هل يغيّر التدخل الأميركي موقع فنزويلا داخل منظمة "أوبك"؟

من المرجح أن يبقى دورها المؤسسي أكثر منه التشغيلي على المدى المنظور

"المجلة"
"المجلة"

هل يغيّر التدخل الأميركي موقع فنزويلا داخل منظمة "أوبك"؟

ترتبط فنزويلا بعلاقة عميقة الجذور مع منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). فمنذ تأسيس المنظمة في بغداد في سبتمبر/أيلول 1960، وقفت فنزويلا إلى جانب السعودية وإيران والعراق والكويت بوصفها واحدة من أعضائها الخمسة المؤسسين. وكانت الدولة الوحيدة من أميركا اللاتينية إلى الطاولة. وظلت لعقود طويلة العضو غير العربي الوحيد، مانحة المنظمة بعدا عالميا مبكرا يتجاوز حدود الشرق الأوسط.

ترسخ نظام الحوكمة النفطية الحديث في فنزويلا مع إنشاء شركة "بتروليوس دي فنزويلا" (PDVSA) عام 1976، عقب تأميم صناعة النفط الوطنية. فقد أنشئت الشركة بوصفها كيانا مملوكا للدولة يتولى إدارة الموارد الهيدروكربونية، والإشراف على الإنتاج والصادرات، وتمثيل المصالح الوطنية في أسواق الطاقة العالمية.

وعلى مدى سنوات طويلة، أدت "شركة بتروليوس دي فنزويلا" دور واحدة من أكثر الشركات الوطنية قدرة تقنية في العالم، إذ جمعت بين الملكية الحكومية والإدارة المهنية، وعززت شراكات تشغيلية وثيقة مع شركات النفط الدولية.

لم يكن تراجع الدور الفنزويلي داخل "أوبك" نتاج العقوبات، بل نتيجة مسار بنيوي بدأ قبلها بسنوات

وقد أتاح هذا الإطار المؤسسي لفنزويلا الحفاظ على مستويات إنتاج مرتفعة، والاندماج بفاعلية في الأسواق العالمية، والاضطلاع بدور مؤثر داخل "أوبك" حتى أوائل العقد الأول من الألفية.

كيف تشكّل النفوذ الفنزويلي في "أوبك"

منذ البداية، تشكل دور فنزويلا داخل "أوبك" عبر عاملين: حجم الإنتاج والاستراتيجيا. فبفضل طاقتها الإنتاجية الكبيرة وقطاعها النفطي المتقدم، أسهمت فنزويلا في صوغ التفكير المبكر حول تنسيق سياسات المنتجين، واستقرار الأسواق، والموازنة بين ملكية الموارد السيادية واحتياجات الإمداد العالمي. وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تجاوز الإنتاج الفنزويلي في كثير من الأحيان ثلاثة ملايين برميل يوميا، وبلغ في أواخر التسعينيات ذروته التاريخية عند نحو 3.4 إلى 3.5 ملايين برميل يوميا، مما جعلها من المنتجين الكبار في المنظمة وصاحبة صوت اساس في تنسيق مستويات الإنتاج.

أ.ف.ب.

غير أن التحديات البنيوية التي تراكمت بعد العقد الأول من الألفية، بدأت تثقل كاهل القطاع. أدى ذلك إلى انخفاض الإنتاج إلى أقل من مليوني برميل يوميا خلال العقد الثاني من القرن الحالي، قبل أن يتراجع أكثر بفعل التدهور التشغيلي والعقوبات. وقد شكّل هذا المسار التاريخي أساس النفوذ المبكر لفنزويلا داخل "أوبك"، ويفسر كيف انسجم دورها يوما مع إدارة السوق الجماعية، حتى مع تراجع تأثيرها العملي في السنوات الأخيرة.

كان دور فنزويلا يستند إلى بنية مؤسسية فاعلة. فقد عملت شركة "بتروليوس دي فنزويلا" كواحدة من أكثر الشركات الوطنية قدرة تقنية في أميركا اللاتينية، إلى جانب شركات كبرى مثل "بتروبراس" في البرازيل و"بيميكس" في المكسيك. ولم تكن خصوصيتها في تلك المرحلة نابعة من تفرد استثنائي، بل من حجمها الكبير، وعمق اندماجها في الأسواق الدولية، واتساع نطاق عملياتها. فمن خلال شراكاتها مع شركات النفط العالمية، ولا سيما الأميركية منها، استقطبت الشركة رؤوس الأموال والتكنولوجيا والخبرة التشغيلية عبر سلسلة القيمة. ولذلك، لم يكن حضور فنزويلا داخل "أوبك" آنذاك حضورا رمزيا، بل تعبيرا عن قدرة حقيقية على التأثير من خلال حجم الإنتاج، وموثوقية الإمدادات، والانسجام مع سياسات المنظمة.

تفكك القدرة الإنتاجية قبل العقوبات

بدأ ذلك الواقع يتغير قبل وقت طويل من التطورات الجيوسياسية الأخيرة. فقد أخذت التحديات البنيوية المزمنة، من تراجع الاستثمارات وضعف الحوكمة إلى التدهور التشغيلي داخل شركة "بتروليوس دي فنزويلا"، – تنخر تدريجيا في القدرة الإنتاجية لفنزويلا. وجاءت لحظة التحول الحاسمة في عام 2007، حين مضت الحكومة في تأميم ما تبقى من العمليات النفطية الأجنبية، وفرضت على الشركاء الدوليين التنازل عن الحصة الكبرى من الملكية لصالح شركة "بتروليوس دي فنزويلا".

العضوية في "أوبك" لا تمنح النفوذ تلقائيا، فالتأثير تصنعه القدرة الفعلية على الإنتاج والتنفيذ

وقد رفضت شركتا "إكسون موبيل" و"كونوكو فيليبس" الشروط الجديدة وانسحبتا، لتسحب معهما مصادر حيوية من رأس المال والتكنولوجيا والخبرة التشغيلية، التي كانت ركيزة أساسا في الحفاظ على مستويات الإنتاج، خصوصا في "حزام أورينوكو" الشديد التعقيد تقنيا. ومنذ ذلك الحين، دخل الإنتاج النفطي الفنزويلي في مسار تراجع بنيوي طويل لم يُعكس حتى اليوم.

من ثم، جاءت العقوبات الأميركية لتعزز هذه الضغوط، بلا أن تكون هي منشأها. ففي حلول منتصف العقد الثاني من الألفية، كان القطاع النفطي الفنزويلي يعمل أصلًا دون إمكاناته بكثير، بعدما تراكمت آثار نقص الاستثمار والانهيار المؤسسي فوق الخسائر التشغيلية. وبينما ركزت العقوبات الأولى على الأفراد والوصول المالي، جاءت الإجراءات الأكثر تأثيرا في يناير/كانون الثاني 2019، حين مُددت العقوبات لتشمل شركة "بتروليوس دي فنزويلا" والقطاع النفطي مباشرة، مما عطّل تدفقات المدفوعات، وجمّد الأصول، وقيّد بشدة الوصول إلى الأسواق التقليدية.

ودفعت هذه الإجراءات فنزويلا إلى إعادة توجيه صادراتها نحو الصين وعدد محدود من المشترين عبر ترتيبات تجارية غير تقليدية، غالبا ما تضمنت حسومات كبيرة وآليات تسوية معقدة، مما زاد خنق التدفقات النقدية وفرص إعادة الاستثمار.

عضوية بلا طاقة إنتاجية

ومع انهيار الإنتاج تحت وطأة هذه الضغوط المتراكمة، تطور موقع فنزويلا داخل "أوبك" بدوره. فمع أنها بقيت عضوا كاملا في المنظمة واستمرت في حضور الاجتماعات والمشاركة في صنع القرار، لكنها صارت فعليا خارج نطاق حصص الإنتاج الرسمية في "أوبك"، ولاحقا "أوبك بلس". وقد كان هذا الإعفاء خيارا سياسيا بقدر ما كان اعترافا عمليا بأن البلاد تنتج أقل بكثير من أي سقف يمكن أن يُفرض عليها، بفعل العقوبات وتدهور البنية التحتية ونقص رأس المال. وقد شهدت المنظمة ترتيبات مشابهة مع أعضاء آخرين واجهوا ظروفا استثنائية، في إطار نهجها البراغماتي في التعامل مع خسائر الإمدادات غير الطوعية.

وعمليا، عنى ذلك أن فنزويلا احتفظت بمقعدها المؤسسي داخل "أوبك"، لكن دورها تحول من منتج فاعل يسهم في حجم الإمدادات إلى عضو محدود القدرة التشغيلية، وتأثيره هامشي في إدارة المعروض الجماعي. وكان الإعفاء من الحصص مؤشرا الى تراجع الارتباط بالمنظمة ودليلا على مدى الانحدار الذي بلغه القطاع النفطي الفنزويلي، مقارنة بقدراته التاريخية وعلى أن التراجع بنيوي في جوهره، لا سياسي.

مرحلة أميركية جديدة

اليوم، دخل الوضع مرحلة جديدة. فمع إشارة الولايات المتحدة إلى احتمال ممارسة دور رقابي أو إشرافي على مبيعات النفط الفنزويلي، وقول وزير الطاقة الأميركي كريس رايت صراحة في السابع من يناير/كانون الثاني 2026 إنه يجب على واشنطن السيطرة على مبيعات النفط الفنزويلي وعائداته إلى أجل غير مسمى لتحقيق التغييرات المأمولة في كراكاس، تجاوز النقاش مجال العقوبات.

على المدى المنظور، سيظل دور فنزويلا داخل "أوبك" مؤسسيا أكثر منه تشغيليا. فقرارات إدارة الإنتاج الأساس ستبقى بيد الأعضاء الذين يمتلكون القدرة الإنتاجية والحصص الفائضة

وبات يتعلق بالتمثيل المؤسسي والسيادة الوظيفية، ويتجاوز المشهد مجرد عودة إلى الفترات السابقة التي كانت فيها الشركات النفطية الأميركية تعمل تجاريا داخل فنزويلا. وغدا يعكس وضعا قد تصبح فيه سلطة الدولة، لا رأس المال الخاص، هي الجهة التي تحدد كيفية وصول النفط الفنزويلي إلى السوق.

العضوية شيء والنفوذ شيء آخر

تطرح هذه التطورات أمام "أوبك" أسئلة معقدة، وإن كانت قابلة للإدارة. فـ"أوبك" منظمة حكومية دولية تقوم على التنسيق الطوعي بين دول ذات سيادة. ولا يشترط الانضمام إليها أن تتبنى الدول أنظمة سياسية متشابهة، ولا أن تعتمد هياكل تجارية موحدة. ما يهم هو قدرة كل عضو على الإسهام بفاعلية في إدارة الإنتاج الجماعي.

وتشير الخبرة التاريخية إلى أن الاضطرابات السياسية أو القيود الخارجية لا تؤدي تلقائيا إلى الانسحاب. فقد بقي عدد من الأعضاء داخل "أوبك" خلال فترات العقوبات أو النزاعات أو انهيار الإنتاج. وما يتغير في مثل هذه الحالات هو مستوى النفوذ وليس الوضع القانوني. وفنزويلا نفسها ظلت عضوا في "أوبك" طوال سنوات من تراجع الإنتاج وضعف القدرة التشغيلية.

أ.ف.ب.
مصفاة إل باليتو في بويرتو كابيلو، ولاية كارابوبو، فنزويلا، 23 يناير 2026

وتحت أي شكل من أشكال الإشراف الخارجي، ستظل قدرة فنزويلا على التأثير في قرارات "أوبك" محكومة بالواقع العملي. فإنتاج النفط الفائق الثقل يحتاج إلى وقت ورأس مال واستقرار لتطويره. وحتى مع تحسن الوصول إلى الأسواق، فإن استعادة الإنتاج بشكل ملموس سيتطلب سنوات واستثمارات كبيرة. وهذا يحد قدرة فنزويلا على التأثير في قرارات الإمدادات الجماعية في المدى القريب، بغض النظر عمن يدير الصادرات.

الاقرار الأميركي في دور "أوبك"

وهناك أيضا بعد استراتيجي أوسع. فالولايات المتحدة، رغم توترات تاريخية مع "أوبك"، أقرت في محطات مختلفة بدور المنظمة في دعم استقرار السوق خلال فترات الاضطراب. والحفاظ على الموقع الرسمي لفنزويلا داخل "أوبك"، حتى مع تغير ترتيباتها الداخلية، قد يخدم مصالح الاستقرار الأوسع بدلا من أن يقوضها. وعلى المدى المنظور، سيظل دور فنزويلا داخل "أوبك" مؤسسيا أكثر منه تشغيليا. فقرارات إدارة الإنتاج الأساس ستبقى في يد الأعضاء الذين يمتلكون القدرة الإنتاجية والحصص الفائضة والقدرة على التنفيذ. ومع ذلك، فإن مكانة فنزويلا كعضو مؤسس تمنحها وزنا تاريخيا ورمزيا يرسخ حضورها داخل المنظمة، حتى مع تكيف دورها العملي مع واقع جديد.

ولا يمثل هذا الظرف نهاية علاقة فنزويلا بـ"أوبك"، ولا عودة إلى نماذج الماضي. بل يعكس مرحلة انتقالية تختبر قدرة منظمة حكومية دولية، تقوم على السيادة والتعاون، على التكيف حين يواجه أحد مؤسسيها إعادة هيكلة غير مسبوقة في حوكمة قطاعه النفطي. وستحدد الطريقة التي ستدير بها فنزويلا هذا الانتقال مستقبلها هي، فضلا عن مسار تطور "أوبك" في مشهد طاقة عالمي يزداد تعقيدا.

font change