ليبيا... فرص الحوار الأممي في غياب الإلزام بتوصياته

رغم تراجع الصراع، هناك تباين واضح في مواقف القوى الاقليمية من ليبيا

رويترز
رويترز
ليبيون يرفعون علم بلدهم احتفالاً بالذكرى السنوية الأولى للانتفاضة التي أطاحت بمعمر القذافي، في أحد شوارع بنغازي في 17 فبراير 2012

ليبيا... فرص الحوار الأممي في غياب الإلزام بتوصياته

تسعى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لإنجاح الحوار المُهيكل، الذي أطلقته في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، بعد سنوات من الفشل في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كانت مقررة نهاية عام 2021.

وتقول البعثة الأممية في ليبيا إن الحوار المهيكل يُعد أحد المكونات الأساسية لخارطة الطريق السياسية التي وضعتها لدعم الليبيين في سعيهم لمعالجة الإشكالات المعقدة والسعي نحو الاستقرار والازدهار.

و"الحوار المُهيكل" وفقا لما تقدمه البعثة الأممية، هو جزء من خارطة الطريق التي تتمثل فى اعتماد إطار انتخابي فني سليم وقابل للتنفيذ سياسيا لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، والعمل على توحيد المؤسسات من خلال حكومة موحدة جديدة، تنهي حالة الانقسام السياسي التي تشهدها البلاد منذ سنوات. وتضيف البعثة الأممية أن الحوار المُهيكل الذي يضم قرابة 120 شخصا، يسعى إلى توفير منصة لمختلف مكونات المجتمع الليبي لدراسة ومعالجة القضايا الأساسية في عدة مجالات: الحوكمة، الاقتصاد، الأمن، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، والمساهمة في صياغة توصيات سياسات عامة وبناء توافق حول رؤية مشتركة لمعالجة مسببات الصراع طويلة الأمد.

من جهة أخرى يظل "الحوار المُهيكل"، منصة للحوار، ولكنه يقدم توصيات غير مُلزمة للأطراف الليبية، حيث قال النائب الثاني لرئيس المجلس الأعلى للدولة موسى فرج عشية انطلاق الحوار في تصريحات صحافية، إن البعثة الأممية هي من اختارت ممثلي مجلسي النواب والدولة في الحوار المهيكل، وأن مخرجات الحوار ستكون توصيات غير ملزمة وليست قرارات.

رغم تراجع حدة الصراع بين الدول الفاعلة في الشرق الأوسط، مثلما حدث مع تركيا ومصر، فإن هناك تباينا واضحا في مواقفها بشأن ليبيا

وبحسب ما أعلنته المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، فإن الحوار سيستمر لمدة تتراوح بين أربعة وستة أشهر، مؤكدة أن البعثة تسعى لأن تكون منبراً شاملاً لإيصال مختلف الآراء داخل ليبيا.

جهود البعثة الأممية ورئيستها، تصطدم بواقع سياسي وأمني ليبي متشظٍ، وواقع إقليمي ودولي لم يتفق على أولوياته في ليبيا.

داخليا، تتصارع حكومتان، واحدة في غرب ليبيا، وتحظى باعتراف دولي، يرأسها عبد الحميد الدبيبة، وتسمى حكومة الوحدة الوطنية، وجاءت ضمن مخرجات اتفاق تونس-جنيف، ويقف في صفها المجلس الأعلى للدولة، الذي كان سابقا يسمى المؤتمر الوطني العام، والأخرى في شرق ليبيا، ويرأسها أسامة حمّاد، ويدعمها مجلس النواب الليبي الذي سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية، ومنح ثقته للحكومة الليبية، التي لا تحظى باعتراف دولي.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد دبيبة خلال اليوم الافتتاحي لقمة ليبيا للطاقة والاقتصاد في مركز طرابلس الدولي للمؤتمرات في طرابلس بتاريخ 24 يناير 2026

إقليميا، ورغم تراجع حدة الصراع بين الدول الفاعلة في الشرق الأوسط، مثلما حدث مع تركيا ومصر، فإن هناك تباينا واضحا في مواقفها بشأن ليبيا، حيث تتمسك مصر بدعم قوات الجيش الوطني في شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر، وتؤكد تمسكها بوحدة ليبيا، فيما تستمر تركيا في دعم حكومة الوحدة في غرب ليبيا، وتواصل وجودها العسكري في بعض القواعد العسكرية، ضمن اتفاقية التعاون والتدريب وترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، التي وقعتها تركيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 مع حكومة الوفاق السابقة، والتي جاءت كرد فعل على الهجوم الذي شنته قوات المشير خليفة حفتر على العاصمة الليبية في أبريل/نيسان 2019، بدعم من شركة "فاغنر" الروسية.

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سدة الحكم في يناير 2025، بدأ كبير مستشاريه للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس تحركات لجمع الفرقاء الليبيين

ولا يزال أيضا عدم التوافق بين مصر وتركيا على ملف ترسيم الحدود البحرية بينهما في شرق البحر الأبيض المتوسط، من أبرز الملفات الخلافية، التي تلقي بظلالها على الملف الليبي، حيث تجد الأطراف الليبية نفسها في حرج، من اتخاذ مواقف تتعارض مع مواقف حلفائها الإقليميين في هذا الملف، حيث تسعى مؤسسة النفط الليبية إلى الاستفادة من الفرص الاستثمارية في هذه المنطقة التي تعد غنية بالغاز الطبيعي.

دوليا، منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سدة الحكم في يناير/كانون الثاني 2025، بدأ كبير مستشاريه للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس تحركات لجمع الفرقاء الليبيين، وتوجت هذه المحاولات، بتنسيقه لقاء بين مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة الوحدة الليبية وابن عمه إبراهيم الدبيبة، ونائب قائد الجيش الوطني في شرق ليبيا ونجل الفريق صدام حفتر في العاصمة الإيطالية روما خلال شهر سبتمبر/أيلول من العام الماضي، ضمن جهد أميركي لتوحيد الحكومتين في شرق ليبيا وغربها.

غيتي
منصة للنفط والغاز قبالة سواحل ليبيا في البحر الأبيض المتوسط في منطقة حقل غاز بحر السلام وحقل بوري النفطي، 25 فبراير 2022

وتسعى الولايات المتحدة لتوحيد القوات العسكرية في ليبيا، حيث أعلن قائد قوات القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال داغفين أندرسون، أن مناورات "فلينتلوك 2026" ستجرى في مدينة سرت بمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها، في خطوة تجسد التزام الولايات المتحدة بالتعاون العملي مع ليبيا، وتؤكد التزام بلاده بالعمل مع القوات المسلحة في جميع أنحاء البلاد ودمجها معاً في قوة واحدة.

وضمن الاهتمام الأميركي بليبيا، وقعت شركة "كونوكو-فيليبس" الأميركية اتفاقا مع مؤسسة النفط الليبية وشركة "توتال" الفرنسية لتطوير إنتاج النفط في ليبيا، بقيمة استثمارية تصل إلى 20 مليار دولار خلال السنوات القادمة، بحضور كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وهو ما يزيد من إمكانية أن تلعب الولايات المتحدة أدوارا أكبر في ليبيا، ضمن اهتمامها باستقرار وازدهار ليبيا كجزء من تسوية الملفات العالقة في المنطقة، مع وعود بأن تدخل شركات أميركية أخرى للسوق الليبية، لتشارك في تطوير البنية التحتية لقطاع النفط، والقطاعات الأخرى ذات التأثير المباشر على هذا القطاع.

طريقة إدارة البعثة الأممية في ليبيا للحوار الحالي، اصطدمت أولا بالصراع "الأزلي" بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة

وإذا ما أجرينا مقارنة بين الحوار المُهيكل والحوار الذي رعته البعثة الأممية في تونس وجنيف عام 2020-2021، فإننا سنجد أن الأخير، كان حوارا ملزما لكل الأطراف الليبية والإقليمية والدولية، وكان هناك مسار واضح له، بدأ أولا بتثبيت وقف إطلاق النار، وضمان عدم استمراره، ثم الذهاب نحو التوافق على حكومة وحدة وطنية، وتحديد موعد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ديسمبر/كانون الأول 2021، هذا الحوار الليبي برعاية أممية، لم يكن لينجح، دون وجود دعم دولي وإقليمي، تمثل في مؤتمر برلين يناير/كانون الثاني عام 2020، انتهى بدعم الحوار الوطني الليبي برعاية أممية.

مسار برلين الذي قاده كل من المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة ونائبته ستيفاني وليامز، نجح في تحقيق وقف إطلاق النار، وتشكيل حكومة موحدة، لكنه أخفق في دفع الأطراف الليبية لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بسبب ما وصفته مفوضية الانتخابات الليبية بأنها القوة القاهرة، متمثلة في قوانين انتخابية غير قابلة للتطبيق من قبلها.

الأهم من ذلك، أن الحوار السياسي في تونس-جنيف، كان ملزما لكل الأطراف الليبية، وتجاوبت معه بكل إيجابية في البداية، رغم الانتكاسات التي واجهت هذا الحوار بعد تشكيل حكومة الوحدة الليبية، وتواصل الصراع بين مجلس النواب في شرق ليبيا والمجلس الأعلى للدولة في غربها، واستمرار الضغوط من المجموعات المسلحة على السياسيين، لعدم إنجاز أي تقدم في ملف الانتخابات إذا لم تضمن وجود من يمثلهم في السلطة الجديدة للحفاظ على مصالحهم، وتحقيق مكاسب جديدة في المستقبل.

رويترز
أفراد من الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر قبل التوجه من بنغازي لتعزيز القوات المتقدمة نحو طرابلس، في بنغازي، ليبيا، 13 أبريل 2019

المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة أشار في غير مناسبة، إلى أن الصراع الدائر في ليبيا، هو بالأساس صراع على الموارد والنفوذ، وهو سعي محموم من كل الأطراف لتحقيق مكاسب مادية كبيرة في أقصر فترة ممكنة، واصفا ما يحدث في ليبيا بأنه أمر تجاوز حد الفساد، ليصفه بأنه "هدر" غير مسبوق للمال العام.

إن طريقة إدارة البعثة الأممية في ليبيا للحوار الحالي، اصطدمت أولا بالصراع "الأزلي" بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، فهي طالبت المجلسين، باستكمال أعضاء مجلس إدارة مفوضية الانتخابات الليبية، ولكن المجلس الأعلى للدولة قام بانتخاب رئيس جديد للمفوضية، وثلاثة أعضاء آخرين، وفق تفسير المجلس لاتفاق سابق مع مجلس النواب في مدينة أبوزنيقة المغربية بشأن المناصب السيادية في ليبيا، وهذا أمر رفضه مجلس النواب، وأكد دعمه لمجلس إدارة المفوضية الحالي.

وهذا الأمر أصبح مألوفا في السياسة الليبية، حيث يقوم طرف بالاعتراض على أي قرار يتخذه الطرف الآخر، حتى وإن كان بينهما اتفاق مسبق على التعاون والتوافق، لكن بريق السلطة، يجعل مغادرتها أمرا شبه مستحيل بالنسبة للأطراف السياسية.

ليبيا التي تتطلع إلى الذكرى السنوية الخامسة عشرة لبدء الانتفاضة الشعبية للإطاحة بنظام الرئيس الراحل معمر القذافي، بعد تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تنتظر دورا أكبر من المجتمع الدولي

أما عسكريا، فإن القيادات الأمنية والعسكرية تتمسك بمناصبها، وتستغل دائما الصراع السياسي، وسعي السياسيين للبقاء في مناصبهم، للحصول على "الشرعية" والغطاء المالي والسياسي لأي خطوات تتخذها على الأرض، وهذا ما شهدته البلاد طوال السنوات الماضية.

أي مبادرة أممية للحل السياسي في ليبيا، يتوجب أولا أن تحظى بدعم إقليمي ودولي واضحين، وثانيا إلزامية أي نتائج لهذه المبادرة على كل الأطراف الليبية، وثالثا دعم مسار ديمقراطي شامل، يحترم التداول السلمي على السلطة، ويتميز بمحاربة الفساد، والعمل على ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وتنسيق خروج القوات الأجنبية والمرتزقة من البلاد تحت إشراف أممي.

ولكن المحاولات الجارية من البعثة الأممية الآن، لا تتعدى كونها، مجرد أداء للفروض المنزلية، حتى تبرر وجودها أمام مجلس الأمن الدولي المنقسم في داخل أعضائه الدائمين على شكل الحل الأمثل في ليبيا، وبالتالي تعمل البعثة الأممية على إدارة الأزمة الليبية وليس إيجاد حل دائم لها.

ليبيا التي تتطلع إلى الذكرى السنوية الخامسة عشرة لبدء الانتفاضة الشعبية للإطاحة بنظام الرئيس الراحل معمر القذافي، بعد تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تنتظر دورا أكبر من المجتمع الدولي، لأنه كان صاحب الكلمة الفصل في تغيير النظام بمساعدة الليبيين الذين ثاروا ضد النظام الديكتاتوري الحاكم لأكثر من 40 عاما، وبذلك فإن مستقبل ليبيا كما سيتحدد بشكل كبير عبر مآلات المواقف الدولية والإقليمية بشأن توزيع النفوذ بينها، ومدى سرعة حل قضايا دولية أخرى أكثر التهاباً من الملف الليبي.

font change

مقالات ذات صلة