إلى دعم من إسرائيل أو الولايات المتحدة"، مذكرا بأن احتجاجات واسعة اندلعت عام 2009 ضد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. وكشف أنه نصح الرئيس مسعود بزشكيان بزيادة الرواتب، إلا أن الأخير رد متسائلا: "من أين يمكن تأمين الأموال؟". ويلفت السفير إلى أن "جزءا كبيرا من الأموال التي كانت تصل إلى المؤسسات والأحزاب والتنظيمات المرتبطة بإيران في المنطقة، أي أذرعها، لم يكن يأتي من الموازنة الرسمية للدولة، بل من هذه التبرعات الدينية، مما يجعلها موارد موازية ومستقلة عن الخزينة العامة. وكل ذلك الآن قد نضب".

الثورة الإيرانية قامت على أموال تجار البازار

ويلفت السفير إلى أن "الأمور ليست سهلة بالنسبة إلى الإيرانيين، الذين قد لا يتقبلون تدخلات خارجية، إذ إن غالبية المجتمع الإيراني لا ترغب في الانصياع لإرادة أجنبية". ويذكر بأن "الثورة الإيرانية قامت أساسا على أموال تجار البازار"، مضيفا أن إيران "حاولت تحويل الحرس الثوري إلى قطاع منتج، لكن المؤسسات هناك غير ناجحة، إذ بات الحرس يشكلون نخبة من الضباط والمتقاعدين الذين يمسكون بمفاصل الدولة. ومع الوقت، تحولت هذه النخبة إلى طبقة أريستقراطية، وهو نمط لم يكن مألوفا في إيران، حيث أصبح المسؤولون يسعون وراء المال بدل التزام ثقافة نكران الذات التي رافقت الثورة". ويشير السفير إلى أن الذهنية السائدة، ولا سيما لدى المسؤولين، لا تزال قائمة على المكابرة وعدم الاعتراف بحجم تأثير العقوبات القاسية على البلاد.

وأبدى السفير اعتقاده بأن "الخارج لا يسعى لإسقاط النظام الإيراني بالكامل، بل لإضعافه إلى أقصى حد، فهذا النظام يخدم مصالح الغرب، وواشنطن تسعى للحصول على كامل المقدرات الطبيعية الإيرانية".

font change

مقالات ذات صلة