دينا باول رئيسة "ميتا"... نجاح أميركي بجذور مصرية

بين السياسة وإدارة الخوارزميات

AFP-Al Majalla
AFP-Al Majalla

دينا باول رئيسة "ميتا"... نجاح أميركي بجذور مصرية

تصنف دينا باول ماكورميك كواحدة من أكثر الشخصيات النسائية تأثيرا في المشهد الدولي، حيث تمثل نموذجا فريدا للنجاح الأميركي ذي الجذور المصرية. لم يكن وصولها إلى قمة دوائر النفوذ وليد المصادفة، بل جاء نتاج مسيرة مهنية استثنائية جمعت فيها بين الحنكة السياسية في أروقة البيت الأبيض، والخبرة المالية العميقة بصفتها شريكة سابقة في مؤسسة "غولدمان ساكس" العريقة. هذا المزيج جعل منها حلقة وصل حيوية بين صناعة القرار السياسي في واشنطن وعالم المال والأعمال في "وول ستريت".

مع انتقالها إلى شركة "ميتا" -المظلة الأم لـ"فيسبوك" و"إنستغرام" و"واتساب"- تفتتح باول فصلا جديدا ومفصليا في مسيرتها المهنية بتوليها منصب رئيسة الشركة ونائبة رئيس مجلس إدارتها. هذا التعيين يضعها في قلب مراكز القرار لواحدة من أضخم إمبراطوريات التكنولوجيا عالميا، مما يعزز حضورها كقوة ناعمة وصلبة في آن واحد داخل "وادي السيليكون"، ويؤكد توجه الشركات التقنية الكبرى نحو استقطاب كفاءات تمتلك رؤية شاملة تتجاوز حدود البرمجة والتقنية البحتة.

جاء إعلان حزمة التعويضات المالية المخصصة لباول ليعكس حجم التقدير والرهان الكبير الذي تضعه "ميتا" على قدراتها، حيث تضمن العقد راتبا سنويا ثابتا قدره مليون دولار، مدعوما بمكافأة توقيع فورية تبلغ 10 ملايين دولار كحافز لانضمامها. الأهم من ذلك هو تخصيص أسهم في الشركة تقدر قيمتها بنحو 60 مليون دولار، وهو إجراء يهدف إلى ربط نجاحها الشخصي بالأداء الطويل الأمد للشركة، ويؤكد أنها ليست مجرد موظفة تنفيذية، بل شريكة استراتيجية في رسم مستقبل المؤسسة.

وفقا للمهام الموكلة إليها، ستكون دينا باول المحركة الأساس لأنشطة "ميتا" العالمية، بتركيز دقيق على بناء وتحصين الشراكات مع الحكومات والصناديق السيادية الدولية. ستتولى باول مسؤولية الإشراف على تطوير ونشر وتمويل استثمارات الشركة في قطاع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة به. هذا الدور يوضح أن "ميتا" باتت تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كقضية أمن قومي واقتصادي تتطلب "ديبلوماسية رقمية" لإقناع الدول والمؤسسات الكبرى بتبني تقنيات الشركة وتمويل مشروعاتها العملاقة.

الجيل الأول للمهاجرين

يؤكد تعيين باول في هذا التوقيت بالذات أن صناعة التكنولوجيا قد دخلت مرحلة نضج سياسي، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ابتكار تقني للمستخدمين، بل أصبح ملفا استراتيجيا يتقاطع بشكل معقد مع السياسة الدولية والاقتصاد الكلي. وبفضل شبكة علاقاتها الواسعة مع قادة العالم وصناع السياسات المالية، ينتظر من باول أن تقود "ميتا" في عبور التحديات التنظيمية والتشريعية، وتحويل طموحات الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى واقع ملموس يحظى بدعم سياسي وتمويل سيادي عالمي. فمن هي دينا باول ماكورميك؟

تعد دينا حبيب باول ماكورميك نموذجا لجيل المهاجرين الأول الذي نجح في صوغ هوية أميركية دون الانفصال عن الجذور المصرية. ولدت في القاهرة عام 1973، ونشأت في كنف أسرة حرصت على غرس القيم الثقافية الأصلية في وجدانها، بينما كانت تشق طريقها للاندماج في المجتمع الجديد. تروي باول بذكاء عن تلك المرحلة تفاصيل بسيطة لكنها عميقة الدلالة، فبينما كانت تطمح في طفولتها للوجبات الأميركية التقليدية كشطائر الديك الرومي لتشبه أقرانها، كانت تعود الى منزلها لتجد مائدة عامرة بـ"ورق العنب والحمص والفلافل"، وهي مفارقة تختصر مبكرا قدرتها على التوفيق بين موروثها الشرقي وطموحها الغربي، وهو التوازن الذي صار لاحقا مفتاح نجاحها في الديبلوماسية الدولية.

بالتوازي مع حضورها السياسي، نجحت دينا باول ماكورميك في بناء إرث مالي صلب داخل أروقة "غولدمان ساكس" حيث أمضت ستة عشر عاما في قلب أحد أهم البنوك الاستثمارية في العالم

وضعت باول لبنة مستقبلها في جامعة تكساس بأوستن حيث درست العلوم السياسية، لكن النقلة النوعية كانت بانتقالها إلى جامعة جورجتاون في قلب واشنطن العاصمة. وباعتبارها واحدة من أهم "مصانع النخبة السياسية"، كانت جورجتاون البوابة التي عبرت منها باول مبكرا إلى كواليس الحكم، حيث بدأت مسيرتها في أروقة الكونغرس الأميركي، لتنتقل بعدها بسرعة وثبات إلى مواقع قيادية داخل الحزب الجمهوري، محولة دراستها الأكاديمية إلى ممارسة سياسية عملية في سن مبكرة.

خلال إدارة الرئيس جورج دبليو بوش -2001-2007- برز اسم دينا باول كأحد المحركات التنفيذية في البيت الأبيض. بدأت كعملها نائبة لمساعد الرئيس، ثم ترقت لتصبح مساعدة للرئيس لشؤون التعيينات الرئاسية، وهو منصب حساس يعنى باختيار الكوادر التي تدير الدولة. ولم تكتف بالعمل الإداري، بل انتقلت إلى وزارة الخارجية كـ"مساعدة لوزير الخارجية للشؤون التعليمية والثقافية"، وهي الفترة التي صقلت مهاراتها في إدارة المؤسسات الضخمة وبناء القوى الناعمة للولايات المتحدة عالميا.

قدرات نادرة

في عام 2017، عادت باول لتتصدر المشهد السياسي في إدارة الرئيس دونالد ترامب، متولية منصب نائبة مستشار الأمن القومي. خلال عام واحد من العمل المكثف، وجدت نفسها في قلب "غرفة العمليات" العالمية، تشارك في صوغ ملفات السياسة الخارجية والديبلوماسية المعقدة. وقد تزامن دورها مع مرحلة اتسمت بتقلبات حادة في النظام الدولي، مما منحها خبرة فريدة في إدارة الأزمات والتعامل مع توازنات القوى الكبرى، وهذا ما جعلها لاحقا صيدا ثمينا لعملاق التكنولوجيا "ميتا".

REUTERS
ديفيد ماكورميك، المرشح عن الحزب الجمهوري لمجلس الشيوخ الأميركي، يتحدث إلى أنصاره برفقة زوجته دينا باول ماكورميك، خلال فعالية أقيمت ليلة الانتخابات في بيتسبرغ، بنسلفانيا، الولايات المتحدة

بالتوازي مع حضورها السياسي، نجحت دينا باول ماكورميك في بناء إرث مالي صلب داخل أروقة "غولدمان ساكس" حيث امضت ستة عشر عاما في قلب أحد أهم البنوك الاستثمارية في العالم. لم تكن مجرد كادر إداري، بل ارتقت لتصبح عضوا في "اللجنة الإدارية العليا"، وهي الدائرة الضيقة التي ترسم سياسات البنك العالمية. ومن خلال موقعها كرئيسة للأعمال السيادية على المستوى الدولي، تولت إدارة علاقات البنك مع الحكومات وصناديق الثروة السيادية، مما منحها رؤية استراتيجية حول كيفية تحرك رؤوس الأموال العابرة للحدود وتأثيرها على استقرار الدول.

لم ينحصر دور باول في "غولدمان ساكس" ضمن الأطر المصرفية التقليدية، بل قادت ملفات الاستدامة والنمو الشامل برؤية تنموية واضحة. وقد تجلى ذلك في إشرافها على إطلاق مبادرات دولية ضخمة مثل برنامج "10,000 امرأة" وبرنامج "10,000 شركة صغيرة"، وهي مشاريع استراتيجية استهدفت تمكين رائدات الأعمال ودعم المنشآت الصغيرة في أسواق عالمية متنوعة. هذه المبادرات لم تكن مجرد برامج للمسؤولية الاجتماعية، بل كانت أدوات اقتصادية فعالة أسهمت في تعزيز النمو الشامل وربط صغار المستثمرين بالدورة الاقتصادية العالمية، مما رسخ اسمها كخبيرة في إحداث أثر تنموي مستدام.

ضمن هذا المناخ المشحون، يبرز تعيين دينا باول كـ"ضربة معلم" سياسية من جانب شركة "ميتا". فالشركة التي عانت لسنوات من علاقة متوترة وصدامات علنية مع ترمب، وجدت في باول الشخصية المثالية لكسر الجمود

تكتمل صورة النفوذ في حياة دينا باول من خلال ارتباطها بديفيد ماكورميك، وهو رجل أعمال مرموق ومسؤول حكومي سابق، ويشغل حاليا منصب عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية بنسلفانيا. هذا الزواج يضع باول في مركز شبكة نفوذ اجتماعية وسياسية بالغة التعقيد، حيث تتقاطع المصالح التشريعية في واشنطن مع الطموحات الاقتصادية الكبرى. ومع ذلك، يجمع المحللون على أن مسيرة باول المهنية ظلت كيانا مستقلا ومتفردا، حيث استطاعت بناء علامتها الشخصية الخاصة بعيدا من أي تأثير خارجي، مستندة إلى إنجازاتها الذاتية في القطاعين العام والخاص.

تكمن القوة الحقيقية في شخصية دينا باول في قدرتها النادرة على التنقل المتوازن بين العمل الحكومي التنفيذي ورأس المال العالمي. هذا المسار المزدوج منحها "لغة مشتركة" يفتقر إليها الكثير من القيادات. فهي تفهم منطق الحكومات، وتعقيدات التشريعات، وهواجس الأمن القومي بالعمق نفسه الذي تفهم به آليات السوق، ولغة الأرقام، ومتطلبات المستثمرين. هذا المزيج هو ما جعلها اليوم الشخصية الأكثر تأهيلا لقيادة شركة مثل "ميتا" في مرحلة تتطلب دمج التقنيات الفائقة مع السياسات السيادية للدول.

مناخ مشحون

لا يمكن قراءة تعيين دينا باول ماكورميك بمعزل عن التحولات الجيوسياسية داخل الولايات المتحدة. فمنذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، أعيد تعريف قطاع التكنولوجيا كركيزة أساس في مشروع "القوة الأميركية". لم يعد الرؤساء التنفيذيون لعمالقة "وادي السيليكون" ينظرون إلى واشنطن كجهة رقابية فحسب، بل كشريك استراتيجي أو خصم سياسي يجب استرضاؤه. وقد تجلى ذلك في مشهدية سياسية جديدة، حيث تسابق قادة التكنولوجيا لفتح قنوات اتصال مباشرة مع ترمب، مغيرين بوصلة تحركاتهم من المؤتمرات التقنية إلى مرافقة الرئيس في رحلاته الخارجية وزيارته في مقار إقامته، في إشارة إلى أن نفوذ "التقنية" بات يزاحم المناصب السياسية التقليدية في أهميته.

AFP
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح دينا باول ماكورميك، نائبة مستشار الأمن القومي الأميركي السابقة، خلال حفل استقبال مع قادة الأعمال على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، 21 يناير 2026

ضمن هذا المناخ المشحون، يبرز تعيين دينا باول كـ"ضربة معلم" سياسية من جانب شركة "ميتا". فالشركة التي عانت لسنوات من علاقة متوترة وصدامات علنية مع ترمب، وجدت في باول الشخصية المثالية لكسر الجمود. فباول ليست مجرد خبيرة اقتصادية، بل هي "ابنة الإدارة" التي خدمت في قلب مجلس الأمن القومي التابع لترمب، وتفهم بدقة لغته السياسية وآلية اتخاذ القرار في دائرته المقربة. هذا التعيين يمثل "غصن زيتون" تقنيا مغلفا بخبرة سيادية، يهدف إلى تحويل "ميتا" من خصم سياسي محتمل إلى شريك في رؤية الإدارة الجديدة.

تندفع شركة "ميتا" اليوم نحو تدشين واحد من أضخم مشاريع البنية التحتية في تاريخ قطاع التكنولوجيا، متجاوزة بذلك حدود تطوير البرمجيات التقليدية لتصبح لاعبا سياديا في مضمار الذكاء الاصطناعي الفائق

لم يتأخر مفعول هذا التعيين طويلا، إذ جاءت إشادة ترمب العلنية بباول عبر منصته "تروث سوشيال" لتؤكد نجاح المناورة الاستراتيجية لـ"ميتا". إن وصف ترمب لهذا الاختيار بـ"الموفق" يتجاوز كونه مجرد مجاملة لشخصية خدمت في إدارته، بل هو اعتراف سياسي ببدء مرحلة جديدة من "ضبط العلاقات" مع إمبراطورية مارك زوكربيرغ. هذه الإشادة تمنح "ميتا" غطاء سياسيا كانت تفتقر اليه لسنوات، وتفتح الباب أمام تفاهمات تتجاوز القضايا التقنية لتصل إلى ملفات الأمن القومي والذكاء الاصطناعي.

في نهاية المطاف، لا تهدف "ميتا" من هذا التعيين إلى مجرد ملء منصب تنفيذي رفيع، بل تسعى لامتلاك "أداة إعادة ضبط" لعلاقتها مع السلطة المركزية في واشنطن. دينا باول هي الشخصية القادرة على العمل ببراعة داخل "منطق السوق" ومتطلبات الربحية، وفي الوقت ذاته المناورة داخل "المنطق السياسي" المعقد الذي يفرضه وجود ترمب في السلطة. إنها تجسد التحول في فلسفة شركات التكنولوجيا التي أدركت أن البقاء والنمو في الحقبة المقبلة لا يتطلب مهندسين عباقرة فحسب، بل يتطلب "ديبلوماسيين عابرين للمؤسسات" قادرين على تأمين موقع الشركة داخل خريطة النفوذ السياسي الجديد.

شراكات معقدة

تندفع شركة "ميتا" اليوم نحو تدشين واحد من أضخم مشاريع البنية التحتية في تاريخ قطاع التكنولوجيا، متجاوزة بذلك حدود تطوير البرمجيات التقليدية لتصبح لاعبا سياديا في مضمار الذكاء الاصطناعي الفائق. هذا التوجه الاستراتيجي لم يعد يرتكز على بناء النماذج الذكية فحسب، بل يتمحور حول تشييد ترسانة من مراكز البيانات العملاقة، ومنظومات الحوسبة الفائقة، وشبكات الطاقة الهائلة القادرة على تلبية الاحتياجات التشغيلية لنماذج ذكاء اصطناعي ذات نطاق غير مسبوق عالميا.

وتتجلى ضخامة هذا الطموح في إعلان الشركة ضخ استثمارات فلكية تتجاوز 600 مليار دولار داخل الولايات المتحدة في حلول عام 2028، مخصصة بالكامل لتطوير البنية التحتية للحوسبة وتأمين إمدادات الطاقة المرتبطة بها. وتعد هذه الأرقام من بين الأكبر في تاريخ الصناعة، مما يعكس قناعة "ميتا" بأن حسم معركة السيادة في الذكاء الاصطناعي سيعتمد في المقام الأول على امتلاك "الأدوات الصلبة" من طاقة ومعالجات، وليس فقط على التفوق البرمجي.

ويبرز في قلب هذه الاستراتيجيا إنشاء مراكز بيانات بمقياس "الجيغاوات"، وهي منشآت ضخمة تتطلب شراكات معقدة وطويلة الأجل لتأمين مصادر طاقة مستقرة ومستدامة، مما ينقل مشاريع الشركة من الحيز التقني البحت إلى الحيز السياسي والتنظيمي، حيث تصبح "ميتا" طرفا فاعلا في سياسات الطاقة المحلية والوطنية عبر ولايات أميركية مختلفة.

هذا التحول الجذري في نموذج العمل انعكس بوضوح في الميزانيات الرأسمالية للشركة، التي شهدت قفزات حادة في الإنفاق التقني خلال عام 2025، موجهة دفتها بالكامل نحو الذكاء الاصطناعي. إن إدارة وتمويل مشاريع بهذا الحجم لم يعودا ممكنين بعقلية الشركات التكنولوجية التقليدية، بل باتا يتطلبان بناء تحالفات استراتيجية مع الحكومات، والمؤسسات التنظيمية، وصناديق الاستثمار العالمية الكبرى التي تمتلك نفسا طويلا في تمويل البنى التحتية الوطنية.

تدرك باول تماما أن بناء الشراكات في منطقة الخليج لا يقوم على الصفقات الخاطفة أو البروباغاندا الإعلامية، بل يرتكز على ترسيخ الثقة المتبادلة، والفهم العميق للاعتبارات السيادية، واحترام مقتضيات الأمن الاقتصادي للدول

في هذا المشهد المعقد، تبرز أهمية انضمام دينا باول ماكورميك لشركة "ميتا"، حيث لا ينظر إلى دورها كمنصب إداري اعتيادي، بل كضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة. فبتحول مشاريع الشركة إلى ملفات سياسية واقتصادية متداخلة مع قطاعات الطاقة والأمن القومي، أصبحت الشركة في حاجة ماسة لقيادة تمتلك "لغة الدولة" وقدرة عالية على التفاوض السياسي، بالقدر الذي تفهم به آليات الأسواق والنمو التقني.

ويعول على دينا باول بشكل أساس في مهمة إعادة هندسة علاقة "ميتا" بالمنظومة السياسية في واشنطن. فالشركة تسعى جاهدة للتخلص من إرث طويل من التوتر والصدامات مع الكونغرس والإدارات المتعاقبة. وبفضل خلفيتها العميقة في الدوائر السيادية، وتحديدا داخل الإدارات الجمهورية، تمثل باول الجسر المثالي لإعادة ضبط هذه العلاقة المتأزمة، وتحويل مسار الشركة من حالة المواجهة المستمرة مع صناع القرار إلى حالة من التوافق الاستراتيجي الذي يخدم طموحات "ميتا" في قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي.

قبول استثنائي

يتجلى الدور الثاني المحوري لباول في هندسة ملفات التمويل والاستثمار الاستراتيجي، وهو دور يتجاوز النماذج التقليدية القصيرة الأجل. فمشاريع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العابرة للقارات تتطلب تدفقات مالية ضخمة ومستدامة، لا تتوفر إلا عبر شراكات مع مستثمرين مؤسسيين وصناديق سيادية عالمية، جنبا إلى جنب مع إبرام اتفاقيات سيادية مع الحكومات في شأن موارد الطاقة، وتخصيص الأراضي، وتطوير البنية التحتية. وهنا تبرز خبرة باول التراكمية في التعامل مع هذه الفئة من المستثمرين الكبار، وقدرتها الفائقة على فك شفرات صناعة القرار على مستوى قيادات الدول.

AFP
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح المستشار الأول إيلون ماسك، ناظرا إلى السيناتور ديف ماكورميك وزوجته دينا باول ماكورميك

أما الدور الثالث، والأكثر حساسية وأهمية في استراتيجيا "ميتا" الجديدة، فيتعلق بمنطقة الخليج العربي، التي لم تعد تمثل بالنسبة لعمالقة التكنولوجيا مجرد سوق استهلاكية أو مصدرا للتمويل العابر، بل شريك عضوي في بناء منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية. فدول الخليج باتت تمتلك العناصر الحاسمة لحسم سباق الحوسبة، بما في ذلك رؤوس الأموال السيادية الضخمة، وإمدادات الطاقة المستقرة، والرؤى الاستثمارية التي تمتد لعقود، وهي مقومات جوهرية لضمان نجاح مشاريع مراكز البيانات الفائقة.

في هذا الإطار، تبرز دينا باول ماكورميك كشخصية تحظى بقبول استثنائي وصدقية عالية في الدوائر السياسية والاقتصادية الدولية. فمسيرتها في "غولدمان ساكس" صقلت مهارتها في إدارة ملفات الأعمال السيادية، والتواصل المباشر مع المؤسسات الرسمية والصناديق الحكومية، مما منحها دراية عميقة بآليات التفكير السيادي ومتطلبات بناء التحالفات العابرة للحدود.

تدرك باول تماما أن بناء الشراكات في منطقة الخليج لا يقوم على الصفقات الخاطفة أو البروباغاندا الإعلامية، بل يرتكز على ترسيخ الثقة المتبادلة، والفهم العميق للاعتبارات السيادية، واحترام مقتضيات الأمن الاقتصادي للدول. هذا الإدراك يجعل منها عنصرا مفصليا في جهود "ميتا" لتحويل طموحاتها التقنية إلى واقع ملموس في المنطقة، عبر شراكات استراتيجية تتجاوز الحضور التجاري المحدود لتصل إلى مستوى التحالفات البنيوية.

يمكن القول إن دينا باول ماكورميك لم تنضم إلى "ميتا" لتطوير خوارزميات أو إدارة منتجات تقنية، بل لترسيم الحدود السياسية والاقتصادية التي ستتحرك فيها الشركة. إن مهمتها الحقيقية هي تأمين الموارد الضخمة وصوغ البيئة الديبلوماسية اللازمة لاستدامة رؤية الشركة. إذ سيتوقف نجاح "ميتا" في السنوات المقبلة على كفاءتها في إدارة هذه التعقيدات الجيوسياسية بالقدر نفسه الذي تعتمد فيه على تفوقها التكنولوجي.

font change

مقالات ذات صلة