الصراع في القرن الأفريقي... الدولة في مواجهة الفوضى

تعتبر منطقة البحر الأحمر ساحة للتنافس الدولي المحموم، حيث تتداخل مصالح القوى الكبرى مع طموحات القوى الإقليمية

Pete Reynolds
Pete Reynolds

الصراع في القرن الأفريقي... الدولة في مواجهة الفوضى

يمثل البحر الأحمر في اللحظة الراهنة أكثر من مجرد ممر مائي حيوي للتجارة العالمية. إنه المنطقة الاستراتيجية التي تشكل نقطة الارتكاز لصياغة النظام الإقليمي الجديد. ومن منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن قراءة التفاعلات الجارية في هذه المنطقة بوصفها صراعاً بين منطقين متناقضين: منطق الدولة الوطنية الساعية للاستقرار والنمو، ومنطق الفواعل من غير الدولة التي تقتات على هشاشة المؤسسات وتفكك الهويات الوطنية.

وفي هذا الفضاء الجيوسياسي الممتد من باب المندب إلى سواحل القرن الأفريقي، يبرز الدور السعودي كقوة إقليمية تتبنى خيار الدولة بوصفه الحل الوحيد والمستدام للأزمات المتفجرة في اليمن والسودان والصومال.

تعتبر منطقة البحر الأحمر ساحة للتنافس الدولي المحموم، حيث تتداخل مصالح القوى الكبرى مع طموحات القوى الإقليمية، مما خلق حالة من السيولة الأمنية التي تهدد الملاحة الدولية وتماسك المجتمعات المطلة على هذا الممر.

الفراغ المؤسسي ليس شأنا داخليا، فقد استدعى استقطاب القوى الدولية للتدخل، تارة لتأمين مصالحها الحيوية، وتارة أخرى لمحاولة ردم الفجوات الأمنية التي خلفتها الدولة الهشة

إن الإشكالية الجوهرية التي يواجهها القرن الأفريقي وجنوب شبه الجزيرة العربية ليست سياسية فحسب، بل هي أزمة بنيوية تتعلق بقدرة الدولة المركزية على احتكار أدوات القوة وممارسة السيادة الفعلية. وهنا تبرز الرؤية الاستراتيجية السعودية التي تدرك أن أمنها القومي مرتبط عضوياً باستعادة هيبة الدولة في جوارها الجغرافي، وهو ما يتطلب تفكيك بنى الميليشيات وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية المتفق عليها.

Pete Reynolds

سوسيولوجيا الفراغ وتحدي الفواعل العنيفة

لا يمكن فهم التنافس الدولي المحتدم في منطقة البحر الأحمر بمعزل عن مفهوم ماكس فيبر للدولة، بوصفها الكيان الذي يحتكر حق ممارسة العنف المشروع. ففي نماذج الدول غير المستقرة في هذه المنطقة، وتحديداً في اليمن والسودان والصومال، نجد أن هذا الاحتكار قد تعرض للاهتزاز أو الانهيار الكامل، مما أفسح المجال لبروز كيانات موازية للدولة تمارس أدواراً سياسية وعسكرية وسيادية خارج الأطر الشرعية والمؤسسية. هذا الفراغ المؤسسي لم يكن مجرد شأن داخلي، بل استدعى استقطاب القوى الدولية للتدخل، تارة لتأمين مصالحها الحيوية، وتارة أخرى لمحاولة ردم الفجوات الأمنية التي خلفتها الدولة الهشة.

يمثل دعم خيار الدولة في اليمن استثماراً استراتيجياً في أمن التجارة العالمية، وحائط صد يمنع تحول جنوب شبه الجزيرة العربية إلى بؤرة مستديمة للفشل المؤسسي والفوضى التي تتغذى عليها القوى العابرة للحدود

بيد أن التحدي الأبرز يكمن في وجود مقاربات إقليمية متباينة في التعامل مع هذا الفراغ. فبينما قد تتبنى بعض القوى مقاربات برغماتية تميل لدعم فواعل عسكرية أو سياسية من دون الدولة لتعزيز نفوذها اللوجستي أو الجيوسياسي، تصر الرياض على أن الاستقرار لا يُبنى إلا من خلال تمكين المركز. كما أن مكمن الخطر في دعم الهويات الفرعية أو الميليشيات يكمن في خلق بيئة من التشظي الهوياتي تمنع الوصول إلى استقرار هيكلي يمهد الطريق للتنمية، وتجعل من القوى المحلية مجرد أدوات ضمن رقعة شطرنج دولية أوسع.

اليمن واختبار الهوية الوطنية الجامعة

في المشهد اليمني الراهن، تبرز معضلة مؤسسية تتجاوز في أبعادها الصراع مع الانقلاب الحوثي. إذ يبرز التحدي الأكثر إلحاحاً اليوم في ضرورة الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة ضمن إطار التوافق الوطني الذي تجسده القنوات الشرعية المعترف بها. إن تنامي النزعات الانفصالية في الجنوب، حينما تجنح خارج سياق الإجماع الوطني والمواثيق التي أقرتها مؤسسات الدولة العليا مثل مجلس القيادة الرئاسي، يشكل تهديداً بنيوياً لمشروع استعادة الدولة الذي تضطلع السعودية بدعمه كخيار استراتيجي وحيد.

إن المقاربة السعودية في اليمن ترتكز بصورة جوهرية على تمكين مجلس القيادة الرئاسي بوصفه المظلة الشرعية الجامعة لمختلف الأطياف السياسية، بهدف صياغة جبهة وطنية موحدة تمتلك الأهلية القانونية والسياسية لفرض السيادة واستعادة المؤسسات الخدمية. ومن هذا المنطلق، فإن أي تحرك أحادي يرمي إلى فرض واقع انفصالي خارج الأطر التوافقية، لا يسهم إلا في تآكل الموقف الوطني الإجمالي، ويمنح القوى المناهضة للدولة، بمختلف توجهاتها وارتباطاتها الخارجية، فرصة سانحة لتعميق حالة السيولة الأمنية.

أ ب
سياسيون يمنيون من المجلس الانتقالي الجنوبي خلال اجتماع حول مستقبل جنوب اليمن في الرياض، المملكة العربية السعودية، يوم الأحد 18 يناير 2026

ويبرز الدور السعودي هنا كموازن استراتيجي يشدد على ضرورة عبور أي مطالب سياسية، بما فيها القضية الجنوبية، عبر القنوات المؤسسية والشرعية، لضمان حماية اليمن من التحول إلى كانتونات متصارعة تزيد من حدة الاضطراب الجيوسياسي في حوض البحر الأحمر.

إن استقرار اليمن يظل مشروطاً بقدرة مؤسساته على العمل ككتلة صلبة وموحدة، إذ إن تفتيت الجغرافيا اليمنية إلى دويلات صغيرة ومضطربة سيجعل من أمن الملاحة في مضيق باب المندب رهينة لتجاذبات قوى محلية تفتقر إلى الأهلية الدولية والقدرة العسكرية لحماية ممر مائي بهذا الثقل العالمي.

من هنا، يمثل دعم خيار الدولة في اليمن استثماراً استراتيجياً في أمن التجارة العالمية، وحائط صد يمنع تحول جنوب شبه الجزيرة العربية إلى بؤرة مستديمة للفشل المؤسسي والفوضى التي تتغذى عليها القوى العابرة للحدود.

السودان والبحث عن المركزية المفقودة

في السودان، يتخذ الصراع الراهن طابعاً وجودياً يتجاوز أبعاد التنافس التقليدي على السلطة، ليتحول إلى صدام بنيوي يهدد بتفكيك المؤسسة العسكرية التي تمثل العمود الفقري لكيان الدولة السودانية. إن المواجهة الدائرة بين القوات المسلحة و"قوات الدعم السريع" تمثل تجلياً صارخاً لأزمة ازدواجية السلطة. حيث يتصارع منطق الدولة المؤسسية مع منطق القوى الموازية التي تعتمد على الولاءات الفئوية والموارد المستقلة.

خيار الدولة في السودان ضرورة استراتيجية قصوى. فالبحر الأحمر لا يمكن أن يدار كبحيرة استقرار في ظل بيئة تعاني من التفتت المؤسسي والتشظي العرقي على ضفته المقابلة

ومن منظور سوسيولوجيا السلطة، فإن وجود قوة عسكرية موازية خارج إطار الضبط المؤسسي يمثل التحدي الأكبر لمبدأ السيادة، وهو ما تدركه الرؤية السعودية التي ترى في الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية الوطنية الضمانة الوحيدة للحيلولة دون تحول السودان إلى ساحة مفتوحة لأمراء الحرب. وذلك خلافاً لبعض التوجهات الإقليمية التي قد لا تجد حرجاً في التعامل مع قوى موازية، مما يطيل أمد الحرب ويفاقم مأساة التفتت العرقي.

بيد أن المأساة السودانية لا تتوقف عند حدود المواجهة العسكرية، بل تمتد لتشمل تحللاً عميقاً في النسيج الاجتماعي، تجسد في أبشع صوره عبر المجازر العرقية وعمليات التطهير التي شهدتها مناطق واسعة، لا سيما في دارفور.

إن تحول العنف من صراع سياسي إلى استهداف على الهوية يمثل المرحلة الأخيرة من مراحل الانهيار المؤسسي، حيث تسقط الهوية الوطنية الجامعة وتبرز الهويات الفرعية كبديل عن الدولة. هذه الفظائع ليست مجرد جرائم ضد الإنسانية، بل هي مؤشر واضح على تفتت المجتمع، مما يجعل من إعادة بناء الدولة في مرحلة ما بعد الحرب مهمة شاقة تتطلب استعادة مفهوم المواطنة تحت سقف مؤسساتي قوي.

وهنا يبرز الهاجس الأبرز للمنطقة. إذ إن استقرار السودان هو حجر الزاوية لأمن الضفة الغربية للبحر الأحمر. فغياب الدولة المركزية القوية في الخرطوم، القادرة على احتكار السلطة، يعني بالضرورة تحول الساحل السوداني الممتد لأكثر من ثمانمئة كيلومتر إلى ثغرة أمنية مكشوفة تستغلها القوى المنافسة والجماعات العابرة للحدود.

أ.ف.ب
ميناء بورتسودان في 23 مايو 2023

 علاوة على ذلك، فإن السيولة الأمنية في السودان والمجازر العرقية تؤدي إلى موجات نزوح كبرى تتجه حتماً نحو الممرات المائية، مما يضع أعباء أمنية وإنسانية هائلة على دول الجوار وعلى رأسها السعودية، التي تقود مشاريع تنموية كبرى على ضفتها الشرقية ضمن "رؤية 2030". إن تأمين الضفة الغربية للبحر الأحمر ليس مجرد تحرك دبلوماسي، بل هو ضرورة حتمية لضمان استدامة المشاريع السياحية واللوجستية العالمية في "نيوم" و"مشروع البحر الأحمر". إذ لا يمكن جذب الاستثمار العالمي الملياري إلى سواحل تطل على مناطق تعاني من الفوضى المؤسسية وانهيار الأمن البحري.

 إن الموقف السعودي في السودان، والذي تجسد في منبر جدة، ينطلق من إدراك عميق بأن أمن البحر الأحمر لا يمكن تجزئته. فسلامة الملاحة وحماية المشاريع العملاقة على الساحل السعودي ترتبطان عضوياً بوجود دولة سودانية متماسكة تمتلك السيادة الفعلية على موانئها وسواحلها.

 من هنا، يبرز خيار الدولة في السودان كضرورة استراتيجية قصوى. فالبحر الأحمر لا يمكن أن يدار كبحيرة استقرار في ظل بيئة تعاني من التفتت المؤسسي والتشظي العرقي على ضفته المقابلة.

الصومال وتعزيز السيادة في بيئة مضطربة

يمثل الصومال نموذجا آخر للدولة التي تسعى لاستعادة سيادتها في بيئة إقليمية مشحونة بالأطماع الجيوسياسية والتجاذبات الدولية. ويهدف الدعم السعودي للحكومة الفيدرالية في مقديشو بالدرجة الأولى إلى تمكين مؤسسات الدولة من ممارسة وظائفها السيادية، وبسط سلطتها على كامل التراب الوطني، ومكافحة الجماعات المتطرفة التي تقتات على ضعف المركز.

المبادرة السعودية بتأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن إطار مؤسسي يتجاوز إدارة الأزمات التقليدية إلى مفهوم نقل إدارة الأمن الإقليمي من يد القوى الكبرى إلى يد الدول صاحبة السيادة

إن التحدي الأكبر في الصومال يكمن اليوم في محاولات بعض القوى الإقليمية استغلال الهشاشة المؤسسية لعقد اتفاقات أحادية مع أقاليم انفصالية، مما يؤدي بالضرورة إلى إضعاف السلطة المركزية وتقويض جهود الوحدة الوطنية. إن الركون إلى مثل هذه المقاربات البرغماتية التكتيكية التي تضعف المركز الصومالي يمثل لغماً جيوسياسياً يهدد استقرار الإقليم برمته. فالرهان على الكيانات الهشة لخدمة مصالح آنية لا ينتج إلا مزيداً من السيولة الأمنية التي تفتح الباب مجدداً لعودة التهديدات الأمنية التي عانى منها الممر المائي لسنوات طويلة.

من منظور الأمن البحري، يرتبط استقرار الصومال عضوياً بسلامة الملاحة في خليج عدن والمحيط الهندي. إذ إن الذاكرة الدولية لا تزال تستحضر حقبة نشاط العصابات المسلحة والقرصنة التي كانت تهاجم السفن التجارية وتزعزع ثقة النظام التجاري العالمي. تلك الظاهرة لم تكن في جوهرها إلا نتيجة مباشرة لانهيار مؤسسات الدولة وغياب سلطة القانون، حيث استغلت "قوى الّلا دولة" (non-state actors) الفراغ المؤسسي لتحويل السواحل الصومالية الشاسعة إلى منطلقات لتهديد الملاحة الدولية. لذا، فإن السياسة السعودية تدرك أن الحل المستدام لتأمين الممرات المائية لا يقتصر على الدوريات البحرية الدولية، بل يمر حتماً عبر تقوية الدولة الصومالية لتكون قادرة على مراقبة مياهها الإقليمية وفرض هيبتها، مما يحول دون عودة تلك العصابات للعمل تحت غطاء السيولة الأمنية.

رويترز
سفينة راسية في ميناء بربرة، الصومال في 17 مايو 2015

وفي هذا السياق، جاءت التحركات الدبلوماسية الأخيرة كترجمة ميدانية لهذا الانحياز السعودي لخيار الدولة والوحدة الترابية. إن مشاركة السفير السعودي في مقديشو في حفل تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال في مدينة لاسعانود، إلى جانب سفراء تركيا والسودان، تحمل دلالة استراتيجية عميقة في اللحظة الراهنة. فهذا الحضور في مدينة كانت تمثل بؤرة تجاذب مع الإدارة الانفصالية في هرجيسا، يعكس دعماً صريحاً للعملية السياسية التي تقودها الحكومة الفيدرالية لتعزيز بناء الدولة تحت مظلة الوحدة الصومالية. وهي رسالة واضحة مفادها أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر تفتيت الكيانات الوطنية أو الاعتراف بالنزعات الانفصالية، بل عبر دعم القنوات الشرعية التي تضمن السيادة الكاملة للدولة على أراضيها وسواحلها.

إن تقوية الدولة الصومالية هي الضمانة الاستراتيجية لمنع تحول القرن الأفريقي إلى ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة، وهو ما ينسجم مع الرؤية السعودية الشاملة التي تعتبر أمن البحر الأحمر وحدة لا تتجزأ. فبناء صومال موحد وقوي هو حجر زاوية في منظومة الأمن الجماعي التي تسعى المملكة لترسيخها، لضمان تحول المنطقة من بؤرة للتوترات والقرصنة إلى فضاء للتكامل الاقتصادي والازدهار المشترك، بما يخدم المصالح الحيوية للدول المطلة على هذا الممر ومن خلفها التجارة العالمية برمتها.

التنافس الدولي وإطار العمل المؤسسي المشترك

إن تزايد الوجود العسكري الأجنبي في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي، سواء عبر تكدس القواعد العسكرية أو تكثيف الدوريات البحرية، لا يعكس فقط الأهمية اللوجستية لهذا الممر، بل يعبر عن حالة من عدم اليقين تجاه قدرة دول المنطقة على حماية أمنها وسيادتها بشكل منفرد. وعليه، فإن هذا الوجود المكثف يهدد بتحويل الفضاء السيادي للدول المطلة إلى ساحات احتكاك دولي، مما يزيد من هشاشة المؤسسات المحلية أمام الأجندات العابرة للحدود.

وفي هذا السياق المعقد، جاءت المبادرة السعودية بتأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن كإطار مؤسسي يتجاوز إدارة الأزمات التقليدية إلى مفهوم نقل إدارة الأمن الإقليمي من يد القوى الكبرى إلى يد الدول صاحبة السيادة.

الرهان على خيار الدولة ليس مجرد انحياز قانوني للنظام الدولي، بل هو ضرورة إنسانية وأمنية لضمان أن لا تتحول سواحل المنطقة إلى ملاذات للجماعات المتطرفة أو مسارح لتصفية الحسابات الدولية بالوكالة

تمثل هذه المبادرة ذروة تطبيق خيار الدولة على المستوى الإقليمي، فهي تسعى بوضوح لتحويل البحر الأحمر من ساحة تنافس عسكري واستقطاب دولي إلى منطقة تكامل اقتصادي وأمني تديرها دول سيادية فاعلة تستند في شرعيتها على التوافق الوطني بين أبناء شعوبها. إن نجاح هذا المجلس يعتمد بالأساس على تماسك الدول الأعضاء، وتحديداً تلك التي تعاني من سيولة أمنية مثل اليمن والسودان والصومال. فمن دون مؤسسات وطنية قوية في هذه المواقع، سيظل الممر المائي عرضة للتدخلات الخارجية التي تستثمر عادة في الضعف البنيوي للدول الهشة لتبرير وجودها الدائم.

لقد تجلت هذه الفلسفة المؤسسية في التحركات الدبلوماسية الأخيرة مطلع عام 2026، حيث برز تنسيق إقليمي لافت يهدف لترسيخ سلطة الدولة في مواجهة مشاريع التفتيت والاعترافات الانفصالية غير القانونية. لذلك، فإن مشاركة سفراء الرياض وأنقرة والخرطوم في حفل تنصيب ولاية شمال شرق الصومال بمدينة لاسعانود تمثل دليلاً ميدانياً على الالتزام بسلامة الأراضي الصومالية وتقوية المؤسسات الشرعية.

ماذا بعد؟

يظهر جلياً أن التحديات الجيوسياسية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز الحلول الأمنية المؤقتة لتلامس جذور الأزمة البنيوية المتمثلة في ضعف مؤسسات الدولة في ثلاث دول مطلة على حوض البحر الأحمر مما يؤثر على الأمن القومي لبقية دول المنطقة، وسلامة الملاحة الدولية في هذا الممر المائي الحساس جدا. إن المقاربة السعودية، القائمة على دعم التوافق الوطني في اليمن، والحفاظ على الهيكل المؤسسي في السودان، وتعزيز السيادة الفيدرالية في الصومال، تمثل المسار العقلاني الوحيد لتحويل هذا الممر المائي إلى بيئة آمنة ومستقرة.

أ.ف.ب
جندي إماراتي يُراقب من طائرة عسكرية سفينة تعبر مضيق باب المندب الاستراتيجي، الذي يفصل شبه الجزيرة العربية عن شرق أفريقيا، في 10 أغسطس 2018

إن الرهان على خيار الدولة ليس مجرد انحياز قانوني للنظام الدولي أو تفضيل لشريك سياسي على آخر، بل هو ضرورة إنسانية وأمنية لضمان أن لا تتحول سواحل المنطقة إلى ملاذات للجماعات المتطرفة أو مسارح لتصفية الحسابات الدولية بالوكالة. وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، يظل استقرار دول الجوار  ركيزة أساسية لاكتمال مشاريع التنمية الكبرى على الضفة الشرقية للبحر الأحمر.

 إن بناء نظام إقليمي متماسك تحت مظلة مجلس الدول المطلة يظل هو الضمانة الأكيدة لحماية الملاحة الدولية وتحقيق الازدهار المشترك، بعيداً عن صراعات النفوذ التي لا تنتج إلا مزيداً من التشظي والارتهان للخارج.

font change