ما أسباب جنون أسعار الذهب إلى أعلى مستوياتها في التاريخ؟

هرولة عالمية نحو المعادن الثمينة مع تنامي حالة عدم اليقين الجيوسياسي

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
هرولة لشراء اذهبفي مختلف دول العالم، متجر لبورصة الذهب الكورية في سيول، يوم 26 يناير

ما أسباب جنون أسعار الذهب إلى أعلى مستوياتها في التاريخ؟

للمرة الأولى في التاريخ يقفز الذهب فوق مستوى 5100 دولار للأونصة، مع توقعات أن يتجاوز 6000 دولار منتصف العام الجاري، وفق "بنك أوف أميركا"، وسط إقبال غير مسبوق لشراء المعادن الثمينة، الآمنة، من أخطار التوترات ‌الجيوسياسية. وقال محللون" إن سعر الاونصة قد يتجاوز 7000 دولار وفي نهاية العام"، وتجاوز البلاتين 2766 دولارا، وارتفع سعر الفضة 7 في المئة إلى 110.8 دولارات في تعاملات الصباح.

ما أسباب جنون الذهب؟

في ظل تصاعد الخلاف التجاري بين ‌الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، والتهديد بعقوبات جمركية تصل 100 في المئة على جيرانها الشماليين، لإبعاد كندا عن النفوذ الصيني، وأيضا في ظل أزمة الثقة مع حلفائها في حلف الأطلسي، حول جزيرة غرينلاند الدنماركية، تراجع منسوب الثقة على المستوى الدولي، وحامت الشكوك حول مستقبل أسعار صرف العملات، والمعادن الثمينة، وتوقعات النمو الاقتصادي، وآفاق التجارة العالمية، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق لأسعار الذهب، باعتباره إدخارا آمنا من التقلبات، وأخطار صرف العملات والتضخم.

وتبدو الأوضاع السياسية والعسكرية الدولية في غير صالح نمو اقتصادي عالمي قوي (نحو 3,2 في المئة)، خصوصا مع تنامي حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وظهور إجهاد حقيقي على الاقتصاد الصيني، الذي يراوح نموه 4,5 في المئة، وهو أدنى معدل منذ الأزمة الاقتصادية العالمية قبل 18 سنة. في المقابل تعتبر الصين من اكبر مشتري الذهب في العالم، بزيادة متوسط 44 طنا سنويا، رغم أن موجوداتها من الذهب لا تمثل سوى اقل من خمسة في المئة من الاحتياط النقدي الكلي، المتكون أساسا من اليوان والدولار واليورو وعملات أخرى، مثل الجنيه الإسترليني، والفرنك السويسري، والين الياباني، وفق معطيات البنك المركزي الصيني.

كأن الاقتصاد العالمي يعود تدريجيا إلى النظام النقدي الذي ساد عقب الحرب العالمية الثانية

وحقق الذهب العام الماضي قفزة بنسبة 64 في المئة، بفعل زيادة الطلب لدى المصارف المركزية، وكسب سعر الذهب 8 في المئة خلال أسبوع واحد، مطلع العام الجديد، وبلغ 2 في المئة زيادة في تعاملات الاثنين، كما ارتفع سعر الفضة ومعادن ثمينة أخرى. وقال مصرف "غولدمان ساكس" إن سعر الذهب مرشح أن يصل إلى 5400 دولار في التعاملات اللاحقة خلال الأسابيع المقبلة، بسبب تزايد الطلب عليه من مصارف وصناديق تحوط سيادية، تفضل تنويع محفظات الأصول لديها، تجنبا لأي انزلاق محتمل في قيمة العملات الدولية، وفي مقدمها الدولار الأميركي، الخاسر الأكبر من ارتفاع أسعار الذهب، مما قد يضر بقيمة السلع المصدرة بالدولار، والمستوردة بعملات أخرى.

رويترز
الذهب والفضة في أعلى سعر للأونصة للمرة الأولى في التاريخ

تعمل مجموعة "بريكس" وبعضها ضمن مجموعة العشرين الاقتصادية، من اجل الابتعاد عن استخدام الدولار في تعاملاتها التجارية البينية، وهي تجد في هذه الممارسات النقدية غير التقليدية، فرصة للالتفاف على العقوبات الاقتصادية والتجارية الغربية ضد روسيا، عبر مقايضة النفط بسلع أو عملات محلية مثل الروبل واليوان، بعد إنشاء مصرف للتنمية الاقتصادية موجه لدول الجنوب الشامل، في إطار الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

في دافوس، كانت ألمانيا تنوي مفاتحة الرئيس دونالد ترمب بموضوع استعادة جزء من احتياطها من الذهب، المودع في الولايات المتحدة، لكنها خافت من غضبه

نقلا عن صحف سويسرية

وكأن الاقتصاد العالمي يعود تدريجيا إلى النظام النقدي الذي ساد عقب الحرب العالمية الثانية، كشفت مصادر ألمانية أن حكومة برلين تعتزم التقدم بطلب استرداد مخزونها من الذهب الذي استودعته خزائن أميركية تابعة للاحتياطي الفيديرالي، في خمسينات القرن الماضي، زمن الحرب الباردة ومخاوف "البوندسبنك" الألماني يومذاك من غزو سوفياتي كان محتملا عبر ألمانيا الشرقية.

وقالت المصادر "إن المصرف المركزي الألماني تمكن من استعادة 674 طنا من الذهب من الولايات المتحدة، منذ الأزمة المالية العالمية الأخيرة". وخلال وجوده في دافوس خلال الاجتماعات الشتوية للمنتدى الاقتصادي العالمي، الأسبوع الماضي، كشفت صحف سويسرية "أن ألمانيا كانت تنوي مفاتحة الرئيس دونالد ترمب في الموضوع، لاستعادة جزء من احتياطها من الذهب، مودع في أميركا، لمواجهة ضعف النمو الاقتصادي الأوروبي"، لكن "أطرافا في الحكومة فضلت تأجيل الطلب، حتى لا يغضب الرئيس ترمب، وتكون الرسالة خاطئة في زمن توتر العلاقات بسبب قضية جزيرة غرينلاند"، وفق المصادر نفسها، مما قد يؤدي إلى زيادة الحماية التجارية، في وجه السيارات الألمانية الفارهة داخل الأسواق الأميركية.

رويترز
أحد المتداولين عمله في قاعة بورصة نيويورك، عند جرس الافتتاح في نيويورك، 23 يناير 2026.

وتملك ألمانيا ثاني احتياط عالمي من الذهب  يقدر بـ3350 طنا، وراء الولايات المتحدة التي تحوز أكبر احتياطي يقدر بـ8133 طنا، وتحتل ايطاليا المرتبة الثالثة بـ2452 طنا، تليها فرنسا 2439 طنا. ويُقدر الاحتياطي الروسي  بـ 2333 طنا، قبل  الصين 2298 طنا، وفق تقرير World Gold Council 

الهند من أكبر المشترين للذهب 

وتُعتبر الهند لأسباب ثقافية ودينية، من بين أهم المعنيين بشراء الذهب، حيث تمكنت خلال 15 سنة من زيادة احتياطها الذهبي بـ 523 طنا. وخلال العام الماضي قُدر مخزون البلاد من الذهب نحو 880 طنا، مما جعلها في الترتيب السادس عالميا، قبل اليابان، التي لا تبدو أنها متحمسة للتخلي عن التجارة بالدولار، باعتبارها بلدا مصدرا للصناعات الاستهلاكية، رغم تراجع ترتيبها العالمي من الثالث إلى الخامس في عشرين سنة. كما اشترت تركيا 17 طنا من الذهب العام الماضي، من اجل تدعيم صرف العملة التي أضعفها التضخم وغلاء الأسعار.

في العالم العربي تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى، باحتياطي من الذهب تجاوز 323 طنا عام 2025، ولبنان الثاني عربيا

وفي العالم العربي تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى، باحتياطي من الذهب تجاوز 323 طنا عام 2025، وفق مجلس الذهب العالمي WGC، وزاد مخزون السعودية باكتشافات تعدين جديدة في الفترة الأخيرة، قُدرت بنحو 8 مليون أونصة من موارد الذهب العالية الجودة، في مناجم مكتشفة بالمنطقة الوسطى على طول 125 كلم. وتعزز هذه الاكتشافات المعدنية وقيمتها المالية، في تسريع  خطة "رؤية 2030" لتنويع مصادر الثروة في المملكة.

 لبنان ثاني احتياط للذهب عربيا

ويحتل لبنان وعلى الرغم ظروفه الاقتصاجية والمصرفية والجيوسياسية الإقليمية المعقدة، المركز الثاني عربيا بعد السعودية، بامتلاك احتياطي من مخزون الذهب يقدر بـ 287 طنا، مما يجعل بلاد الأرز قادرة على استعادة ازدهارها الاقتصادي بسرعة، إذا توفرت شروط الاستقرار الإقليمي، التي تجعل لبنان مستقطبا لاستثمارات السياحة والخدمات، علما  أن الخبرات والكفاءات التدبيرية اللبنانية معترف بها عالميا، وهي عنصر إضافي في التعامل بين الاحتياط الذهبي، والاحتياط النقدي، والعملات المشفرة، التي قد تفقد جاذبيتها أمام لمعان المعدن الأحمر الذي يثير كل الشهيات.

هل يكفي ذهب أميركا لحماية الدولار؟ وهل تمثل العودة إلى شراء الذهب انتفاضة نقدية ضد الرئيس دونالد ترمب؟

الهرولة نحو الذهب ليست شيئا جديدا في  تاريخ الاقتصاد الدولي، فهي أحد أسباب ثراء بعض الولايات الأميركية في الجنوب وأقصى الشمال، من ألاسكا إلى كاليفورنيا. وحولها نُسجت قصص وحكايات، وصُورت أفلام عن مغامرين مهاجرين فقراء، تحولوا إلى أثرياء في جيل واحد، باكتشاف معدن يبرق بين الماء والتراب ويتدفق من جبال وأودية. وكلما لمع الذهب، زادت هرولة الناس نحو مصادره وكثُر تخزينه، خاصة في زمن الأزمات، والعواصف، وغياب اليقين.

رويترز
عامل يستخدم مطرقة لتنظيف سبيكة ذهب خلال عملية التكرير في مصفاة الذهب الأفريقية

عندما فك الرئيس ريتشارد نيكسون ارتباط الدولار بالذهب عام 1971 بسبب حرب فيتنام، كانت الأوساط النقدية والمالية، وفي مقدمها "بروتين وودس"، عاجزة عن معارضة "العام سام"، الذي ظل يطبع الدولار من دون غطاء الذهب، الذي كان يوازي 35 دولارا للأونصة الواحدة. أما اليوم فأونصة الذهب تجاوزت 5000 دولار، وقد تصل إلى 6000 دولار في الأشهر المقبلة. فهل يكفي ذهب أميركا لحماية الدولار؟ وهل تمثل العودة إلى شراء الذهب انتفاضة نقدية ضد الرئيس ترمب؟

font change

مقالات ذات صلة