ريبال ملاعب والإقامة في اللون والزمن

الغنائية التجريدية في أبهى صورها

ريبال ملاعب أمام أحد لوحاته

ريبال ملاعب والإقامة في اللون والزمن

أقام الموسيقي والفنان التشكيلي اللبناني ريبال ملاعب معرضا في "صالة صالح بركات" بعنوان "نحو الضوء"، ضم عددا من الأعمال الكبيرة الحجم، يقترب بعضها من الجداريات، استخدم فيها الألوان الزيتية حصريا، موجها نظر المشاهد إلى الأجواء الداخلية للأعمال، بحيث تصبح تجربة التأمل فيها أكثر حضورا من مجرد تتبع تقلبات الزمن في المشاهد الطبيعية.

للوهلة الأولى، يبدو للناظر الى لوحات الفنان التي "اجتاحت" الصالة الفنية، أنه يعيد رسم المشهد ذاته مرارا، مكتفيا بفوارق دقيقة بالكاد تلحظ. غير أن هذا الانطباع السريع لا يلبث أن يتلاشى، ليحل مكانه شعور بالغمر، يعقبه حتما الانغماس في متاهات الضوء وتحولاته اللونية في أدنى درجاتها.

في البدء كان الضوء

لا تتولد أعمال الفنان من التكرار بقدر ما تنبثق من الحضور الكثيف للفراغ، فالفراغ هنا ليس عنصرا سلبيا أو نقصا بصريا، بل بنية خفية مشحونة بتدرجات لونية تتحدث عن الأحوال الداخلية للمشاهد الطبيعية. وهي مشاهد استقاها الفنان من الطبيعة اللبنانية، ولا سيما من أجواء قريته بيصور، حيث تستشعر ريشته العريضة المساحات الخضراء والبيضاء المفتوحة التي تمتد نحو السماء، تتسلق الجبال، وتنحدر لتلتقي بسكون زرقة البحر الممتدة في الأفق. يحلو لنا أن نطلق على معظم هذه المشاهد صفة "الشاهقة"، لا بسبب حجمها، بل بسبب اتساع البحر فيها، أو غزارة حضور الأحمر والأخضر في اللوحات، فهما لا يحتلان الفضاء فحسب، بل يغدوان الفضاء ذاته.

"تحدث" هنا، إذا صح التعبير، مشاهد مشبعة بالضبابية فتحيل الناظر إليها على فكرة التلاشي والحضور على السواء. في هذه المناظر الطبيعية/التجريدية، في صميمها ومنطقها، لا تؤدي السماوات الفارغة أو المسطحات المائية دور الخلفية المحايدة، بل تتحول إلى عناصر فاعلة، مساحات مشحونة بالاحتمال، تتيح للمشهد أن يتجاوز تمثيله المباشر ليغدو تجربة حسية وتأملية، إذ تنتشر ألوان الفنان كالرذاذ الرقيق، حتى تلك التي حملتها الريشة العريضة وفعلتها حركة يد الرسام الانسيابية الواحدة.

لوحات ملاعب تقول لنا: لا تبحث عن قصة أو عن سردية لها بداية أو نهاية، فالمعنى يكمن في ما لم يرسم. لن تعثر على قوارب عائمة، ولا على أثر بشري، بل على أشكال مستطيلة وغير منتظمة، تذكر بالقطع الإسمنتية ذات المسامات، تظهر نادرا في أسفل اللوحات لتمنح المشهد نوعا من مساحة ارتكاز. ستجد قمم جبال بعيدة وشفافة، وشظايا صخرية أو أرصفة مسطحة، تلمح إلى فكرة الشاطئ دون أن تقدمه لك. إنها لوحات معدة للسكن فيها، لا لقراءتها.

لا يقدم الفنان الطبيعة كقوة ينبغي إخضاعها، بل كحضور ينصت إليه ويقام معه توازن دقيق

السكينة هي الملك المطلق في لوحات الفنان. سكينة مسموعة وممزوجة باللون كجسده، والضوء كأنفاسه. لذا يظهرالفراغ المأهول بانسيابات متداخلة امتدادا لرؤية بصرية تتأسس على علاقة تأملية مع الطبيعة وفهم عميق لإيقاعاتها المتغيرة. فعلى سبيل المثل، تستحضر بعض الأعمال مشاهد بحار شتوية باردة مع اقتراب الليل، غير أن هذه المناظر، على الرغم من حدتها المناخية، لا تنتج إحساسا بالصراع أو القلق. بل على العكس، يسودها نوع من السكون الداخلي، حيث لا يقدم الفنان الطبيعة كقوة ينبغي إخضاعها، بل كحضور ينصت إليه ويقام معه توازن دقيق. ومن خلال هذه المقاربة، تتسرب السكينة إلى مجمل الأعمال، فتغدو عنصرا بنيويا يعمق التجربة البصرية ويمنحها طابعها التأملي. وهكذا لا يقارب ملاعب المنظر الطبيعي بوصفه موضوعا للتمثيل فحسب، بل بوصفه حيزا للتعايش والانتباه، حتى في لحظاته العاصفة أو المحتدمة (كما في إحدى اللوحات المشتعلة بالحمرة).

من أعمال ريبال ملاعب

ألوان "صوتية"

 في معرض ملاعب الأول، كانت المشاهد الهادئة التي تحاكي الطبيعة دون أن تكونها، في العديد من لوحاته الكبيرة، حاضرة إما كمساحات لونية متراصة يتسرب إليها قليل من الضبابية، أو من خلال ما يشبه مربعات ومستطيلات صغيرة تبدو نوافذ مينيمالية مطلة على لحظة مختلفة من النهار: وهج وردي خفيف، زرقة باردة، ظلال خضراء شفافة، وتوهجات برتقالية حادة تسبق حلول الليل. وكان الفنان بذلك متأثرا بالأعمال التجريدية لوالده الفنان التشكيلي جميل ملاعب.

ريبال ملاعب في معرض صالح بركات

أما في معرضه الثاني هذا، فقد خرج الفنان من ذلك المنطق، إذ أن مشاهده الحاضرة في رحاب "صالة صالح بركات" اكتسحت نوافذها، وتخطتها، وخرجت منها لتحتل كل قماش اللوحات. ففي حين كانت المساحات اللونية الواسعة في لوحاته السابقة موشومة بـ"نوافذ" لونية صغيرة تطل منها، وتنفذ إلى سائر أرجاء اللوحة، جاءت أعمال معرضه الثاني مختلفة، إذ لا بداية للمشهد ولا نهاية، بل إيقاعات موسيقية متدرجة تذوب وتتشابه، كحالة من الخدر، في حقل بصري واحد، عبر لوحات متعددة تتراكم وتتداخل وتتواتر فيه ضربات الفرشاة، ولا سيما العريضة منها.

يرسم ملاعب بالضوء، الذي يشكل جوهر أعماله، حيث تتحول المشاهد الطبيعية أو التجريدية إلى مقاطع موسيقية كلاسيكية تباطأت حتى أصبحت مرئية. وهذه الألوان "الصوتية" هي ألوان الفنان الأثيرية ذات الايقاع الهادئ، التي يمكن أن نسميها ألوان "الزوال"، لأنها تجسد فكرة الزوال بأسلوب شعري، كما تفعل النوتات الموسيقية التي تتيح للصمت أن يحدث، ويفيض، وينتهي ضمن سياق زمني محدد.

من ناحية أخرى، تعد اللوحات دعوة لاستكشاف تجربة زمنية، لا مكانا ثابتا. فالزمن فيها زمن معلق، وليس متجمدا. بعض اللوحات يمثل صمتا خالصا، يمتد عبر درجات دقيقة من الأبيض، متحاورا مع الأزرق الناعم المكسور بالرمادي، رمادي المطر الخفيف عند شروق أو غروب شتوي. يبدو أن الفنان ينجذب إلى نصف النغمات، كما ينجذب إلى الصمت ذاته: حضور عابر يتحول إلى جسور زائلة أو حقول ألغام دقيقة لا يمكن عبورها دون حذر وشوق شديد على السواء.

عندما أرسم، أفكر كموسيقي. وعندما أعزف على آلة الفيولا، لدي طريقة خاصة في إصدار الصوت، و 'ألوان' خاصة للصوت

ما يمكن أن نخرج به من معرضه، هو فكرة أن المهم ليس ما يرى، بل كيف يحس الامتداد الزمني، كيف يبقى الماضي حاضرا في اللحظة الراهنة، وكيف يغير الانتباه الإدراك عبر الزمن. هنا تماما يقع ما قاله لنا الفنان خلال حديثنا معه: "الرسم هو انتصار على الزمن الذي يشعرني أحيانا بالكثير من القلق. أشعر أنني بعد إنجاز كل لوحة قد انتصرت، ولو قليلا، على الزمن، لقد سجلت رؤيتي وجمدتها. أما الموسيقى، أو الأداء الموسيقي الحي، فهو فن اللحظة، يحتفل ويعبر فقط في لحظة حدوثه، وهو طريقة أخرى للإحساس بالزمن. وهنا أتكلم على الموسيقى الكلاسيكية المباشرة، لا المسجلة. أمتلك سلاح تجميد الزمن في الرسم، وسلاح الاحتفال باللحظة في الأداء الموسيقي المباشر"، ويستطرد: "عندما أرسم، أفكر كموسيقي. وعندما أعزف على آلة الفيولا، لدي طريقة خاصة في إصدار الصوت، و'ألوان' خاصة للصوت، وذلك نتيجة طريقة دقيقة في التعامل مع القوس على الوتر".

امتداد اللحظة

بشكل عام يمكن القول إن الرسم الواقعي التقليدي، يجمد المشاهد، كأن الزمن توقف عن الدوران. اللحظة تظهر منفصلة عن الماضي والمستقبل، ساكنة بلا حركة. لكن بعض الفنانين المعاصرين، وحتما يمكن اعتبار ريبال ملاعب منهم، سعوا لمقاومة هذا الجمود، محاولين تصوير تدفق الزمن وتداخل اللحظات، وإظهار المدة بدل اللحظة الثابتة.

لوحة لريبال ملاعب

تحيلنا هذه الحقيقة وبشكل هائل إلى فلسفة هنري برغسون. فباختصار شديد، الزمن ليس سلسلة من اللحظات المنفصلة، بل تدفق مستمر يختلط فيه الماضي بالحاضر، والذاكرة بالوعي. في هذا السياق، يمكن القول إن الفنان جعل لوحته أقرب إلى الموسيقى  منها إلى الصورة الثابتة: عمل زمني غامر، ممتد، تتحول فيه الطبيعة من موضوع للرؤية إلى مجال للإحساس.

هنا لا يقدم الزمن كبداية وذروة ونهاية، بل كحضور متواصل يعيش فيه المشاهد، حضور لا ينقطع إلا حين يهم بصرف نظره عن اللوحة. هكذا تصبح اللوحة مجالا للاستمرارية الزمنية لا تمثيلا للحظة. وفي هذا الإطار يجيء كلام ملاعب عندما سألناه عما يعنيه له الرسم: "أرسم كي أخلق حالة نفسية، أو مكانا وزمانا مثاليا أحلم أن أكون فيه. إن كنت حزينا أو فرحا، ومعظم الأوقات أنا قلق. يسكنني شعور دائم بالقلق وإحساس بطغيان الوجود، فأرسم لأرتاح، أو بالأحرى، لا أرتاح إلا عندما أرسم. أشعر بالراحة في المساحات اللونية، وأشعر بالدفء عندما ألون الضوء".

أحد أعمال ريبال ملاعب

ثمة يقين نخرج به من معرضه: أن اللحظة المجمدة تشوه التجربة، أما الزمن الحقيقي فهو متكاثف، ممتد، حي، يتحرك بلا توقف. أعلن برغسون رفضه لما يمكن توصيفه باللحظة المنعزلة، ودعا إلى السماح للذاكرة والتوقع بالتعايش. ويبدو أن هذا ما فعله ملاعب أيضا. وفي هذا السياق أيضا، يمكن القول إن الفنان جعل لوحته أشبه بالموسيقى: زمنية، غامرة، ممتدة، تتحول فيها الطبيعة إلى إحساس، ويصبح الزمن مجالا يعيش فيه المشاهد، بلا بداية أو نهاية، بلا ذروة، ومجرد حضور ممتد لا ينتهي إلا حين يهم بحجب بصره عنها.

يصبح الزمن مجالا يعيش فيه المشاهد، بلا بداية أو نهاية، بلا ذروة، ومجرد حضور ممتد لا ينتهي

من الأمور اللافتة أيضا في أعمال الفنان أنها، بالرغم من كونها لوحات ذات طابع أفقي، تنبض بالحركة من خلال تبدل الألوان والضوء بشكل عمودي،  أي أنها تأخذ عين المشاهد لتتابع مراحل تقدمها وتراكمها وتحولها، حيث تحضر الحركة بشكل بطيء جدا أفقيا وصولا إلى أسفل اللوحة. هذا يجعلنا نتساءل: ما الذي يمكن أن يقدمه الموسيقي/الفنان بعد هذا المعرض؟ هل سيخوض تجربة فنية جديدة بعيدا عن الضبابية والانسياب، مستكشفا عالم الأشكال المكسرة والمتحركة، مستلهما جماليات الطبيعة وحركتها؟

كل ألوان ريبال ملاعب هي بدايات، حتى اللوحات التي يجسد فيها حدث الغروب. انها الغنائية التجريدية الايجابية في أبهى صورها.

لوحة لريبال ملاعب

ولد ملاعب في عام 1992 في بيصور، لبنان، وانتقل في سن السابعة عشرة إلى سالزبورغ، النمسا، لدراسة الفن في أكاديمية "موزارتوم". بعد ذلك، انتقل إلى فيينا للدراسة في جامعة الموسيقى والفنون المسرحية، حيث حصل على درجة الماجستير بتقدير ممتاز. أقام معارض فردية في العديد من المعارض المرموقة مثل "غاليري إستر ووردهوف" في جنيف وباريس، و"غاليري جانين ربيز" في بيروت، و"غاليري أورينت" في عمان، و"غاليري أغينور" في زيوريخ، و"غاليري كلود ليمان" في باريس، و"غاليري كاتابولت" في بازل.

font change