الباحث الإيراني مصدق بور يكشف لـ "المجلة" مواقف طهران من مطالب ترمب

لا تفاوض تحت التهديد

نسمة محرم/المجلة
نسمة محرم/المجلة
الباحث الإيراني مصدق بور، المقرب من دوائر صنع القرار السياسي في طهران

الباحث الإيراني مصدق بور يكشف لـ "المجلة" مواقف طهران من مطالب ترمب

يشير الباحث الإيراني والمقرب من دوائر القرار في طهران مصدق بور، إلى أن الولايات المتحدة لا تعرض على إيران تفاوضا حقيقيا، بل تسعى لفرض "شروط المنتصر"، وهو ما تعتبره طهران استسلاما لا حوارا. فالمفاوضات، وفق الرؤية الإيرانية، يجب أن تقوم على التكافؤ، لا على الإملاءات والتهديد. ويرى أن الإدارة الأميركية أخطأت مرارا في تقدير طهران، واعتقدت أن الضغوط أو الأزمات الداخلية قد تدفعها إلى الانكسار. ويرفض بور المقارنة بين إيران ودولة مثل فنزويلا، مشددا على أن "المرشد" في إيران ليس مجرد قائد سياسي، بل مرجعية دينية وروحية عابرة للحدود. كما يصف تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الإعدامات بأنها "خطاب إعلامي ونفسي، يتجاهل واقع إيران وتعقيدات المسار القضائي">

في الملف النووي، يوضح مصدق بور أن طهران منفتحة على مناقشة بعض المطالب، مثل تسليم اليورانيوم المخصب، ضمن القانون الدولي، لكن من دون التخلي عن حقها في التكنولوجيا النووية السلمية أو قدراتها الردعية. وينفي سعي إيران إلى امتلاك سلاح نووي، مؤكدا وجود فتوى تحرمه، مع الإبقاء على عناصر الردع. كما يرفض إدخال البرنامج الصاروخي في أي تفاوض، باعتباره دفاعيا. ويخلص إلى أن إيران تفضل تسوية عادلة تحفظ كرامتها، لكنها مستعدة لمواجهة طويلة إذا فرضت عليها.

وفيما يلي النص الكامل للمقابلة:

* الولايات المتحدة تطرح اليوم سلسلة شروط على طهران. هل نحن أمام تفاوض بشروط المنتصر أم محاولة أخيرة لتجنب المواجهة؟

- إيران منفتحة على التفاوض والحوار، لكن هذا لا يعني المفاوضات بالشكل الذي تريده واشنطن. فالمقصود بالنسبة للبيت الأبيض هو فرض شروط المنتصر، وهذه، من وجهة نظر طهران، ليست مفاوضات، بل استسلام. المفاوضات تقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، ويجب أن تكون متكافئة، وأن تراعي وتحترم إرادة الإيرانيين.

لكن ما نراه اليوم هو تجاهل واضح من قبل الولايات المتحدة الأميركية لهذه الإرادة، ونبرة استعلائية وفوقية في التعاطي مع إيران، وكأنها إحدى الدول التي استطاعت واشنطن تغيير أنظمتها السياسية بسهولة.

* ولكن لدونالد ترمب مطالب واضحة... أليس كذلك؟

- ما يريده دونالد ترمب اليوم هو التطاول على الكرامة الإيرانية، وما يطرحه من سلسلة شروط هو مجرد أوهام. هو دائما يُخطئ بسوء تقدير تجاه إيران، ودائما بعد افتعال أزمة داخلية في إيران، يظن أنها أصبحت ضعيفة وستستسلم، وهذا غير صحيح.

تارة يهددون بشن عدوان عسكري، وتارة يلوحون بتنفيذ السيناريو الذي نفذوه ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لكن هذه المقارنة خاطئة. هم يجهلون الفوارق الجوهرية بين إيران وفنزويلا وبقية الدول.

ترمب دائما يُخطئ التقدير بشأن إيران

* هل تشير هنا إلى إمكانية خطف المرشد خامنئي مثلما اعتقل مادورو؟

- المرشد الأعلى في إيران، السيد علي خامنئي، ليس مجرد قائد سياسي، بل هو شخصية دينية وروحية عابرة للجغرافيا، وله أنصار وموالون كثر. وأي مساس بمكانته سيؤدي حتما إلى ردود فعل عنيفة، وليس بالضرورة أن تقتصر هذه الردود على "محور المقاومة"، بل قد تظهر قوى ومجتمعات أخرى سيكون لها رد فعل تجاه أي جريمة ترتكبها الولايات المتحدة، خصوصا إذا كانت موجهة ضد القائد.

أ.ف.ب
المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي يتوجه إلى المنصة لمخاطبة وسائل الإعلام بعد إلقاء كلمته خلال الانتخابات الرئاسية للجمهورية الإسلامية في طهران في 28 يونيو 2024

* ولكن ترمب يريد التفاوض وينتظر رد إيران على شروطه.. أليس هذا ما يعلنه؟

- هذا كلام إعلامي غير صحيح، ترمب معروف بمحاولته تغذية نرجسيته السياسية، ويتحدث بهذه الطريقة ليوحي للآخرين بأن ضغوطه أجبرت إيران على الاستسلام أو على طلب التفاوض.

الولايات المتحدة تهدد إيران منذ سنوات، وفي بداية الأزمة الأخيرة، هددوا بإشعال حرب إذا قتل أي متظاهر. لكن فعليا، وقعت مواجهات بين مسلحين مجندين من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل وبين الأمن، وعندما حاول مثيرو الشغب التغلغل مطلقين النار على المدنيين وعلى عناصر الأمن، قتل الكثير منهم. ومع ذلك، لم نشهد أي تحرك أميركي، بل على العكس، خرج ترمب ليشكر إيران لأنها بحسب زعمه، لم تعدم 800 متظاهر، في حين لم يكن مقررا إعدام أي شخص، لأن المحاكم لم تكن قد تشكلت أصلا.

* إذن ما رد طهران على واشنطن؟

- شروط إيران واضحة ومعلنة: أولا، لا تفاوض تحت التهديد مطلقا. ثانيا، تريد مفاوضات متكافئة. ثالثا، تريد اعترافا بحقوقها في إطار الشرعية الدولية، ومنها حقها في استخدام الطاقة النووية السلمية، بما في ذلك التخصيب.

* ولكن واشنطن لم تكن لديها مشكلة مع البرنامج النووي السلمي... ألم يكن الموضوع متعلقا بملفات أخرى؟

- ترمب هو من يخرج عن القانون الدولي ويتحداه، ويفرض شروطا غير قانونية وغير أخلاقية، ويطالب إيران بوقف برنامجها النووي، وتجميده، وتصفير التخصيب، كما يطالب بنزع قدراتها الصاروخية الدفاعية.

* المطلب الأميركي المتعلق بتسليم اليورانيوم المخصب: هل يعني عمليا نزع القدرة النووية العسكرية لإيران أم مجرد ضبطها؟

- أعتقد أن موضوع تسليم مواد اليورانيوم قابل للبحث والنقاش. وربما تكون إيران مستعدة للتعامل مع هذا المطلب، إذ إنها في الاتفاق السابق الذي أبرم عام 2015، وافقت على إخراج هذه المواد وتخزينها في روسيا. كما وافقت على تفكيك مفاعل آراك لإنتاج المياه الثقيلة، وخفض نسبة التخصيب إلى 3.67 في المئة.

هذه أمور يمكن لإيران التعامل معها بمرونة، لكن هذا التراجع يجب أن يكون تحت سقف القانون الدولي، فتسليم اليورانيوم لا يعني نزع القدرة النووية عن إيران، فهي تمتلك هذه التكنولوجيا، وهي قادرة على استعادة قدراتها وإحيائها في وقت قصير، ومثال على ذلك اعتمادها سياسة الغموض الاستراتيجي، حيث لا أحد يعلم ما إذا كانت هذه المواد قد دُمرت أم لا، غموض يشكل بحد ذاته أداة ردع.

"ماكسار" للصور الجوية عبر رويترز
صورة جوية لمجمع فوردو التقطت بعد تعرضه لقصف الطائرات الاميركية

* إذن طهران قادرة على صناعة السلاح النووي؟

- إيران لا تريد تصنيع السلاح النووي، ولا القنبلة النووية، وهناك فتوى دينية صريحة تحرم ذلك، لكنها في الوقت نفسه تمتلك مقومات إنتاج هذا السلاح، وهذا يشكل رادعا قويا. إيران لا تستخدم السلاح النووي كأداة ردع، بل تستخدم امتلاك المواد النووية المخصبة كأداة ضغط، لتقول للطرف الآخر: تعالوا إلى التفاوض، واعترفوا بحقوق إيران، وبعد ذلك يمكن النقاش في مصير هذه المواد، سواء بتسليمها أو الإعلان عن تدميرها أو تخزينها وفق اتفاق دولي.

والحديث اليوم عن نزع القدرة النووية العسكرية أو حتى المدنية عن إيران بات من الماضي وغير واقعي، فهي تمتلك هذه التكنولوجيا، وقد قُتل عدد كبير من العلماء النوويين الإيرانيين، لكن البرنامج النووي مستمر، ولديها علماء كثر في مجالات التصنيع النووي السلمي والعسكري.

قُتل عدد كبير من العلماء النوويين الإيرانيين، لكن البرنامج النووي مستمر

 

* هل ما زال الملف النووي ورقة قوة بيد طهران، أم تحوّل إلى عبء يفاقم عزلتها؟

- الملف النووي السلمي حق سيادي تتمتع به إيران، التي تمتلك واحدا من أكبر احتياطات اليورانيوم الخام في العالم. وبالتالي، لا يمكنها التراجع عن هذا الملف، وهي توظف الطاقة النووية لأغراض سلمية، وهي باتت من ركائز التنمية والتقدم، ولا يمكن اعتبارها عبئا استراتيجيا.

أما الحديث عن عزلة فهو غير دقيق، لأن إسرائيل تعاني عزلة دولية متزايدة، ورئيس وزرائها لا يستطيع السفر إلى كثير من الدول خشية الاعتقال. وترمب نفسه يعيش حالة عزلة داخلية وخارجية، ويعاني من تناقضات سياسية ونفسية واضحة.

* واشنطن تطالب بإنهاء دور الميليشيات الإقليمية، هل هذا ممكن من دون أن يهدد بنية النظام الإيراني نفسه؟

- هناك فهم خاطئ لمفهوم الميليشيات الإقليمية، فهذه القوى ليست أذرعا لإيران، بل حركات شعبية نشأت للدفاع عن قضاياها. وطهران تقف إلى جانب الشعوب، وليس إلى جانب الأنظمة، والمرجعية الدينية في إيران عابرة للجغرافيا، ونفوذها معنوي وروحي، وهذا ليس تدخلا في سيادة الدول. هذا النفوذ لا يمكن ضبطه أو مصادرته، لأنه لا يخضع لمنطق الدولة والحدود السياسية.

لن يكون هناك تخيير بين البرنامج النووي وشبكة الحلفاء

* إذا اضطرت إيران للاختيار، أيهما ستضحي به أولا: البرنامج النووي أم الميليشيات؟

- لا أعتقد أن هذا الاختيار مطروح أصلا، لن يكون هناك تخيير بين البرنامج النووي وشبكة الحلفاء. قد يكون هناك نوع من ضبط الإيقاع أو تفاهمات مرحلية إذا وجد اتفاق شامل، كما حدث في النموذج الإيراني-السعودي، الذي ساهم في تهدئة الأوضاع الإقليمية، خصوصا في اليمن.

إيران لن تتراجع عن برنامجها النووي، لكنها قد توافق على تجميد التخصيب لفترة زمنية محددة، أو على تسليم مواد معينة، مقابل ثمن واضح وضمانات حقيقية. المفاوضات بالنسبة لإيران تقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، وليس على الإملاء.

رويترز
رجل يسير في أحد شوارع طهران، إيران، 24 يناير2026

* لماذا الإصرار على استثناء برنامج الصواريخ من أي تفاوض؟

- إيران تصر على استثناء منظومتها الصاروخية لأنها منظومة دفاعية بحتة، لكل دولة الحق في امتلاك وسائل الدفاع عن نفسها، خصوصا دولة مثل إيران، التي تحيط بها الأساطيل الأميركية، وحاملات الطائرات، والقواعد العسكرية، والتهديدات الإسرائيلية المتواصلة.

* ولكن ألا يطال تهديد الصواريخ دول المنطقة؟

- الصواريخ الإيرانية ليست موجهة ضد دول المنطقة، ولا تحتاج إيران إلى صواريخ بعيدة المدى لاستهداف جيرانها. هذه الصواريخ وضعت لردع تهديدات آتية من خارج الإقليم، بما في ذلك من العمق الأوروبي إذا تطلب الأمر.

هناك معاهدات دولية تنظم مسألة الصواريخ، وإيران يمكنها تقديم ضمانات ضمن هذه الأطر، لكنها لن تقبل بنزع منظومتها الدفاعية.

* هل تقف إيران اليوم أمام تسوية موجعة أم مواجهة طويلة الأمد؟

- أمام الاحتمالين: التسوية، لن تكون موجعة لإيران، والحرب ليست في مصلحة الولايات المتحدة ولا في مصلحة إسرائيل. إسرائيل لا تتحمل صواريخ إيران، مهما امتلكت من قدرات دفاعية.

إيران لا تبحث عن الحرب، لكنها مستعدة لها. وهي ترى أن الضغوط العسكرية الحالية هي في جزء كبير منها حرب نفسية. أما إذا فرضت المواجهة، فإيران مستعدة لدفع ثمنها، لكنها لن تقبل الاستسلام.

* إذن، ماذا تريد طهران، التفاوض أم الحرب؟

- لا بد من مفاوضات متكافئة ضمن حقوق إيران في الإطار الدولي، لكن الوضع الحالي لا يذهب في هذا الاتجاه، رغم وجود مفاوضات على مسارات أخرى، بما في ذلك مفاوضات مع الجانب الأميركي، تحديدا مع ستيف ويتكوف.

إيران متمسكة بثوابت سياستها الخارجية وبخطوطها الحمراء، ولا تسمح بتجاوز هذه الخطوط، وفي الوقت نفسه، تؤكد جاهزيتها الكاملة للرد على أي خطوة تقدم عليها الولايات المتحدة الأميركية أو إسرائيل.

أ ب
الرئيس الايراني مسعود بزشكيان يلقي كلمة في طهران في الاول من يناير اثناء احياء ذكرى اغتيال قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" قاسم سليماني

 

الصواريخ الإيرانية ليست موجهة ضد دول المنطقة، ولا تحتاج إيران إلى صواريخ بعيدة المدى لاستهداف جيرانها

* الولايات المتحدة تشترط عدم عودة نوري المالكي إلى رئاسة وزراء العراق. ما الرسالة التي تريدها واشنطن من خلال هذا الموقف؟

- العراق هو الهدف الأساسي للولايات المتحدة وإسرائيل في هذه المرحلة. في الظاهر، الحديث يدور حول "الحشد الشعبي" وقوى "المقاومة"، لكن في الجوهر، الاستهداف يطال العراق نفسه.

عودة نوري المالكي هي تعبير عن إرادة شعبية عراقية نتجت عن انتخابات وآليات دستورية. المالكي معروف بمواقفه ضد الاحتلال الأميركي والبعثيين والهيمنة الإسرائيلية، وهذا ما يزعج واشنطن.

الولايات المتحدة تمارس ضغوطا على العراق، لكنها لا تستطيع تغيير هذا الواقع. المالكي يمثل، في هذه المرحلة، خيارا صلبا في مواجهة التحديات التي يمر بها العراق، ولا يحق لواشنطن التدخل في هذا الشأن.

* ولكن إلى أي حد ما زالت إيران قادرة فعليا على ضبط القرار السياسي في بغداد مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات؟

- القرار السياسي في العراق تصنعه الإرادة العراقية. نعم، لإيران تأثير، كما للولايات المتحدة تأثير، لكن الحديث عن سيطرة إيرانية على القرار السياسي في بغداد غير دقيق، هناك نفوذ معنوي وثقافي، لا نفوذ سياسي مباشر.

font change

مقالات ذات صلة