وحده فبراير/ شباط تخلف عن غيره من أقرانه الشهور، بفقدانه ليوم تارة، وليومين تارة أخرى، في تعداد حساب الثلاثين كاملة، أو ما يزيد في حظ شهور أخرى تبلغ الحادي والثلاثين، ولذلك رجع صدى في حكاية أمازيغية، حاولت تقديم تفسير للمسألة، وفق رؤية تخييلية، تحت عنوان "بكائية أو دموع فبراير"، وهذا نصها:
"يحكى أن عجوزا كانت تتجشم عناء البرد الأهوج والمطر المندلق بشراسة في اليوم الأخير من شهر يناير/ كانون الثاني، فيما ترعى قطيعا من الخرفان لوحت بيدها المترهلة وضربت بعصاها على الأرض صارخة باستياء وغضب في جمع خرفانها:
- تشيو... تشيو... سيرحل يناير القبيح هذا، وسيحل فبراير الجميل، ليعوضنا عن قسوة أيامه الفظة.
صرخة الاستياء هذه سيسمعها يناير وتثير حفيظته فيحتقن غضبه ويسارع بالتوسل إلى فبراير كي يستدين منه يوما من مدونة أيامه لتدارك خطب هو بالتأكيد الانتقام من الراعية العجوز التي أحدثت فيه جرحا غائرا بكلام استيائها القادح. فيقرضه فبراير يوما من فصوص أيامه بشرط استرداده مع قدوم العام الجديد، وبذا تتعزز لحظتها أيام يناير بيوم دين.
إثر ذلك تتلبد السماء مكشرة عن اسوداد ناقم وتجهش غيومه المحتقنة ببروق رعب وأمطار عاصفة لم تكتف بإتلاف وقتل قطيع الخرفان بل وأزهقت روح العجوز الراعية أيضا. هكذا تحقق ليناير مراد الثأر في وقت وجيز، غير أنه لم يف بوعد اتفاقه مع فبراير ورفض أن يرد الدين إلى صاحبه عندما دارت رحى العام وفضل أن يتبنى اليوم الذي ليس له.
في المقابل، سيلمّ بفبراير الحزن الفاجع على فقدانه أحد أيامه المسلوب منه غدرا وخيانة، وهذا ما يفسر رمادية طقسه ومزاجية مناخه وعدم استقرار جوه وأطلق عليه اسم "شبراير بويمطاون" أي فبراير البكاء / البكائي أو الدامع".
منمنة فبراير
غير بعيد عن هذا المنحى السوداوي للفقدان، هناك منمنمة لشهر فبراير وجدت في مخطوطة محفوظة في مكتبة براغ تنسب الى المعلم ليو، ويقدر تاريخ خلقها الفني سنة 1320.
يلوح في صورة هذه المنمنمة شخص بلحية، جالس على حجر في ضفة قد تكون لنهر أو بركة، يرفع ساقه اليسرى مشمرة وعارية من حذائها، والثانية على عكس الأولى مزروعة في حذاء يركنها على الأرض، فيما يضع يده اليسرى على ركبته ويغطي جزءا من الساق العارية، بينما يده الأخرى مرفوعة قليلا على ركبته اليمنى، فاردا أصابعها كأنما يحصي بها أمرا. الخلفية وراءه غسق تعتوره ثقوب بيض، وقريبا من رأسه ما يشبه هلالا، فكأنما هو يجلس في كوة مطلة على قرية أو مدينة، ويفهم من ساقه المرفوعة قدمها المكشوفة أنه جاب فراسخ مسافة ماراثونية، ثم ارتكن ذلك الحجر المنزوي على تخوم تلك البلدة الشبح وراءه ليحرر قدمه المعطوبة إما بفعل ألم سببه الأكيد ضيق مداسه، أو ليجس جرحا ما على ساقه.



