تكشف المجموعة الشعرية الأولى للكاتبة البلجيكية اللبنانية رشا منجد، "تحولات ميدوسا"، عن خيال يستجوب الإرث الفلسفي للأسطورة اليونانية في سياق معاصر. وقد اخترت ترجمة العنوان عن الأصل الفرنسي Les métamorphoses de Méduse، الصادر عن دار "كومبليسيتيه". تقدم الكاتبة هذا العمل بوصفه شعرية للآثار والأطلال، مما يفتح الباب أمام تأمل مستمر في شخصية ميدوسا، ذلك الكائن الأسطوري ذي الشعر المكون من أفاع، التي كان نظرها يحول من يتأملها إلى حجر، قبل نحو ألفين وثمانمئة عام.
لكن، وعلى خلاف القصيدة العربية الكلاسيكية التي تبدأ هي أيضا عند الأطلال، بصوت رثائي ينوح على موضع لقاء سابق مع المحبوبة وما يفيض منه من ذكريات، تخلو لغة هذه الشاعرة من البلاغة المتخصصة الشديدة التعقيد التي وسمت التقليد العربي القديم. تفاجئنا منجد بأبيات بسيطة النبرة، عالية الرمزية. ولو شئنا إقامة صلة مع التراث العربي، لأمكن أن يخطر لنا مشهد الوصف أو قصيدته، نظرا لتركيز هذا العمل على الصور بوصفها أحداثا. ويأخذنا الشعر في رحلة مشهدية غير خطية، تتراكم فيها طبقات بيولوجية وأسطورية تولد معانيها، مثل صواعد تنمو ببطء من أرض مغارة عبر زمن جيولوجي طويل.
وقد يتذكر قراء رواية منجد الأولى، "المصاب" La Blessure الصادرة عام 2021، ما تميزت به من لغة شعرية جميلة أيضا، واهتمام خافت بالأسطورة اليونانية عبر عنه الطفل جاد، بطل الرواية. في هذا السياق، تنبثق الشذرات الشعرية من آثار رواية عجزت عن أن تكتب نفسها. وكما تقول منجد في تسجيل صوتي حول عملية الكتابة: "كان يفترض أن تكون الشخصية الرئيسة عالمة أحياء بحرية، لكنني واجهت عوائق على الطريق، ومع الوقت، استولت ميدوسا، التي لم تكن في البداية سوى عنصر ثانوي أو صورة بلاغية، على كل شيء. لقد وقعت تحت سحرها".
الإنسانيات الزرقاء
قبل ميدوسا، يجيء البحر. بعده، يتبع النص نظاما علميا أكثر ترتيبا: الديناصورات، النيازك، العصور الجليدية، وصولا إلى ظهور الإنسان العاقل، الذي يهيمن على أقاربه من النياندرتال. ولا تظهر ميدوسا، المتكلمة، إلا في القصيدة الثانية.


